ثقافة المقال

وردة الجزائرية بين النسيان والجحود!

"أريد العودة للجزائر فورا! "

بقلم: منير مزليني

“أريد العودة للجزائر فورا!” ..
بهذه الكلمات المعبرة التي أودعتها أميرة الطرب العربي وردة الجزائرية آخر أنفاسها لتكون وصيتها الأكيدة وأمنيتها الأخيرة قبل الرحيل عن هذا العالم في 17 من ماي 2012 لتتوقف نبضات قلب عاش ومات محبا للوطن، لنقلت على متن طائرة عسكرية بأوامر رئاسية من مطار القاهرة إلى مطار دار البيضاء بالجزائر العاصمة أين تمّ استقبال جثمانها بوفد رسمي قبل تدفن بالمقبرة العالية مثوى الأبطال ومرقد الزعماء فتوارى الثرى جسدا، ويظل التاريخ شاهدا على مسيرة فنية خالدة حافلة بالأعمال الإبداعية تجمع بين الأغاني والأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية والإذاعية والمسرح. حيث بلغ رصيدها الفني بما يفوق 200 أغنية، وستة أفلام سينمائية من 1962 إلى غاية 1994، وثلاث مسلسلات تلفزيونية من 1974 إلى غاية 2006، ومسلسل إذاعي” دندش”، كما شاركت في مسرحية “تمر حنة ” 1974 أمام كبار نجوم فن التمثيل في مصر.
هي مسيرة طويلة حافلة لتعود بنا الذاكرة لـ 22 من يوليو لعام 1939 تاريخ مولد وردة فتوكي (وردة الجزائرية) بفرنسا من أب جزائري أصيل سدراتة ولاية سوق اهراس، وأم لبنانية بيروتية من عائلة ” يموت ” والتي أراها ترتبط بالشاعر اللبناني الكبير بشير بن سليم يموت (1890ـ1961) صاحب المؤلفات الشعرية العديدة من بينها كتابه المشهور (شاعرات العرب من الجاهلية والإسلام). وهناك بالنادي الذي كان يملكه والدها تعلمت وردة الغناء على يد الفنان التونسي الراحل ” الصادق ثريا” فكانت تحيي الأمسيات بأغاني المطربين العرب مثل أم كلثوم واسمهان وعبد الحليم حافظ، كما أدت بعض الأغاني الخاصة بها من تلحين معلمها الصادق ثريا إلى جاني بعض الأغاني باللغة الفرنسية. وبعد أن أغلق نادي والدها، رحلت مع والدتها إلى لبنان.
وبحسب (موسوعة كتاب الأغاني الثاني) للدكتور “سعد الله آغا القلعة”، فقد قامت المطربة وردة الجزائرية بتسجيل أسطوانات بتلم الأغاني التي كانت تؤديها ومنها تسجيلها أسطوانة بأغنية يا ظالمني لأم كلثوم بصوتها عام 1956. وعندما ذهبت للبنان تعرفت هناك على الملحن محمد محسن الذي قدمها لإذاعة دمشق بمجموعة من الأغاني ومنها أغنية ” دق الحبيب دقة” والتي اشتهرت وذاع صيتها بين المستمعين في سورية والتي تقول كلماتها:
” دق الحبيب دقة في منتهى الرقة
فتحت له قلبي وما قلتلوش لآ .”

ثم جاءت احتفالات عيد الوحدة العربية بين مصر وسرية عام 1960 لتقدم من خلالها المطربة وردة الجزائرية أغنية ” أنا من الجزائر” بإقرار من إذاعة دمشق، فكان لتلك الأغنية ضدا كبيرا ولما تمثله فنيا وسياسيا من دلالات الوحدة لاسيما وأنا المطربة من وطن عربي لازال محتلا وتحت قيود الاحتلال الفرنسي. فغنت الأغنية أول مرة بحلب في 20 فيفري 1960 ثم في دمشق في 22 من الشهر نفسه، أين قدمها للجمهور المخرج محمد سلمان بقوله:” صوت ثائر من جبال الأوراس من الجزائر، وردة الجزائرية “. وقد لحن الأغنية محمد محسن ” وكتب ملماتها ” ميشيل طعمه ” والتي تقول:
” من قلبي تحية
من روحي تحية
للوحدة القوية
حييها شعوبها شمالها وجنوبها
بقيت جمهورية أكبر جمهورية
من قلبي تحية
للشعب اللي سطر تاريخو بإيدو
يا اللي كان سلاحو إيمانو وكفاحو “
للشعب اللي طمن
للشعب اللي أمن
بجهادو القناء
للشعب اللي جاب
للشعب اللي عاهد زعيمو جمال “
وبعد سماع هذه الأغنية المنبعثة من أثير إذاعة دمشق في القاهرة، تولدت لدى جماعة القاهرة فكرة إعادة تقديم نشيد ” الوطن الأكبر” والذي سبق وأن قدم قبل شهر من ذلك، أي في جانفي 1960 بمناسبة وضع الحجر الأساس للسد العالي ، الذي كتب كلماته الشاعر الكبير “أحمد شفيق كامل” ووضع لحنه الموسيقار الكبير “محمد عبد الوهاب” وقد شارك فيه جملة من المطربين المشهورين يمثلون ثلاثة دول عربية وهم : عبد الحليم حافظ وشادية وهدى سلطان من (مصر) ، و المطربة نجاة الصغيرة من (سوريا) ، وصباح من (لبنان) ، ثم أعيد تسجيل النشيد سينمائيا بمشاركة وردة الجزائية من (الجزائر) وإضافة مشهد خاص لها مع إضافة المطربة (فايدة كامل) والاستغناء على هدى سلطان ليتوسع عقد الوطن الأكبر.
حيث كان نشيد الوطن الكبير يقول:
” وطني حبيبي الوطن الأكبر
يوم ورا يوم أمجاد بتكبر
وانتصارته ماليه حياته
وطني وطني
وطني يا مالي بحبك قلبي
وطني يا وطن الشعب العربي
يا اللي ناديت بالوحدة الكبرى
بعد ما شفت جمال الثورة
أنت كبير كبير كبير
من الوجود كله من الخلود كله “
وفي 1962 وبدعوة من المنتج والمخرج حلمي رفلة الذي قدم لوردة الجزائرية دور بطولة في الفيلم السينمائي ” ألمظ وعبده الحامولي”. ثم جاءت أزمتها مع نظام جمال عبد الناصر المخابراتي الذي أعادها إلى الجزائر لشبهة تعاملها مع المشير عبد الحميم عامر، فتزوجت من ضابط سابق من الجزائر الذي منعها من الغناء، حتى جاءت الذكرى العاشر لعيد الاستقلال وبطلب من الرئيس هواري بومدين شاركت وردة في ذلك الحفل عام 1972 بأغنية ” من بعيد / أدعوك يا أملي ” كلمات الشاعر الجزائري الكبير ” صالح خرفي تلحين الملحن الكبير ” بليغ حمدي” والتي تقول فيها:
” من بعيد أدعوك يا أملي وأهتف مـن بعيـد
أنا لم أزل للحب الوحيد للذكريات الخالدة
للزفرات الصاعـدة
يوم المسير إلى الفداء وغدات تلبية النداء
يوم يزف إلى القلوب لقيا الحبيب مع الحبيب
صوت الجزائر يا حبيبي … “
وبعد طلاقها زوجها عادت وردة إلى القاهرة لتبدأ انطلاقة جديدة مع الفن والغناء وتزوجت بالملحن الكبير ” بليغ حمدي ” الذي استمر تعاملهما معا حتى بعد طلاقهما الودي الذي وقع سنة 1979.
وقد أعتبر النقاد الفنيون الانطلاقة الحقيقية لوردة الجزائرية عام 1979 بأدائها لأغنية (أوقاتي بتحلو) للسيد مكاوي والذي خصصها لأم كلثوم إلا أنها رحلت عام 1975 وبقي محتفظا بها حتى تعرف على وردة الجزائرية والتي غنتها في حفل مباشر مع الجمهور.
وذاع بعدها صوت وردة الجزائر، وبدأت روائعها الغنائية تزهر وتبثق من ملحق لآخر، فتعاملت مع أكبر الملحنين وأشهرهم هؤلاء الذي وضعوا لها أشهر الألحان وأجملها فكانت تلم الأغاني الخالدة في عالم الفن والطرب. ومن أشهر أولئك الملحنين: محمد عبد الوهاب، بليغ حمدي، حلمي بكر، السيد مكاوي، صلاح الشرنوبي وغيرهم..
وقد غنت وردة الجزائرية للوطن الجزائر في عز أمجادها وفي أحلك وأشد أيامه، فبعد رائعة من بعيد / أدعوك يا أملي للشاعر صالح خرفي، غنت رائعة عيد الكرامة ألحان الموسيقار الكبير حلمي بكر والتي تقول كلماتها:
“عيد الكرامة
عيد الكرامة والفدا يا عيد يا عيد
هليت على وطني بفجر جديد يا عيد
يا أغلى من أعيادنا يا رمز لجدادنا
أحكي لأولادنا أحكي
وسمع لدنيا قريب وبعيد قصة كفاح أمة وشعب مجيد
يا عيد بلادي
يا بلادي حبك في وجداني
يا أغلى أنغامي وألحاني
يا أرض الطفولة والحب والصبا
بنتغرب ونرجع للأم الطيبة
وفي كل خطوة أسمع أهلا ومرحبا
وبلدي يا بلدي فداها ألف ألف شهيد … “
كما قدمت أغنية:” إلياذة الجزائر ” للشاعر الجزائري الكبير مفدي زكريا: وتلحين الراحل ” محمد بوليفة” والتي أشار إليها الكاتب الدبلوماسي إبراهيم رماني في كتابه ” الذاكرة المتقدة” أين نقل عن المطربة وردة تخوفها من أداء هذه الأغنية، وأظن كان تخوفها في مكانه ولا مجال للحديث عنه في هذا السياق ونتركه لفرصة أخرى إن سمح المجال. كما أدت أغنية “مازال واقفين” بمناسبة احتفال الجزائر بالذكرى الخمسين على الاستقلال، فيما كان آخر ألبوم لها عام 2011 بعنوان ” اللي ضاع من عمري “.
وفي كتابه ” الذاكرة المتقدة” الجزء الأول منه يذكر الكاتب إبراهيم رماني أنه حينما نقل للمطربة الكبيرة وردة الجزائرية دعوة السيد لخضر بن تركي مدير الديوان الوطني للثقافة والاعلام السابق لإحياء حفل بالجزائر لعام 1995 قبلت الدعوة مباشرة وقالت له بالحرف الواحد: ” أنا شاوية من أرض الأحرار، لا أتأخر ابدا عن بلدي الجزائر “.
رغم كل ذلك وما قدمته وردة الجزائرية من إبداع في فن الغناء ومن تضحيات ومواقف مشرفة حبا في هذا الوطن ولأجله إلا أن ذلك لم يشفع لها عند ذاكرتنا الخربة والجحود، كيف لا ونحن نتجاهل ذكراها ونسقط اسمها من كل قوائم المسميات على المنشآت والمعاهد والمؤسسات الثقافية والفنية ونطلق عليها ما دون ذلك من أسماء مما يناسب ولا يناسب.
ليبقى السؤال الكبير والحزين مطروحا، والذي يتكرر معنا دوما، لماذا هذا النسيان أو هذا النكران لكل العظماء من المبدعين والكتاب والمفكرين في بلادي؟ أهو النسيان، أم الخيانة والجحود؟!
الخميس: 20/05/2021

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق