قراءات ودراسات

نصوص الأغانى .. واللبس فى التسمية بين “كلمات” و”شعر”*

محمد على عزب *

هناك خلط شائع بخصوص اٍطلاق تسمية “كلمات” فى أحيان كثيرة على نصوص شعر الأغانى بدلا من تسمية “شعر”, وهذا الخلط الشائع يتنقص من قدر شعرية نصّ الأغنية, بل لن أكون مغاليا اٍن قلت أنه يضع نصّ الأغنية فى موضع آخر غير الشعر, واٍذا نظرنا اٍلى مسمى “كلمات” سنجد أنه مسمى عام ليس له مفهوم محدد, ويطلق على كل الكلام سواءا كان كلاما أدبيا أو غيره, ولو نظرنا اٍلى موقف النقد الحديث والمعاصر من نصوص الأغانى سنجد أنه قد فرّق بين مُصطلحى “الشعر الغنائى” و”شعر الأغانى” ـ كما أشرت سابقا فى مقاربة بعنوان “الغنائية فى الشعر بين الشعر الغنائى وشعر الأغانى” ـ فالأول مرتبط بمركزية حضور الذات الشاعرة فى النصّ والتعبير عن مكنونانتها ومشاعرها الخاصة, ومن هذا المنطلق لا ترتبط الغنائية فى الشعر والأدب المعاصر بموسيقى الشعر, فالغنائية حاضرة فى قصيدة النثر, وفى كل الأشكال الأدبية طالما ان هناك حضورا مركزيا للذات فى النصّ, أما “شعر الأغانى” فاٍنه يُكتب من أجل الغناء ويراعى فيه ( سلاسة الموسيقى وعذوبة اللفظ والقرب النسبى للمعانى وقابلية موضوعاته للتعبير عن المشاعر العامة )1اٍلى جانب المشاعر الخاصة, ولم يتضمن التفريق السابق الاٍعلاء من شأن النظم والتقريرية على حساب الشعرية فى صياغة شعر الأغانى, ولكن أشار اٍلى أهمية الموسيقى والقرب النسبي للمعانى وليس المباشرة, وليس ذلك مبررا لاٍطلاق مسمى “مؤلف كلمات أغانى” على الشاعر الذى يكتب الأغنية, وحتى اٍن كان هناك الكثيرون من شعراء الأغنية يُرَجِّحُون كفّة النظم والمباشرة الشديدة على كفّة الشعر وصوره وجماليته, فالأصل فى الأغنية هى أنها شعر بما تحمله كلمة شعر من دلالات, ومن نافلة القول الاٍشارة اٍلى أن روائع الشعر الكلاسيكى كانت منظومات شعرية توازان بين موسيقى الشعر وأخيلته ومجازاته, وكانت هناك أشكال شعرية كتبت قديما من أجل الغناء مثل شعر “التروبادور” فى فى القرن الثانى عشر والثالث عشر الميلادى فى أوروبا ( ويبلغ عدد القصائد المنتمية لهذا اللون 4542 قطعة لثلائمة وخمسين شاعرا )2, ومثل شعر الموشحات والأزجال والمواويل الذى ظهر فى القرن الثالث الهجرى فى تراثنا العربى, وألّف أبو الفرج الأصبهانى “976م ـ 359 هجرية” كتاب “الأغانى” جمع فيه الأغانى العربية ونسب كل أغنية لشاعرها وملحنها, ويدل ذلك على أن شعر الأغانى له جذور تاريخية ممتدة فى الشعر العالمى والعربى, وله شعراء متخصصون فى تأليفه على مر العصور, هذا اٍلى جانب اٍلى القصائد التى كُتِبت من أجل القراءة ثم تحوّلت اٍلى أغانِ .
ولأن شعر الأغانى يُكتب أساسا من أجل الغناء ظَنّ متواضعو الموهبة أنه مجرّد نظم كلمات بشكل تقريري, ومن هذا الباب دخلوا اٍلى ساحة كتابة الأغانى, وخاصة فى أيامنا هذه, ومع نُدرة الدراسات الأدبية التى تناول شعرية الأغنية ومقوماتها ترسَّخت تسمية “كلمات” لتدل على نصّ الأغنية بدلا من تسمية “شعر”, واختلط الحابل بالنابل وظُلم الكثير من شعراء الأغانى الذين تضمنت نصوص أغانيهم تراكيب شعرية لا تقل فى شعريتها عن النصوص التى كتبها معاصريهم للقراءة, ولم تنل هذه النصوص حقها من النقد الأدبى وعلى سبيل المثال نصوص أغانى أحمد رامى ومرسي جميل عزيز وعبد السلام أمين وحسين السيد وغيرهم, ونستشهد بهذا المقطع الشعرى من أغنية “عاشق الروح” التى كتبها حسين السيد ولحنها وغناها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهَّاب فى فيلم “غزل البنات” سنة 1949م :
عِشقت الحبّ فِى معبد بَنيتُه
بنيته فِى فكرى وِ كيانى
وخلِّيت الأمل راهب
مالوش عندى أمل تانى
أدخل الشاعر حسين السيد فى المقطع السابق مفردات وتراكيب لغوية جديدة فى معجم الأغنية العاطفية ” عشقت الحب فى معبد بنينه” و”خليت الأمل راهب”, ولم تكن هذه الكلمات مستثقلة على سمع المتلقى, وأكد حسين السيد بذلك أن عذوبة ألفاظ الأغنية لا تتوقف على اللفظ نفسه بل على قدرة توظيف الشاعر له فى النصّ الغنائى, وفى هذا الصدد لا ننسي تجربة الشاعر سيِّد حجاب الرائدة فى صياغة أغانى المسلسلات الدرامية, وما حملته هذه التجربة من ملامح شعرية متميزة, حيث استطاع سيد حجاب أن يطوّع الشكل الفنى للأغنية القائم على سلاسة الموسيقى والحفاظ على القافية والتشاكلات الصوتية “الجناس بأنواعه” لصالح جماليات الشعر من لغة تنزاح فى تركيبها عن معيار تركيب التوصلية, وتصوير شعرى واٍيحاءات قريبة نسبيا من فهم المتلقى, ورغم أنها كُتبت أساسا للتلحين والغناء اٍلاّ أنها بعد ذلك طُبِعت فى كتاب “ديوان الأغانى”*3 نظرا لما بها من مقومات شعرية, وجماليات ولا تقل عن جماليات قصائد دواوين سيد حجاب الخمسة التى كتبها خصيصا للقراءة, وعلى سبيل الاستشهاد أقدم هذا المقطع من أغنية مسلسل “الأيام” قصة عميد الأدب العربى طه حسين :
أيام .. ورا أيام .. ورا أيام
لا الجرح يهدى ولا الرجا بينام
ماشى فْ طريق الشوك ماشى
لكنِّ قلبى مطرح ما يمشى بيبدر الأحلام
العتمه سور والنور بيتوارَى
وايش للفقارَى فى زمان النوح
مِيِتا تِخطّى السور يانوّاره
ويهلّ عطرك على الخلا ويفوح
وفى حدث عالمى منحت لجنة نوبل “جائزة نوبل” فى الآداب للملحن وشاعر الأغانى الأمريكى “بوب ديلان” سنة 2016م, لأنه أدخل تراكيب شعرية فى الأغنية الأمريكية التقليدية, ويعد ذلك السبق اعترافا وتقديرا عالميا لشعرية الأغنية وأنها يمكن أن تكون نصّا أدبيا وحتى اٍن كان مكتوبا من أجل الغناء, فالأصل فى الأغنية كما أشرت سابقا هى أنها شعر منظوم وليست مُجرّد نظم فقط, وبناءا على ذلك لا بد أن نُفرِّق بين شعر الأغانى والنظم التقريرى الخالى من الشعرية, وهذا هو دور النقد الأدبى والدراسات المتخصصة فى شعر الأغانى وتراثه وحاضره ومرتكزاته الجمالية, وأعتقد أن اختلاف وسيط التلقّى لا يقف عائقا أمام دراسة نصوص الأغانى التى يتوافر فيها مقومات شعر الأغانى الحقيقي, والشاهد على ذلك هو أن النص المسرحى فى الأساس نصّ أدبى يُكتب من أجل التمثيل على خشبة المسرح, وفى نفس الوقت تتم دراسته على أنه نصّ أدبى .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ معجم المصطلحات الأدبية – تحت اٍشراف الشاعر فاروق شوشة والدكتور محمود على مكى – مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 2007م ص 99
2 ـ المصدر السابق ص 38
3 ـ صدر الجزء الأول من “ديوان الأغانى” للشاعر سيد حجاب فى “كتاب الثقافة الجديدة” مع مجلة الثقافة الجديدة المصرية عدد مايو 2006م
• هذا المقال مقتطف من كتابى النقدى “مقاربة مفهومية فى المصطلح الشعر المعاصر” ـ قيد الكتابة

*شاعر وناقد من مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق