قراءات ودراسات

ثنائيّات التأبين والتّكوين في نصوص” كسرة خبز”

للكاتب حسن إبراهيمي.

قراءة نقديّة بقلم: مهدي غلاّب.

تُــــطالعنا كتابات حسن إبراهيمي في ” كسرة خبز” بإشارات تكوين خطابيّة منقوصة، تنبّئ بولادة قيصريّة عسيرة في بداياتِها أوصلتنا إلى مرحلة تناول نصّي بكر، غير مكتمل المقاصد والغايات. فاِحترنا -الحقيقة- في تصنيف الأثر. هل نضعه ضمن الخانة النثريّة المتصلة بالسّرد والحكاية؟ أم نعتبرهُ كمجموعة خواطر متقاربة تصبُّ في سياق إبداعي؟ أم بالأحرى نقدّمُه كبضع ِ شعارات و”يافطات “تختزل عدد من المطالب الآنيّة المحدّدة والمشحونة برسائل” فَنْتازِيَّة” (Fantaisiste)؟
ولكن رغم التّيه الواضح في النصّ فالعنوان يجيب سريعا، حتّى قبل بداية الغوص في عوالمه، ليوجّه القارب وجهة حسّية اجتماعية تنطلق من العوز والفقدان الماديّ والمعنويّ أو الذاتي والموضوعي أو بمقدار آخر لنقل الخاص والعام، وهي مقاربة تحملنا إلى تداول الفرد والوطن أو بالأحرى الإنسان والعالم في ضوء غياب تحديد قراءة للوطن، كما سيتضح فيما بعد. وبحسب الفهم الذي اِتّضح واِعتبارا لعدّة معطيات منها الأسلوبيّة المتعلقة بالجانب التّقني والخطابيّة المتعلّقة بالجانب المعنوي والمضمون، يمكن أن نحدّد العمل كمجموعة نصوص قصيرة تحمل مضامين الشكوى والألم ومتجهة لمحاولة فهم الذات وردّ الاعتبار انطلاقا من واقع مريض ومتهالك. فالكلمة الأولى من العنوان “كسرة” حاملة لمدلولات سطحيّة نسبيا، تُظهر فيما تُظهره محدوديّة الزّمان والمكان، إذا نظرنا إلى المحيط والاهتمامات اليوميّة المتعلّقة بها والتي تحضر فيها طموحات ضيّقة لا تكاد تتجاوز معنى القوت اليومي أو الغذاء. وهو مفهوم يلتزم بسياق خاص، ينحصر أساسا داخل العائلة والمجموعة البشريّة الصغيرة التي تعيش محكومة بالعائلة الكبيرة المرجع في علاقة معقّدة، فالفرد وحده لا يساوي ذرّة تراب وإنّما تشابك المصالح هو الكفيل بتحقيق التّقدّم على جميع المستويات، على غرار ما يرى عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي المعاصر “ادغار موران”(Edgar Morin (……- 1921، وهذا رغم الأهميّة وثراء الخصوصيّات. ففي القاموس اللّغوي لسان العرب لصاحبه الإمام العلاّمة ابن منظور الذي ولد بقفصة جنوب تونس (طبعة دار الحديث بالقاهرة سنة 2003)، نجد نفس الكلمة عندما تأتي بكاف منصوبة (كَسرة) تحيل إلى الزّاوية والركن الضيّق وهو تأكيد لما رأيناه من اِنزواء الكاتب ورد فعله الثّائر على محيطه الخاص. بينما تأتي الكاف مجرورة على شاكلة (كِسرة) لتضيف معنى الهزيمة والانكسار، وكلّها سمات تبدو متعلّقة بالكاتب انطبعت في ثنايا العمل النصّي، وظهرت بملامح مقتضبة تردّد في الإفصاح عنها بوضوح منذ البداية، حتّى أن التَّصديرة الأولى في الإهداء وِشّحت بمضامين شبقيّة كإطار شكلي لم يتم الالتزام به إلا بمجرّد مرور عرضي اِتّسم بالقلق والشّكوى من ذلك:
“فطيف المرود أرهقه السّفر بدون اِنتسابٍ… وعري الهزيمة تدلّى […..] العمامة” (ص8). لذا فالحضور الذكوري الجسدي (الفحولة) ضعيف، ما يجعلنا نعتقد أنّه يتضمّن ترتيبات للتّمويه والمراوغة للتّغطية على خصوصيّات أخرى، ولا نستغرب أن تكون فيه إشارات عبثيّة مادامت الرّسائل غير متّحدة في أبواب ولا تتوفّر على مضامين واضحة، شأن المباحث والمشاريع النصيّة مهما اِختلفت. وحسب ما يتوضّح لم يتمّ تضخيم الذّات رغم حضورها، بل بالعكس اِتّجهت النيّة إلى وضعيّة الصّمت المحتوم لدرجة الإعراض والخجل والموت أحيانا ويظهر ذلك بوضوح في نصه الرّابع والأخير بالصّفحة الحادية عشرة “يرتدي صمتي غمدا …. كُلّما أزلتهُ يلمعُ الموتُ في حضن اللِّسانِ”، وطبعا بمعنى آخر، كلّنا نخجل من تقديم أولويّة تجاعيد اليد على تجاعيد الواقع والتّاريخ مثلا. حيث إنّ التعاطي محكوم بالطّباع والممارسات الضيّقة وموسوم بالاتّجاه إلى الخضوع أسفل السّفح، مادام عاجزا عن تقديم بدائلٍ. ومُكتفيا بالصراع من أجل الصّراع وتقديم الشّعارات الرّنانة، إذ تواتر ذكر الجُحر في النّصوص من البداية إلى النّهاية، والجُحر – الحقيقة – شئنا أم أبينا مربض، يقرّب الإنسان من حالته البدائية فيخلق صنما للعجز يخاف منه فيعبده، ويظلّ بذلك يقتات من خسرانه حتّى يتلاشى. وما جلب اِنتباهنا على إثر ذلك تبلور الحالة النّفسيّة والاجتماعية القاسية، وهي مقدّمات تحمل في أدنى حالاتها اعترافا بالضُّعف يَصُبُّ- بالطّبع -في خانة تصوير الصّعوبات والمرور على المصير التّراجيدي للفرد وإظهار مدى تحمّله للمواقف الصّعبة والأزمات والصّبر على الشدائد. فاِنقاد الكاتب في خيار الانكفاء والاكتفاء بدل التّدبير والتّحرير، وهو اِتجاه يُظهر جليّا مدى اِرتباطه بالوعي الذّاتي في مواجهة العالم. كما يرى الفيلسوف الألماني” أدموند هوسرل“(E. Hosserl) في تناول مفهوم “ الظّاهراتيّة ” أو ما يسمّى بالفنمنولوجيا، بحيث عمل على ردّ الاعتبار للفرد دون اعتبار المرجع والنشأة والمحيط، الأمر الذي حوّل نقطة الاهتمام من الشموليّة إلى الخصوصيّة خاصة بعد تحرّر النصّ الأدبي ومعه التعبيرات الفنيّة الأخرى من سلطة المقدّس بنظرتها الفوقيّة للأشياء والعناصر الاِجتماعية ، حتى أن عبارة “كسرة” اقترنت بمرجع قبلي قديم منها ما اِتّصل أساسا ببعض التّسميات المحليّة البدائيّة. ومنها ما يُقصد به القطعة الصغيرة أو “الجابور” كتسمية محليّة لصفيحة خبز تقليديّة.


في حين أنّ كلمة ” خبز” تحيلنا إلى قاموس رمزيّ نعرفه جيّدا في ظلّ الوضع العربي البائس وهو الوطن -بالطبع- سواء أكان الوطن الصّغير أو الكبير وهو منحى طالما تغنّى به الفنانون الوطنيّون وكتب فيه أغلب الشُّعراء العرب، لأنّ فيه حضور لمرجعية المقاومة. وكلّنا يتذكّر قصيدة ” أمّي” للشّاعر الفلسطيني محمود درويش التي كتبها عام 1965 – في خضم الوضع العربي المُـــــتشرذم وما تلاه من أحداث عربيّة بارزة منها اِنطلاق العمليّات الفدائيّة لدحر العدوّ الصّهيوني فالعدوان الثّلاثي على مصر، ثمّ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينيّة. ي
قول مطلع القصيد:

أحِنُّ إلى خبز أمّي وقهوةِ أُمّي.. ـ
أحِنُّ إلى خبز أمّي وقهوةِ أُمّي..

وقد جعل منها الفنّان مارسيل خليفة أغنية وطنيّة حماسيّة ألهمت الجماهير، ومن هذا الموقع الحماسي المتقدّم نجد كاتبنا غير بعيد عن حلبة الصّراع الذي يتحوّل شيئا فشيئا من الحسيّة إلى الرّمزيّة فيبدو مثقلا بالشّعارات، يلقي بظلاله منذ البداية ليوجه النّص إلى مسار اجتهاد قتالي خلق فيه الكاتب مكوّنات الصّراع ليتحوّل العمل إلى حلبة للمبارزة تتقابل فيها الأضداد دونما خضوع للمحددات “الزمكانيّة”.

-أزمة الزّمان والمكان والمدلولات الكونيّة:
عرفت أن الأستاذ حسن ابراهيمي صاحب العمل كاتب عربي مستقر بالشّطر الغربي للبلاد العربيّة (المغرب الأقصى تحديدا)، ولكن البعض لا يعلم وهذا الحقيقة لا نحتاجه مادام صاحب العمل نفسه قد تجنّب تحديد شخصيّة ثقافيّة قوميّة، ومع ذلك كنت دائم فطنا حتى لا أقع في فخّ الخلط بين الكاتب والمؤلّف، لذا أردت أن أوضّح أنّه من الأهميّة بمكان التّفريق بين الشخصيّتين، كما نفرّق بين السّماء والأرض أو الشّرق والغرب. فلربّما كانت شخصيّة الكاتب خياليّة مصطنعة أو رمزية مهما كانت ببغاء لمرجعيّة ما أو لغيرها فالكاتب يمكن له أن يدغدغ النّص ببعض خصوصياته ويسقط على الورق بعض البقايا من تعب السّنين وينساق حتى في تحديد شهواته واختياراته ويمكن أن يطبع مذكّرته بآثار الطّعام اِثر مأدبة مهما كانت متواضعة، لكن سرعان ما تنقلب المجريات وتتغلّب الأحداث على الرّغبات فيصير – الحقيقة- سجين توجيهات القلم ومنقاد في موج الشّعارات الفتّانة سواء كانت سياسيّة أم اِجتماعية. ويتحوّل في غمار الأحداث المتراكمة والحيثيّات إلى مجرّد دور بينما يكون المؤلّف بعيدا فهو يمثل الإطار الشّكلي التمثيلي، إن شئنا، كما تمثّل ربطة العنق السّفير، لكن توسّعنا في هذا الباب وابتعادنا على العناصر المرجعيّة ناتج بالأساس عن ضبابيّة في الرُّؤية بحيث أن الإرادة رغم عدم اِنتظامها كانت هي الطّاغية الأولى في كنه الأحداث، فاِختيار المؤلّف عدم تحديد أي مرجع في الزّمان ولا في المكان ناتج عن ضياع المضامين وتفتّتها بين عدّة اِهتمامات لا تخضع لتنسيق ولا لمسار منطقي، حيث لا نجد أي تحديد في الزّمان ولا في المكان من أوّل الكتاب إلى آخره. وهي أطر تقليديّة يمكن أن يتمّ تجاوزها خاصّة مع اِنبلاج فجر التيّار الرّمزي في منتصف القرن التّاسع عشر، الّذي ردّ الاعتبار للفرد والمنطق والحواس، بعد سيطرة الميكانيكا لعقود. ظهرت هذه النّزعة أولا في مُؤلّف “أزهار الشرّ” للكاتب الفرنسي بود لير، ثُمّ تلاه عدد من الكُتّاب المعروفين اليوم بروّاد النزعة الرمزيّة ومنهم رامبو
ومالا رميه وفرلين وكلّ هؤلاء حملوا على عاتقهم رسائل مهمّة في الكتابات الحديثة التي تتّكئ على اللّغة وتعيد الإنسان كمحور للبحث والبناء. وهو ما طبع الكتابات الحديثة وقطع مع مُسلّمات العصور الكلاسيكية. وما نراه جليّا في هذه النّصوص التي نتناولها بالدّرس، يظهر سعي الكاتب إلى الاِنعتاق والخروج من اللُّعبة المشؤومة فبدأ يثأر لنفسه من سطوة النّص مُصرّا على كسر كل القيود، حتّى أنه تجرّأ على تجاوز المقدّس كما نرى ذلك في الصفحة السّادسة والعشرين من الكتاب، عندما قال:

“تاهت الأرض في رتق … فأعلنتُ انبساطها بدون علم السّماء”.

حتى أنّ تردّده في المفاهيم أنتج درجة إبهام في المعاني وصلة غير محددّة بين المظاهر والمقاصد، ما جعله يقتل المضامين، ليتمكّن من إعادة إحيائها في خلق جديد مُستعينًا بمعجمين الأوّل ديني يَضمُّ عناصر التّكوين كالنّار والماء والتّراب (الرّمل) والثّاني وثني فيه حضور للدّم، والقمر والطّلاسم والرّماد. فكانت النّصوص تحلّق الحقيقة في فضاء كوني ما بين السّماء والأرض، ولرُبّما كانت غايته تجاوز الكون من خلال رسائل ذات مفردات قويّة، منتقاة من جعبته اللغويّة الخارقة للعادة تتراوح بين المأساة والمشكاة، ولكن إلى أين سيذهب؟!

-حدود الفنتازيا (Fantaisie) المُبهمة: العبثيّة.
إذا كنّا نعتبر الكتابة من أجل الكتابة في هذا الأثر غاية في حد ذاتها فلنقل على الدنيا السّلام. ساعتها أُفضّل أن يتمسّك كلّ مبدع بمهجعه البسيط، بدل أن يسبح في محيط غدّار وخفيّ العوالم لا فائدة من تبعاته. النّتيجة ستكون حتما الضّياع والخسران وبالتّالي مزيد تعميق لون المأساة الحاضر أصلا في التّفكير العربي منذ بداية العصر الحديث على إثر اِنبلاج الثّورة الأوروبيّة مع نهاية القرن الثّامن عشر. إنّ تعدّد تراكيب الثنائيّات في العمل (قاع القمر، رائحة الحليب، أثداء الطّائرات، أُخدود المساء، ساق الفراغ، رجس الذّكريات، زوابع الأحداث، أطواء الأمكنة، رُفات الغيم، شره العراك، بهو الصّباح، ذاكرة الطّريق، ماء الغير). إذ يُضيف لونا بهيجا إلى البناء النّصي كتقنية تجميلية مثيرة (Fantaisie)، فإنّه يُزيد في ثرائه وتميّزه وهذا بالطّبع يعكس تجربة المُؤلّف وثقافته الواسعة. وكلّها أشباه جمل وردت في صيغة تركيب إضافي لإثراء الخطاب بواسطة إدماج أكثر ما يمكن من التّجانس (التّماثل) اللّفظي في المعاني دون اعتبار الإيقاع لأنّنا اِتفقنا منذ البداية أنّنا نتناول بالدّرس نصوص قصيرة حسب اِجتهادنا في تحديد الجنس وعلى كلّ حال، لا تبدو لهذه النّصوص علاقة بالشّعر ‏ من قريب أو من بعيد. هذا يكفي وحدهُ لوضع غطاء شرعيّة لغويّة في ضوء فشل مشروع الشّرعيّة العقلانيّة. مقابل ذلك هناك ثنائيّات عديدة خلقت للاحتفاظ بالجانب الملحمي للنّصّ والحفاظ على ماء الوجه وإطالة أمد الصّراع حتّى النّهاية جزافا، دون غايات مقنعة بالأساس فنجد تقابل لعناصر لا تتقابل أساسا، هي:

الضّوء / الظّلام، الصمت / الكلام، الأغلال / الحريّة، الشمس / اللّيل، العذريّة / العراء، الأرض / السّماء، اللّيل / النّهار، الذّهاب/ الإيّاب، الهودج / الجحر، الحرارة /البرودة، اليسار/ اليمين، الشّمس / القمر، كذب / صدق، الصّمت/ الكلام، أشجار / حطب، إبرة/ تبن، خريف / ربيع، بياض/ سواد، ميلاد/ عويل، سُمّ/ دواء، سرّ/ علن.

من هنا يَظهر مدى تركيز النّص على دقّة المعنى وغنى التّراكيب، وعلى تنوّع المخيال وزخم المفردات والّتي تكون في أغلب الأحيان مشحونة بعناصر تضادّ تحمل في مجملها معنى الموت والحياة أو الوجود والعدم، ولكن ضياع الذّات العربيّة وتشتّتها وضعفها لم يعد يخوّل لها وجود مرجعيّة للبحث عن الحقيقة إلا عن طريق المسلّمات التي كانت سبب النّكسة، فكان الوعي موجودا لكن العمل غائبا.

في جانب آخر لم يغفل الكاتب عن تدارك تحدّيات الخطاب باستعراض عدد من التّراكيب الغريبة نسبيا، وهي وإن أضافت شيئا فأنها تضيف الجانب السّاخر و براعة التهكّم من الوضع والاستهزاء بالأحداث فكلمة فلق تحوّلت إلى قفل وجاءت كلمة طلاسم كتعبير عن شرود عن المُقدّس ورغبة في ولادة جديدة للخلق ، فالقفل لا يؤدي إلى طريق غير النّهاية، كما أن تحول كلمة صراخ إلى صخر يشير إلى توقّف المسارات و حالة الغصّة والقهر التي تكبّل الوضع الرّاهن في بعض المجتمعات التي لم يكن الكاتب متحمّسا لتحديدها لأسباب نجهلها فأخذ الخطاب في النّهاية بعدا إنسانيّا اِتّسم بالسّخرية من الذّات والعبث، فمضى البناء يتقدّم بخطوة الأعمى في الزّحام، ولنا أن نتخيّل جسامة التّجربة تجاه الذّات نفسها التي تختزل الآخر .
كذلك لا يمكننا أن نغفل عن الإشارة إلى تجربة معتبرة تطرح نفسها كجنس نصّي مستقل بذاته تتمثّل في “الأُقصُودة ” للأديب مهدي غلاّب وهي تشكّلات لبناء نصّي مقامر، يُزاوج ما بين القصّة البرقيّة والقصيدة الومضة، يحمل مضامين لعناصر المفاجأة والعجائبيّة والتهكّم والرّحلة والإباحيّة والخروج عن النّمط والسّائد و يُسمّى متعاطي الأقصودة قصّادا (لا يسمى شاعرا)، فكما يتعاطى القصّاب مع السقيطة، يتعاطى القصّاد مع أقصودته وكلّ في واد. والأقصودة جمعها أقاصيد، تأتي في شكل أضمومات، صدر الديوان الأول” أشتكي.. للقمر…!” في هذا اللون لأول مرّة عام 2016 ومنه نستقي هذا النّص:

ذو الغليون الأصفر … أبو صحرا …
“الفكير” … الغادر ….
الجنّان…!
(أشتكي للقمر ص .242)

بعد الانتباه لنضج التجربة من طرف المتابعين والنّقادـ وهنا طرحت هذه المقاربة للتشبــيه بين التجربتين في المنحى البحثي و في المسارات الخطابيّة التي تنطلق من بيئة ضيّقة لتلامس محيط كوني ـ مع اِعتبار أن الاِختلاف الجوهري الموجود، يكمن في تحديد المفاهيم وفي صيغة الهويّة. وكذلك في مستوى التكثيف ومقدار الحيز العبثي (Le côté absurde). مع إضافة أنّ الأُقصودة باعتبارها تطرح نفسها كجنس نصّي مستقل فإنّها تعتمد على مقاربة التّأجيج والتّتويج، يحضر هيكل بناؤها في قالب هرمي عكسي ينطلق من أعلى القاع وصولا إلى أسفل القمّة، وهي نقطة “بركانيّة” للتحوّل حيث تنحصر الحمم (الماقما) والطّاقة الكافية للتّأسيس والاختيار الأنسب. بحيث تعتمد على بناء هرمي تراجيدي يحمل بذور فناءه ويدفع للاستلهام من الأخطاء لإعادة البناء بالاستفادة من الإرث المشرق والقادم المبرق، الذّي يختزل الإبداع في لحظة برقيّة تحضر وتختفي بسرعة كما يرى الشاعر على أحمد سعيد المعروف بأدونيس.

في خبايا ” كسرة خبز” نلحظ متاهات تلمس فيها السّمكة الطُّعم، ولكن تفرُّ مسرعة إلى العمق. وهذا ما يشكّل ردّة فعل صارخة فيها حضور للنّبرة النّوّابيّة المشحونة وذات الخطاب المغامر والسّالب للذّات المريضة، رغم أن النصّ بعيد عن الشّعر بأشواط ولا يحتكم لموسيقى، إلاّ أن الوجع واحد والصّرخة النوابيّة المفضوحة حاضرة ومشتركة:

اِهتزّ للطلقة واِشتدّ صداها
بين جنبيه مجيئا وذهابا
وسّعت كُوّة زنزانته
واِزدحمت فيها نجوم اللّيل
والأشرعة البيضاء
والحُبّ الذي أوسع من نجد
وترنيم حمامة.
(مظفّر النّوّاب/باقر ياسين)

ويردّ حسن ابراهيمي في النصّ الثّاني بالصّفحة السّابعة:

” في قعر الظّلام أنجبت عينها الأولى …اِتّخذتها الملحمة عيّنة للصّفاء، لكنّ وجعة السّماء التي غادرتها الآلهة أمطرت سرابا يشقّ الرؤية في منتصف الطّريق “.

وهو تشارك في الجوارح والوجدان مع شاعر عربي عظيم ترك بصمته رغم اِختلافات في الإطار وفي تجسيد النّهج العروبي. وكما نلحظ فإنّ المؤلّف لا يحدّدُ وجهة ولا يلتزم بمعطى مفهومي للهويّة في حدّ ذاتها، فنراه يسبح من الشرق إلى الغرب. نجد نصفه الثّاني اِلتحق بالتجربة الأوربيّة، مُبديا تأثّرهُ بالتفكير الوجودي العبثي للمدرسة الفرنسيّة بزعامة البرت كاميس (Albert Camus) رائد التّجربة الوجوديّةـ وهو الّذي عاد أدراجه إلى مربّع جلجامش الأول واِعترف بالموت حتى أنه صنع قرار موته. فكان التّوجه العام في هذا المُؤّلَّف موغل في البحث والبعث وغنيّ بالتّحدّيات بعد اِنسداد أفق تجاوز الثّوابت وهي مقاربة تتّضح في المغزى العام لنصوصه ومتابعات المؤلف في هذا المضمار واصراره -الحقيقة- إن أظهر شيئا فهو مقدار النّقمة على الوضع وفي نفس الوقت إعراضه عن الحلول الجاهزة والمقدّس مع وجود بذور إرادة حُرّة وتجاهل لكلّ ما تقدّمه الديكتاتوريّات من تزيين وهمي، وتزييف وشراء للذّمم والضمير. ما يحيل الكاتب العربي إلى شبه فراغ أقرب إلى العبثيّة، من هنا كانت النّصوص وسادة الكاتب التي يبكي عليها عندما ينام. يتحسّر في كل نصٍّ تقريبا لسقوط المآل في غياهب التّاريخ. فلم نعد نعرف الماضي من القادم وصار الزّمن الرّخيص يكرّر نفسه في كل مناسبة، بينما تطوّر التّجارب الفلسفيّة وتتابع تأسيس الأفكار وتطوّر المدارس الأدبيّة تواصل بسرعة في أوروبا بعد السّبات النّسبي في الفترة القروسطيّة من الواقعيّة إلى الرّمزيّة إلى السّرياليّة إلى الوجوديّة إلى العبثيّة. هذا لا يلزمنا في أي حال من الأحوال أن نحصر إبداعات الكاتب في باب واحد أو بابين -وهذا غير معقول بالطّبع- فالمجال أوسع وهنا يجذبنا في الحقيقة البناء اللّغوي الفتّان للمعجم المختار، وهي نقطة قوّة – الحقيقة- في البناء اللّغوي وفي المضامين مما أنتج مفردات قويّة وفتّانة تسحر الألباب اِستعرض فيها الكاتب عضلاته وأظهر الحقيقة تميّزا وسم العمل، وأستطيع القول أنّه لم يرم المنديل حيال مشروعه النّصّي، بل بالعكس سجّل انتصارا بالنّقاط، ونجح إلى حدّ ما في الولوج إلى ذاته وتشخيص الأزمة.

بقلم: مهدي غلاّب
أديب تونسي مقيم بفرنسا

المراجع:
• مقدّمة الشّعر العربي (علي أحمد سعيد)، دار الساقي بيروت الطّبعة الخامسة سنة 2010.
• المأساة في الأدب (صالح الرزّوق)، منشورات اتحاد الكتّاب العرب 1992.
• ديوان أشتكي.. للقمر…! (مهدي غلاّب) طبعة دار رسلان للطباعة والنشر، سوسة تونس 2016.
• مظفّر النّوّاب: حياته وشعره/ باقر ياسين، دمشق 1988

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق