قراءات ودراسات

الذات الشاعرة والمُحْتَمَلُ الموضوعي فِي: “القُبْطَانُ البرّي”

عبد الرّحيم الخصّار يُبحرُ فِي اليابسة.

د. رشيد طلبي*

يُعدُّ “عبد الرّحِيم الخصّار” شاعراً وكاتِباً مغربيّاً. صدر له العديد من المجموعات الشعرية. وهي: “أخيرا وصل الشّتاء” (2004)- أنظُرُ وأكتفِي بالنّظر” (2007)- “نيران صديقة” (2009)- “بيتٌ بعِيد” (2013)- “عودة آدم” (2018). والديوان الأخير الموسوم ب”القبطانُ البريُّ”. منشورات المتوسط. 2020. وهو ديوانٌ من الحجم المتوسط، يصلُ إلى حوالي ثمانين صفحة، متضمناً اثنتي عشْرة قصيدة.
إن أوّل ما يسترعي انتباهَ القارئ، هو العنوان الذي عَمَدَ فيه الشّاعرُ إلى تقنيتي التصادي والحذف الدلاليين. فكلمة “قبطان” دالة على مرتبة عسكرية، تخوّلُ نواعا من المسؤولية على الباخرة في مجال الملاحة البحرية. وبذلك تحملُ دلالة الحرب والغزو. لكن النّعت الذي أضيف إليها “البري”؛ خلَقَ نوعا من التشويش الدلالي لدى المتلقي. ليشكّلَ هذا التصادي فاتحة شعرية للبحث عن الدلالة المحتملة. أمّا بخصوص الحذف، فقد خلقته طبيعة العنوان الذي جاء مكونا من (مبتدأ+ نعت) والخبر محذوف، ربما تقديره ما سيقوله الشاعر في متن هذا الديوان. ومادامت الجملة الاسمية دالة على الثبات والاستقرار، فإن الشاعر يحاول أن يتحدث عن حقيقة قطعية، على الأقل بالنسبة للذّات الشاعرة، ورؤيتها الخاصّة لنفسها وللعالم.
وَفْقَ هذا السيّاق، يُمكنُ الاستعانة بالشّاعر نفسه، وهو يُقاربُ معنى هذا التقابل فِي المقطع (9) من قصيدة (حروب داخلية):
“لاَ بِحارَ وَلاَ سُفُن
لاَ قوارِبَ ولا مجادِيف
لاَ صوارِي ولاَ مِرْساة
أنَا القُبْطَانُ البرّيّ
أُخْرِجُ الخوْفَ منْ دولاَبِي
خُطُواتِي أمواج
يدَايَ شراعان
وَنظْرَتِي تُبِيدُ القراصِنة” (ص63).
من خلال هذا المقطع الشعري، فالعنوان دال على الحرب التِي تخوضُهَا الذات الشّاعرة فِي الحياة. لكونِهَا تُبْحِرُ كلّ يوم فِي اليابسة، فِي مواجهة دائمة مع كل ما هو غير إنساني، وهو ما يُحيلُ عليه كلمة (القراصنة). تعدُّ هذه الصورة الشعرية فاتحة القول الشعري الذي تطمح الذات الشاعرة الخوض فيه، والعمل على تبليغه للمتلقي. ويظهر أنه يتأسس على ثلاثية تتمثل في كل من الذات الشاعرة التي تترنح في المحتمل الموضوعي بين خطاب الحب وخطاب الموت. وذلك، بعد تجربة حياة تفوق الأربعين عاماً. وهو ما يشير إليه الشاعر في المقطع (5) من قصيدة (صوتُكِ يُنَوِّمُ الذّئْب). يقول:
“بَعْدَ أرِبَعِينَ عاما من الحُبِّ
أجْلِسُ وَحْدِي فِي غُرْفَةٍ مُظْلِمَةٍ
أُصْغِي إلى صرِير الذكريات” (ص52).
لهذا، يرومُ القول الشعري محاولةَ التّعرِيف بالذات الشاعرة، بعد وُقوفِنَا عند الرحم (La matrice) الذي يؤسّسُ لتنوعات الخطاب الشعري فِي هذا الديوان. وبذلك، فالذاتُ الشّاعرة؛ ذاتٌ تحاربُ/ تقاومُ على اليابسة، وبشكل يومِيّ، لدرجة أنّها تُصاب بالسّأم والضّجر، ما دامت تجدُ نفسَها وحيدة في هذه المواجهة. وهذا ما يؤكده الشاعر حين يقول “عائداً من حرْبٍ مع لاَ أَحَد” (ص6). ويذهب صوب تفسير هذه الدلالة، وفق سيرورة تعريفية، اعتمادا على ضمير المتكلم (أنا)، مُسْتَعْمِلاً أسلوب النفي تارة، وأسلوب الإثبات تارة أخرى، فِي نطاق المفارقة الشعرية التي يخلص من خلالِها إلى نتيجة تُحافِظُ على هذه المعادلة الأسلوبية. وذلك، في قصيدة (لنْ أدْلِقَ حياتِي على كَتِفٍ غيْرِ كَتِفِي)، حيثُ قال:
“أنَا كلُّ هَؤُلاءِ
وأنَا لاَ أَحد” (ص11).
وعلى الرّغْم من أنّها تَظْهَرُ عدمية، أو على الأقل تدعي الضّعْفَ والهوان، الذِي عبر عنْهُ الشاعر في هذه القصيدة بقوله:
“أنَا قشّةُ تِبْنٍ فِي مَمَرٍّ قَصِيٍّ
تَدُوسُهَا الأقْدَامُ وتتألّمُ
أثَرُ جُنْدُبٍ يَعُودُ مُتخَفِّياً مِنْ ليلةِ حُبٍّ
برْمِيلُ خَمْرٍ مُعَتَّقٍ فِي جَوْفِ سفِينةٍ غارِقة
حَفْنَةُ تُرابٍ فِي قَبْضَةِ عاشِقٍ مَخْذُول
مِفْتَاحٌ يرْتَعِشُ فِي يدِ رَجُلٍ سَكْرَان
أنا رِسَالةٌ قدِيمَةٌ تَعْبُرُ المُحِيطَ فِي زُجاجة
ولاَ تَصِل” (ص10).
فإنّها في الشق الآخر من الخطاب، تستجْمِعُ قواها، وترفع راية التّحَدِّي. يقول الشاعر فِي نفس القصيدة:
“لَنْ ألُوذَ بِجِدَارٍ غير الجِدَار الذِي بَنَيْتُهُ أنَا
لنْ أُخْفِيَ وَجْهِي فِي مِعْطَف
لَنْ أخْطُوَ إلاَّ حَيْثُ كُنْتُ سأخْطُو
وَحِينَ تتشَابَكُ السِّهَامُ
أوْ يَعْلُو صوتُ الرَّصَاص
سأتْرُكُ صَدْرِي عارياً دونَ مجنٍّ
لنْ أَدْلِقَ حَيَاتِي على كتفٍ غيْرِ كَتِفِي
أو كَتِفِكِ” (ص14).
من هنا، إذا كَانت الذات الشاعرة هكذا، وهي فِي مواجهة مستمرّة مع يومياتها على اليابسة، فإنها تبقى متحلحلة فِي ثنائية الحب والموت. حيثُ تَستمرُّ تقنية التصادي على مستوى الخطاب الشعري. وبذلك تضَعُ الذّات الشّاعرة تجرِبة الحب فِي مُقابِل خطاب الموت. ليس باعتِبَارِه مآلاً وحسْب. بل يُحيطُ بهذه الذّات خلال تلك التجربة. إذ يعْمَدُ الشّاعر إلى مسألة التّذكُّر. وكأنه يستعطفُ الموت لسرد الذكريات وحكي الأحداث والتمعُّنِ فِيها وَفْقَ رؤية شاعرية. وكأنّ هذه الذّات فقدت لذة الحياة حين تَتأسف على جزءٍ منْهَا. وقد لا يحضُرُ الموتُ هنا فِي صورته الحقيقية، بل فِي صورة مجازية لا يعدو أنْ يكونَ هو النسيان أو ما شابه. وبذلك، يقولُ الشّاعر في المقطع (4) من قصيدة (نافِذَةٌ تسْكرُ بالمُوسِيقَى):
“(…) مَا تَسْمَعِينَهُ لَيْسَ أنِينَ القِيثَارات الكَهْرَبَائِيَّة
فِي حَانةٍ بِشَارِعِ رامبّارت
إنّهَا الذّكْرِيَاتُ وحِيدَةً تتألّمُ” (ص25).
بذلك،فالشّاعر يُحاوِلُ أن يفرِدَ أمَامهُ تجربةَ الحُبّ، التِي لا تعْدُو أن تكونَ تجربة حياة، كَيْ يتأمّلَها بصيغة المُحارِبِ الذي نَجَا مِنْ حُروبِهَا وخسارَاتِهَا، لتفتخِرَ الذّاتُ بهذا الانْتِصَار ولو مؤقّتاً. إذ يقُولُ فِي المقطع (1) من قصيدة (صَوْتُكِ يُنَوِّمُ الذّئْبَ):
“فِي حُرُوبِ الطُّرُقِ التِي تُفْضِي إلَيْكِ
أنَا الجُنْدَيُّ الوَحيدُ الذِي نَجَا” (ص48).
ويتابع الشّاعر التأمُّلَ فِي هذه التّجْرِبة، التِي يعمَدُ فِيها إلى الجانب العَاطِفِي، عِوَضَ التعامُل العقْلاَنِي البارِد. لذلك، جاءتْ جُمْلَة مِنَ المَقَاطِعِ الشِّعْرِيّة طَافِحَةً بهذا الحَنِين، والمشاعِرِ الجيّاشَة، احتِفاءً بالخسارات التِي لم تَزِدْهَا سوى مُضِيٍّ فِي هذا التأمّل واستدعاءِ كلّ تلكَ الذّكْرَيَات. يقولُ الشّاعر فِي المقطع (12) من نفس القَصيدة:
“أُنَادِمُ الذّكْرَى
وَأُفَكِّرُ فِي الخُذْلاَن
أَشْكُو للْمَاء الحُبّ الذِي لَمْ يَكُنْ حُبّاً
ثُمَّ أُغَنِّي قَلِيلاً مَعَ السّيدَة:
(يَقُولُ النّاسُ إنَّكَ خُنْتَ عَهْدِي
وَلَمْ تَحْفَظْ هَوَايَ وَلَمْ تَصُنِّي)” (ص59).
بسَبب هذه العلّة العاطفية التِي وقفت عليَها الذات الشّاعرة، تدخُل فِي ما أسْمَتْهُ بالحروب الداخلية، وهي محاولة البحث عن الحل، أو بصيغة أخرى، محاولة البحث عن سبب مقنع لهذه الحروب التِي تجاوزت الأربعين عاما أو ما شابه، وهي تُقلّبُ حطام السنين بين كفّيْهَا وما تراكم من الذكريات في زوايا الغيّاب. يقول الشّاعر فِي المقطع (3) من قصيدة (حُرُوبٌ دَاخِليّةٌ):
“رُبّمَا المًوْتُ
بِمِعْطَفِهِ الطّوِيل وقُبّعَتِهِ السّوْدَاء
وَحَقِيبَته الّتِي تُشْبِهُ حقِيبَة طَبِيبٍ
مِنَ القَرْنِ التّاسِع عَشَر
هُوَ فَحَسْب مَنَ سَيُغْلِقُ فَمَ هذَا العَطَش” (ص61).
مِنْ عُمقِ هذا التأمُل فِي تجربة الحب، ينْبَعِثُ خطاب الموت، وكأنّهُ علامة الأزمة التِي تعانيها الذات الشّاعرة، لذا، يمكن القَوْل فِي هذا الباب أنّ ما عانتهُ وتعانيه الذات الشّاعرة خلال تجربة الحب، دفعها إلى تأمّل الموت برؤية شاعرية فريدة، وكأنّ الحياة ليست سِوَى مقبرة أخرى محادية للموتى الحقيقيين، لذلك، لا غرو من الاقتراب منهم وبعث الحياة فيهم بصيغة أو بأخرى، بل اللّقَاءُ بهم والمسامرة معهم. كأنهم الأصدقَاء الذين ينبغي أن نُخصّصَ لهم وقتا للزيارة والاستماع إليهم. يقول الشاعر فِي قصيدة (المَوْتَى ينْتَظِرُونَنِي علَى الطّوَار):
“سَأَعُودُ غَداً يَا أصدِقائِي الموْتَى
أنَا أيْضاً أُقِيمُ فِي قَبْرِ آخر
لاَ يَبْعُدُ كَثيراً عنْ هذه المَقْبرة” (ص19).
لكن، يتبدّى أنّ الذّات الشّاعرة وإن حاولتْ تأمُّل الموت، فإنّها غير مسْتسلِمَة له بشكل أو بآخر. فلازال فِي جُعْبَتِهَا الحياة بكَامِلِهَا. لذلك، تطلُبُ مِنْهُ التمهّلَ، مستعطفة إيّاه، وإلاّ من سيتسنّى لَهُ القيّام بتفاصيل هذه الحياة التي نستحضِرُ منها ما يفصحُ عنه الشاعر فِي مقطع أخّاذ من قصيدة (تَمَهّلْ أيّهَا المَوْتُ قلِيلاً):
“تَمَهّلْ أيُّهَا المَوْتُ
إذَا أخَذْتَنِي اليَوم إلَى مَغَاراتِكَ التِي لاَ ضَوْءَ فِيهَا
فمَنْ سَيَصْحُو غَداً
لِيُشْبِكَ يَدَيْهِ بِيدَيْ طِفْلِهِ الوَحِيد
ويَتَنَاوَبَا مَعاً علَى الغِنَاء
والصُّراخ وَالصّفِير؟
مَنْ سَيُجْلِسُهُ أَمَامَهُ قُبَالَةَ مِقْوَدِ السّيّارة
وَيَطُوفُ بِهِ الدّرُوبَ خِلْسَةً
عنْ أمّهِ التِي تَخافُ عَلَيْهِ منْ لَسَعاتِ الأيّام؟
مَنْ سيَبْتَسِمُ لهُ إذا مَا رَقَصَ علَى المَكْتَبِ
وَزرَعَ الفَوْضَى فِي بهْو البَيْتِ
وَكَسّرَ الأوَانِي
ولَوّنَ الشّراشِفَ والمَلاءَات؟
مَنْ سيَرْتَجِفُ قَلْبُهُ
إذا لَمَسَتْ جَسَدَهُ الصّغِير يدُ الأنِينِ
وَلمْ يرْأفِ الألَمُ بِغُرْفَتِهِ الزّرْقاء؟
مَنْ سيَلْهُو معَهُ فِي أرْجُوحَةِ الحَيّ
وَيَمُدُّ لهُ يدَهُ حِينَ تُشِيحُ بأيْدِيها الأيّام؟” (ص70-71).
إنّ هذا الاستعطاف، لا مبرر له سوى تلك الرّغبة الجامحة في الاستزادة من الحب والحياة، مع القدرة على الاستمرارية في الحرب والمقاومة على بساط اليابسة. ولا تجد الذات الشاعرة بدّا من التذرع بالكتابة باعتبارها سلاحاً قوياً ومناسباً ليْسَ في مقاومة الموت وحسبْ، بل فِي حروب الحياة أيْضاً. هذه الكتابة التي تعدُّ غير عادية، حيث يستحضر الشاعر أمثاله من الشعراء فِي تعضيد هذه الرّغْبَة مادام حبل الأيام قصير، مثل المقطع (6) الذي يستحضرُ فيه الصديق الشاعر (عبد الله بن ناجي) في قصيدة (أكْتُبُ غَزِيراً لأنّ حَبْلَ الأيّامِ قَصِير):
“أوْقِفْ سيّارَتَكَ الزّرقَاء فِي أفوزار
ضَعْ حجرَيْنِ أمَامَهَا يا صَدِيقِي
كَيْ لاَ تَجْرِفَهَا الذّكْرَيات
أَخْرِجْ لُعَبَكَ القدِيمَة مِنْ سَلّةِ العائِلَةِ
وامْزِجْ ماءً بمَاءٍ
فحِينَ ينَامُ العَالَمُ
سَتَصْحُو الكَلِمَات” (ص46).
وأخيراً نخلُصً إلى مُنْتَهَى الدائرة التِي يرسُمُها الخطاب الشّعْرِي فِي ديوان (القُبْطانُ البرّيُّ)، وهي الكِتابة. التي تعدُّ ملاذَ الذات الشّاعرة التي من خلالها تحاول أن تعيَ ذاتَها، فِي أُفق بناء رؤية تجاه المحتمل الموضوعي. حيث يتجلّى أنّها تترنح فيه بين خطاب الحب؛ الذي تحارب من أجله، وإن جاء بصيغة ذكريات وتذكرات وآهات وحنين. وخطاب الموت الذي تواجهه بالكتابة كمبتدأ ومنتهَى فِي الوقت نفسه. غير مستسلمة له أو للحروب التي لا زالت تخُوضُها فِي خضمّ تفاصيلها اليومية على هذه اليابسَة.

​​ 
​​​د. رشيد طلبي/ المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق