ثقافة المقال

الحداثة الفكرية الصهيونية قديمة جديدة

الأستاذ محرز شلبي

في سبتمبر 2014م نشرت مجلة (The tower) في عددها الثامن عشر مقالاً لعضو الكنيست عن حزب العمل والأحزاب المستقلة (إينات ويلف Einat Wilf) بعنوان: (نحو صهيونية الإدماج) Towards a Zionism of Inclusion؛ كان الغرض من كتابة (ويلف) لهذا المقال هو الدفاع عن الصهيونية بالاستناد إلى فكرة (الإدماج) لمحاولة التخفيف من حدَّة اتهام الصهيونية بالعنصرية، والإقصائية، والإبادة الجماعية، وكافة الشرور الاجتماعية التي كانت تعكسها لافتات المتظاهرين ضدها في أنحاء العالم.

كما حاولت (ويلف) أيضاً نفي الاستعمارية والعنصرية عن فكر (تيودور هرتزل( يقول د. أحمد خضر : ” استناداً إلى فكرة «الإدماج» ذاتها، فتقول: «إن الرؤية الأصلية عند هرتزل هي أن الصهيونية تشمل اليهود، والنصارى، والمسلمين الذين يعيشون في انسجام من أجل هدف مشترك». وتعلق (ويلف) على ذلك بقولها ” إن تاريخ الصهيونية يكشف لنا أن هذه اللحظة ليست بعيدة المنال جداً، وتؤكد أن المدافعين العظام عن الصهيونية فشلوا في إدراك ما تسميه بالجانب الأكثر إيجابية في الأيديولوجية القديمة للصهيونية وهي أن الصهيونية تعادل (الإدماج)… وأن الصهيونية تسير وستستمر في مسارها بخطى ثابتة نحو الإدماج المتزايد، على العكس من قول هؤلاء الذين يدَّعون بأنها أيديولوجية إقصائية منذ لحظة تأسيسها، ثم تصف الصهيونية بأنها واحدة من أكثر الحركات السياسية والقومية في العالم ارتباطاً بالإدماج.”
** أهم ما ورد في المقال يلخص في العناصر الموالية :
**01 – فكرة هرتزل الأصلية..
إن بعث الدولة اليهودية هو نوع من تأسيس (فيينا) في المشرق العربي. كان يريد تحقيق (يوتوبيا) أوروبية مركزية على ضفاف نهر الأردن.
كان جمهوره المستهدف هم اليهود أنفسهم الذين تمثلوا الثقافة الأوروبية وذابوا فيها مثله.
كان يريد بناء أوروبا أفضل في الشرق الأوسط، أوروبا جديدة مثل أوروبا الحقيقية يشعر فيها اليهودي بالأمن، ويشغل منصباً فيها، ولا أحد يسأله عن إحساسه بالانتماء.
**02- مدى رد اليهود..
لم يستجب اليهود في وسط وغرب أوروبا لفكرة هرتزل في البداية على عكس يهود أوروبا الشرقية.
القليل منهم من كانت تستهويه فكرة استعادة السيادة اليهودية على ما يسمى بأرض إسرائيل والنظر إلى هذا الأمر بجدية.
فوجئ هـرتزل بأن يهـود أوروبا الشرقية هم الذين احتضنوا الفكرة الصهيونية، وهم الذين استلهموا رؤيتها، وأرادوا أن يكونوا بناة الدولة الجديدة، وكانوا يودون فعل أقصى ما لديهم لبعث السيادة اليهودية على ما يسمونه بأرض إسرائيل.
**03- اعتماد قصة الصهيونية على الدوام..
إن الآلية الصهيونية هي واحدة من الآليات التي تعتمد على إعـادة كتـابة ورواية تاريخهـا؛ فهي مصممـة على الدوام لاسـتيعاب جماعات كانت مسـتبعدة في السابق. إنها لا تركز على مجرد التمثيل والاستيعاب البسيط أو حتى ما يسمى ببوتقة الانصهار، إنها تعمل على إعادة كتابة مستمرة لقصة الصهيونية بحيث تظهر قصة جديدة لمحو القديم، ومن هنا جاء الإحساس بأن الصهيونية قادرة دائماً على أن تدمج فيها الجماعات التي كانت مستبعدة سابقاً.
تعمل الآلية الصهيونية بالطريقة نفسها؛ إنها دائماً قصة تعاد روايتها، ومع ذلك يمكن أن تكون قصة واحدة في وقت معين.
** 04- دولة ولكنها وهمية !!
يقول هرتزل إن اليهود اليوم بإمكانهم أن يمشوا بفخر متساوين مع الأمم الأخرى طالما أن لهم دولة حتى ولو لم يكونوا من مواطنيها.
لقد أوجدت الصهيونية سلسلة شاملة من عبارات الرفض التي تؤكد ذلك: الإيجابية ضد السلبية، القوة في مواجهة الضعف، الفخر في مواجهة الإذلال، الاستقلالية في مواجهة الاعتمادية، الصحة في مواجهة المرض. لقد أتت الصهيـونية لترى أنها العلاج لكل العلل التي عانى منها اليهود في الماضي.

** 05 – ما أكدته دولتهم ..
ضمت دولتهم إلى صفوفها هؤلاء الأحياء من الهولوكست واستخدمتهم للحرب من أجل ما يسمونه الاستقلال. وهذا أيضاً إدماج براغماتي؛ احتاجت إليهم إسرائيل من أجل البقاء، لكنها لم تكن تريد الاستماع إلى قصصهم لأنه لا مجال في الرواية الصهيونية لهم.
وقد استخدمتهم فقط لتُبين أنه لا حياة يهودية في المنفى.
استمعت الصهيونية لمن بقي حيّاً من المحرقة، وتمَّت إعادة كتابة تاريخ إسرائيل والصهيونية تبعاً لذلك…
لم يحدث هذا بسرعة ولكنه استغرق عشرات السنين؛ أصبحت بعدها قضية المحرقة متكاملة مع قضية الصهيونية ووصلت إلى درجة أن الكثير من الناس باتوا يعتقدون أن المحرقة هي السبب في وجود إسرائيل ..
**06- وللرواية مشاهد أخرى..
هناك جماعة أخرى أساسية ، إنهم اليهود الذين هاجروا من البلاد العربية. قبل المحرقة كانوا أقلية صغيرة في العالم اليهودي…
**07- مناداة لفئات متناثرة / لتساهم في تأسيس الكيان الصهيوني ..
فكَّرت إسرائيل في العقود الأخيرة أن تضم إليها المجتمعات البدوية والدروز… كان السبب الرئيسي لذلك براغماتياً بالطبع؛ وهو الحاجة إلى جنود.
ومع بدايات الحرب مع العرب التحق المجتمع البدوي ومجتمع الدروز بكامله لمحاربة الجيوش العربية.
وخلال الصراع الأخير مع حماس أصبح كبير القادة الدروز بطلاً في نظر الإعلام اليهودي بعد أن طلب العودة مرة أخرى إلى القتال على الرغم من جروحه الشديدة. إن العديد من الدروز لا يصنفون هويتهم الذاتية على أنهم إسرائيليون فقط ولكن على أنهم صهاينة.
**08- الربيع العربي وما قدمه من هيبات للصهاينة!!
استفادت الصهيونية من ثورات الربيع العربي لإدماج النصارى المتطرفين فيها، بل ومن العلمانيين العرب أنفسهم ، ومن العملاء …، وأعطت اهتماماً خاصاً إلى محاولة إدماج المغالين في التطرف من اليهود والنصارى الإسرائلييين فيها.
تبنى النصارى الإسرائيليون في الماضي بصفة عامة هويات عربية فلسطينية، وكان النصارى من بين أهم المفكرين المؤثرين في فكرة القومية الفلسطينية والعربية، ومن أشد المتحمسين لها.
وهذا يرجع في جانب منه إلى وضعهم كأقلية بين المسلمين العرب؛ لكن ثورات الربيع العربي وضعت حياة النصارى الشرقيين في تناقض وتوضحت الأمور عندهم بجدوى تبني الهوية الإسرائيلية بدلاً من الهوية النصرانية. وأدركوا أن الهوية العربية هوية إسلامية بصورة حصرية وأنها معادية صراحة للنصرانية، هنا ظهرت الهوية الإسرائيلية بديلاً ممكن لحل مشكلة الهوية.
من هنا بدأت معركة إدماج هؤلاء اليهود الأكثر تطرفاً في الرواية الصهيونية. في البداية أخذت شكل طلب دخولهم الخدمة العسكرية، ومشاركتهم بدرجة أكبر في قوة العمل.
** 09- عقبة داخل دولة إسرائيل المزعومة !!
يمثل المسلمون الإسرائيليون العقبة الكبرى في إستراتيجية الإدماج الصهيونية. وهم الذين يصفون أنفسهم حديثاً بالفلسطينيين المسلمين العرب الذين حصلوا على الجنسية الإسرائيلية. تقول (ويلف): ” إنه من الصعب حتى هذه اللحظة – ويبدو سخيفاً – أن نفكر في إدماجهم المستقبلي في الرواية الصهيونية. إن المسلمين الإسرائيليين أنفسهم قد يرون الفكـرة إهانة لهم ولإحساسهم بالهوية القومية الفلسطينية العربية، لكنني أرى إمكانية ذلك في وقت ما في المستقبل… إن الحركة القومية الفلسطينية يصعب عليها أن تدرك كيف تسعى الصهيونية إلى إعادة كتابة روايتها لإدماج الفلسطينيين المسلمين… “.
**10- مردود العملاء قديما اليوم ..
هم ، هم ، كانوا …، من أهل الثقافة والفكر والسياسة …، وحالهم اليوم يؤكد العمالة نفسها …!!
إن بعث التاريخ المدفون للمسلمين المؤيدين للصهيونية في فلسطين أمر هام للغاية. وقد كشف التاريخ مؤخراً كتاب هيلين كوهن (جيش الظل: تعاون الفلسطينيين مع اليهود)، الذي يكشف العديد من الشخصيات المنشقة في المجتمع العربي المسلم الفلسطيني ممن نظروا إلى الصهيونية نظرة إيجابية وساعدوا اليهود كثيراً.
بَعْثُ التاريخ الذي يذكرنا بهؤلاء مثل (هيفاء حسن بك شكري) التي كتبت للحكومة البريطانية في عام 1921م: «نحن نحتج بشدة ضد ما يسمى بوفد المسألة الصهيـونية. نحن لا نعتبر الشعب اليهودي كعدو يريد أن يسحقنا، على العكس من ذلك نحن نعتبر اليهود كأخوة لنا يشاركون أفراحنا، وأتراحنا، وساعدونا في بناء بلدنا المشترك».
** أخيرا / كلمة حق لابد من ابتلاعها رغم المرارة !!
اليهود لهم نفس طويل لتحقيق أهدافهم ، يتلونون في أساليبهم ووسائلهم في مختلف المجالات وبدهاء ، الفكرية والثقافية والإعلامية …، لا يكلون دون ملل ولا عياء ..!! ، ولكنَّ والحق يقال أن ” أهم ما علمتنا الصهيونية هو أن الواقع يبدأ بحلم”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق