ثقافة السرد

اجنحة الذاكرة (1): المجلس القصصي الأول

بقلم: ناجي ظاهر

الآن وانا انظر الى الخلف، ارى ان حياتي كانت سلسلة من الصالونات والمجالس، وكان المجلس الأول في بيتنا الدافئ في الحي الشرقي من مدينتي الاثيرة الحبيبة على قلبي الناصرة. يومها.. وكنت في بدايات الطفولة الاولى، تعرّفنا على جارة كفيفة البصر، وكان واحد من ابناء اسرتي، يتبرّع ليكون لها دليلًا يقتادها من غرفتها الصغيرة الملاصقة لبيت اخيها- مدير البوسطة في حينها، الى بيتنا القريب المكوّن من عقدين، وكثيرا ما كان هذا الدليل انا، فقد احببتُ هذه المرأة، وانبهرت بحكاياتها الشعبية الطلية، وأرى اليوم وقد مضى على تلكم الايام العشراتُ من السنين، ان تلك المرأة لعبت دورًا رئيسيًا في حياتي فمنها استمعت إلى اجمل الحكايات، واليها يعود الفضل في اكتشافي طريقي الادبي الذي اصبح فيما بعد طريقَ حياتي كلها.
كنا ننادي تلك المرأة باسم “آدو”، وقد مضى وقت طويل حتى تمكنّت من تحليل اسمها وتفكيك شفرته، ليتبيّن لي ان الاسم الذي كنا ندعوها به ما هو الا تلاعب لطيف باسم قادرية- قادو- قادرية.
كان جُلساء ذلك المجلس الاول في حياتي، قلة من ابناء اسرتي في مقدمتهم الولدة واحيانا الوالد، اما اخوي الاكبر مني اخي جوهر واختي نجية، فقد كانا قلّما يستمعان الى ما تفيض به مُسامراتُنا من حكايات تُفرح الروح وتنعش القلب.. انا كنت الطفل المنبهر الاول بتلك الحكايات.
ذلك المجلس كان يبتدئ في ساعات المساء المتقدمة حينا والمتأخرة اخر، بعد ان نكون قد هيأنا الظرف المناسب، فاذا كان الفصل صيفًا فتحنا الابواب واشرعنا ضلفات الشبابيك ليدخل الهواء النقي الصافي عبر الاراضي الممتدة حول بيتنا، اما اذا كان الفصل باردًا فقد كنّا نلتف حول كانون النار، لنستمع إلى اجمل القصص.
فيما يلي اسجّل ما حبّبني بذلك المجلس وجعلني انشد اليه كل ذلك الانشداد، ومعظمه يتعلّق بشخصية تلك الجارة التي سأعتبرها فيما تلا من عمر المعلمة الاولى التي فتحت لي خزانة الادب والفن، وارشدتني إلى ما في الحياة من ثراء قصصي، يختلف بالطبع عن الثراء المادي.. حبّبني بتلك المرأة عددٌ من الامور اشير إلى اهمها:
1-طريقتها في سرد الحكايات، فقد كانت قديرةً متمكنةً من السرد، فهي تقّدمُ حدثًا وتؤخر آخر لتعود اليه فيما يلي من احداث القصة، الامر الذي يُشعل حب المعرفة بكل ما يتضمنه من تشوّق وتلهّف لمتابعة احداث القصة، وهي لا تني في التغيير بنغماتها الصوتية إلى حد انني اشعر بارتياح كبير.. هل عاد هذا الى انها كانت تحدث ايقاعًا في الحكاية لأشعر بالتالي بعودة الايقاع المفتقد الى قلبي وروحي؟ لا تفسير لدي الآن سوى هذا التفسير الادبي لمسالة الايقاع هذه. اضف الى هذا انها لم تكن تشرح كثيرًا في روايتها للحكاية وانما هي تدخل اليها وكأنما هو بيتها الخاص بها تصولُ فيه وتجول، بطريقةٍ ينصاع فيه اليها الكلام مثلما ينصاعُ الخاتمَ بيد العروس في فترات زواجها الاولى.
2-مضامين حكاياتها الشعبية، فقد كانت تلكم الحكايات تتحدّث عن الظلم واهله، وفي المقابل عن العدل واهله، وعندما كان يقع الصدام بين طرفي هذه المعادلة، كان العدل ينتصر على الظلم والخير ينتصب في وجه الشر قاطعًا عليه الطريق وواضعا له حدًا يمنعه من الامتداد والتفاقم. في هذا المجال بهرتني قصة الشاطر حسن، الذي عاد الى قريته ليجد ان الاعداء اختطفوا محبوبته ولينطلق عبر البراري والقفار ليبحث عنها وليعيدها بعد عناء وجهد الى مكانها الطبيعي.. قريتها الامنة الوادعة. لقد كنت عندما استمع الى هذه الحكاية وامثالها، اشعر انني انا البطل الذي سيعيد الحقَ الضائعَ الى نصابه. وقد عدت بعد اكثر من نصف قرن من الزمان على استماعي لهذه القصة لأعيد صياغتها بطريقتي الخاصة تحت عنوان” الشاطر السيريني”، وسيرين هي القرية التي ضربت جذور اهلي عميقًا في ارضها وغادروها مضطرين عام 1948 الى الناصرة التي ولدت فيها.
3-رواية القصة بطريقة خاصة.. فقد اتصفت تلك المحدّثة الاولى بقدرة هائلة على اعادة القصة الواحدة.. مرّات ومرّات دون ان تدخل الملل الى قلبي وقلوب مستمعيها، في كل مرة كانت تضيف وتنقّص بطريقة تشعرني انها تغترف مما يقع حولنا من احداث، وتعيد صياغته بطريقة تذكّرنا، تذكّرني انا على الاقل، بما حدث ووقع في البيئة المحيطة بنا، وقد كانت القصة بهذا صورة للواقع اليومي المعيش، وهذا ما احسست به حينها، وما فهمته فيما بعد عندما كبرت وباتت كتابة القصص طريقتي في التعبير عما اريد ايصاله الى اهلي وابناء مجتمعي. واذكر فيما يتعلق بهذا انني كثيرًا ما كنت اطلب من محدّثتنا تلك، واكاد اقول محدثتي انا خصيصًا اذ كنت المستمع رقم واحد لحكاياتها، ان تعيد الحكاية اكثر واكثر، وكانت هي تستجيب بكرم من يعرف ان قصته لا تشيب ولا تشيخ وانما هي تبقى دائمة الخضرة.. ودائمة اليناعة والحياة.
هذا عن المجلس الاول في صميمه، اما في أطرافه فاذكر انني كنت طوال وقت النهار انتظر مجيء الليل لأجلس الى تلك المرأة كفيفة البصر مبصرة القلب، ولأستمع الى حكاياتها تداعبُ عقلي وقلبي كأنما هي تعيد صياغتهما وتجدّد الحياة فيهما، لكن بطريقتها الخاصة. لهذا ما ان كانت تلك الراوية تخرج من باب عقدنا حيث نجلس لقضاء حاجةٍ ما، كان قلبي يدقُّ خوفَ مغادرتِها بيتنا وخشية ما قد تتسبب به تلك المغادرة من توقف للحكاية التي ابتدأت ولما تنته بعد.. وكان يثيرني ان الوالدة كثيرًا ما كانت توحي لضيفتنا بان وقت انصرافها قد حان فكانت تهتف بها بكير.. فما كان من تلك الضيفة خفيفة الظل رائعته الا ان تردّ عليها بقولها بكّير من عمرك.. وتنصرف.. وكان قلبي ينصرف معها ولا يعود إلى مكانه الا بعد عودتها في اليوم التالي.
رحم الله ذلك المجلس القصصي الثقافي- الاول في حياتي- ورحم اهله فقد غادر معظمهم عالمنا واحدًا تلو الآخر، كل في ظروف وملابسات.. وبقيتُ مثلَ السيفِ فردا.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق