ثقافة المقال

التغييرو العاطفة الغضبية

عبد المنعم همت

في خضم المعارك الحياتية ضد الفكر والعمل المؤدي إلى الاستبداد , ينبغي استنهاض الوعي الأخلاقي وتدريبه على المقاومة والانتصار وبهذا يتشكل الوعي الثوري الباحث عن بناء منظومة أخلاقية ثورية تشخص الأزمة وفقاً لمنهجية ثم تضع معالم الاستنهاض عبر برامج قابلة للتنفيذ وليست أحلاماً محضة .
عندما تٌدار المعارك التي تستهدف الإستبداد تنجذب الجماهير الواعية مدركة عمق الأزمة وفداحة الواقع وتعمل في منظمات ذات طابع مقاوم في معظم الأحيان . هذا الواقع ينتج إنسان ثائر مدافع عن القيم الأخلاقية العليا . ومن خلال المعارك يكتسب خبرات نوعية تعينه على الصمود وفي ذات الوقت يختبر قدراته الشخصية على الصمود والمقاومة .
تبدأ الأزمة الحقيقية عندما تطول فترة مقاومة الاستبداد مما يبلور عقلية جديدة متمرسة في المقاومة , عقلية تعرف كيف يفكر العدو ومراكز القوة والضعف فيه . فإن نجحت هذه العقلية في اقناع الجماهير سوف تُسقط الإستبداد وتكون في طليعة الجماهير وبهذا تنجز مرحلة ذات أهمية قصوى والتي من شأنها إعادة الثقة بنجاعة الثورة .
بعد كسب المعركة ضد الإستبداد وإزالته من قمة الحكم تظهر المعارك الحقيقية المتمثلة في القضاء على الإستبداد كفكرة وممارسة لأن المستبد يكون قد نجح بنسب متفاوتة في بناء العقل المستبد , وإزالة العقل المستبد معركة تستخدم فيها أدوات تختلف كماً ونوعاً من التي أُستخدمت لإسقاط الإستبداد . فالعقل المستبد له أجنحة مظلمة تخيم على مفردات العمل اليومي إذا لم يتم استئصالها وتقديم الوعي المستنير المناهض للإنكسار .
قد نجد , من قوى الثورة , من يحمل العقل الثوري العاطفي والذي لا يؤمن بأهمية بناء مرتكزات استنارة خلاقة تتناسب مع ما بعد الإسقاط , فنجد أن العقل الثوري العاطفي يعمل بأدوات النضال التي إكتسبها في عصر الإستبداد والتي تتبع استراتيجية وتكتيك لا ينبغي استخدامه في مراحل لاحقه مع نفس العدو . عدم القدرة على التعاطي مع الواقع الجديد بهويته النضالية الجديدة يؤدي وبصورة حتمية إلى الجمود الفكري والتوهان .
العقل الثوري العاطفي يصطدم بسقف الطموحات الافتراضية التي عمل من أجلها المتمثل في التغيير الذي لم يحدث كما توقعه فينتح عن ذلك حالة من الإحباط بسبب وجود الأسئلة الكبيرة والتي في مقدمتها من نحن وماذا نريد وكيف نحقق ما نريد؟؟
الجماهير الواعية والتي قادة التغيير أمام امتحان البديل , أمام مطالب البسطاء لتوفير الخبز والتي ايضاً وقعت ضحية لإحلام التغيير الآمن. هذه الإزمة هي واحدة من معيقات الانتقال الديمقراطي , فالبسطاء في الغالب غير معنيين بتعقيدات ما تركه العقل المستبد .
للإجابة عن أسئلة الإنتقال الملحة ينبغي وجود أفكار توظف الطاقات الثورية وتحولها إلى البناء وهذا واجب المثقف الفاعل الذي يمتلك الأدوات الفكرية اللازمة للتغيير والقدرة النافذة لتوحيد الجماهير حول مفهوم الثورة .
المثقف الفاعل من يفكك التحديات الحياتية ويحيلها إلى أدوات عمل يومية تلتف حولها الجماهير الطليعية . هنالك علاقة عكسية بين الوعي والاستبداد فكلما إزدادت وتيرة العمل لرفع قيم الخير والعدالة والحب والجمال تتقازم قيم الاستبداد . المثقف الفاعل لا يكتفي بالنقد وكشف نقاط الضعف بل يعمل على إصلاحها وهذا ما عمل مفكرو الثورات العظيمة على الاتيان به . معظم الثورات تفشل لعدم قدرتها على تفعيل مطالب الجماهير الثورية ولعدم وجود الوحدة النوعية حول المفاهيم وهذا بالطبع يقود إلى تضارب قوى الثورة وهنا أعني ضرورة تعريف المفاهيم الكلية التي شكلت شعارات الثورة وتنزيلها على مفردات الحياة . فمثلاً الحرية قيمة عليا ولكن تعريفها محاط بتعقيدات كبيرة , وكل فرد أو جماعة قد يكون لهم تصور لمعنى الحرية وفي الغالب لا يكون هنالك تعريف دقيق لكلمة حرية مما يعيق مرحلة مهمة في الثورات وهي ما تعرف بمرحلة الانتقال أو التحول الديمقراطي .
عندما يخطو التحول الديمقراطي خطواته الأولى يصطدم بالعقل المستبد والذي رسخ للبسطاء أن رغيف الخبز أقيم من الحرية , وأن الصمت على الظلم فيه سلامة ونجاة من بطش المستبد . وقد نلاحظ أن البسطاء يرتفع صوتهم في أيام التحول الديمقراطي وتزداد مطالبهم بعد شعورهم بالأمان فتظهر عقلية جديدة تنتظر الحلول دون أن تساهم فيها , هذه العقلية تكتفي بالصراخ ورفع سقف الطلبات لتحقيق الحياة الكريمة ولكن دون أن تشارك في تحقيق هذا التغيير وتكتفي بدور الجلوس على الرصيف .
كلما يرتفع صوت البسطاء ضد الثورة فهذا يشير على بطء التغيير وضعف تأثير الطليعة الثورية والتي من واجبها التعامل مع هذه المستجدات ببرنامج عمل من أولوياته توعية الجماهير بحجم الأزمة والحلول المطروحة والعمل على استقطاب البسطاء إلى العمل الجماهيري وذلك بتوسيع آفاق العمل السياسي والاجتماعي عبر منظمات المجتمع المدني وغيرها .
هنالك مشكلة ليست بالبسيطة وهي أن إستقاء المعرفة لدى النخب قد تكون متعارضة تماماً مما يؤدي إلى الإختلاف الكلي بعد الانتصار على الاستبداد . فهنالك قوى تسهم في مقاومة الاستبداد ولكنها تحمل استبداداً جديداً لا يحترم التنوع والاختلاف بالطبع . استبداداً لا يحترم الآخر بحيث تضيق به الممارسة فيلجأ إلى الإقصاء لقوى الثورة نفسها وبذلك يضيق آفق الثورة وتتحول الصراعات إلى ذئاب تنهش التغيير .
قد يبرر الاستبداديون الجدد تصرفاتهم بحرصهم على الثورة وقدرتهم على حسم أعدائها . قد يبدو التبرير منطقياً من الناحية الشكلية ولكن مرفوض لأنه يؤسس لثوب جديد من التسلط مبني على مركزية القول والفعل ومعيارية صدقه وكذبه . بكل تأكيد هذه ليست دعوة لاتاحة المجال لأعداء الثورة من الذين تم الاطاحة بهم فأعداء الحرية لا يستحقونها .على الطليعة أن تعي أن إحترام التنوع والالتزام بادارة التنوع والاختلاف على أسس قوامها سلمية الصراع لينتج استقرار حقيقي لتكون كفة الديمقراطية هي الراجحة .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “التغييرو العاطفة الغضبية”

  1. الشعب فقد خلال ال30ين عام الفهم السياسى البعيد عن الايدولجية والتطرف الاسلاموى الذى ذرعه الإخوان وهذه الحرية الفكرية تحتاج لأعوام لإعادة الوعي لدى المواطن البسيط اولا
    تشكراتى دكتور عبدالمنعم لطرحك المتمكن

    1. اشكرك استاذي تاج السر ..مازلنا نمر بأزمة الانتقال الديمقراطي وهذا تحدي كبير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق