قراءات ودراسات

“النحو العربي وعلاقته بالمنطق”

للأستاذ الدكتور محمود محمد علي - (2)

3) سيبويه ليس ” أبو النحو العربي” كما ينعته بعضهم،
وكتابه ليس أوَّل كتاب في النحو العربي

3 ـ تاريخ النحو العربي:

3ـ1. إهمال التاريخ الاجتماعي وتاريخ المدارس الفكرية:
​دأب الأَخباريون/ الإخباريون والمؤرِّخون القدامى على سرد أخبار الملوك والسلاطين والأباطرة، وتاريخ صعودهم إلى العرش، ومُدَد حكمهم، وحروبهم، وانتصاراتهم، وانكساراتهم، ومَن تولى الحكم بعد كلِّ واحدٍ منهم؛ على حين أهملوا أخبار المجتمع وأحواله المعيشية، ومستواه الفكري، ومؤسَّساته الاجتماعية والتربوية والقضائية والاقتصادية، وعاداته في الحبِّ والزواج والإنجاب والموت، وغير ذلك، مما يعطي القارئ فكرةً عن الحياة الفعلية لكلِّ شعب في تلك الحقبة من الزمن. وبعبارةٍ أخرى أنَّ التاريخ القديم كان تاريخاً ملكياً، أمَّا التاريخ المعاصر فيحاول أن يكون، في جانب منه، تاريخاً اجتماعياً كذلك.
​بيدَّ أن الدكتور محمود محمد علي عُني عنايةً كبيرةً في تتبُّع تاريخ المدارس النحوية العربية، وعلمائها، وتوجهاتهم، وإنتاجاتهم، وأفضل كتبهم، ومناظراتهم العلمية؛ أي أنَّه اهتمَّ بالحياة الفكرية والثقافية. وفي كتابه هذا، قسَّم مراحلَ تطوُّرِ النحو العربي على ثلاث مراحل:
أولاً، المرحلة الوصفية:
​أضطلع النحويون في هذه المرحلة بتدقيق النظر في استعمالات اللغة العربية، وإعمال الفكر فيها، لاكتشاف ظواهرها اللغوية، والقوانين التي تتحكَّم فيها، ووضع قواعدها، ” وقد استعاروا بعض مضامين النحو اليوناني الذي دوَّن منظومته (ديونيسيوس ثراكس)، وذلك بطرق غير مباشرة، عن طريق السريان.”
​وتمتدُّ هذه المرحلة حوالي مئة عام، من أبي الأسود الدؤلي إلى الحضرمي وابن العلاء.
فقد كان نقط أبي الأسود الدؤلي للمصحف فاتحة النحو العربي والخطوة الأولى في نشوئه ومجسّدة للمرحلة الوصفية.

ثانياً، المرحلة التجريبية:
وتستغرق هذه المرحلة، هي الأخرى، مئة عام أو أكثر، وتغطي حقبة الخليل بن أحمد وسيبويه وكتابه الموسوم بـ ” الكتاب”. فقد اعتمد سيبويه الطريقة الاستقرائية، في دراسة استعمالات اللغة العربية، وتصنيفها والوقوف على العلاقات فيما بينها، على أساس التماثل الشكلي والوظيفي، من أجل الوصول الى القوانين التي تحكمها، ووضع قواعدها. والمقصود بالطريقة الاستقرائية أن سيبوية ينظر في كلام العرب وشعرهم، ويتتبع الفاعل، مثلاً، في جميع ذلك، فيجده مرفوعاً دائماً، في حين أنَّ المفعول به منصوبٌ دائماً، فيقرّر قاعدةً نحويةً عامَّةً هي : الفاعل مرفوع والمفعول به منصوب. ويرى بعض الفلاسفة ومنهم الدكتور محمود أنَّ الطريقة الاستقرائية منهجيةٌ موضوعيةٌ علميةٌ تجريبية.

ثالثاً، المرحلة الاستنباطية:
أفاد النحويون في هذه المرحلة مما أُنجِز في المرحلتَين الوصفية والتجريبية وما تمَّ خلالهما من تراكم معرفي أدّى إلى تطوُّرٍ في الدرس النحوي على ثلاثة مستويات: مستوى الوسائل المنهجية العقلية، ومستوى مفاهيم العلم، ومستوى نظرية العلم. وفي هذه المرحلة تمت صياغةُ قواعد العِلم ومبادئه، التي تُمكِّن النحويّين من التنبؤ المستقبلي بما يحدث في اللغة من تطوُّر وتغيُّر. وظهر في هذه المرحلة أثرُ المنطق في النحو نتيجةً لحركةِ الترجمة، لا سيَّما ترجمة الأورجانون الأرسطي إلى اللغة العربية. ويُؤرَّخ لهذه المرحلة من أوائل القرن الثالث الهجري إلى ما بعد كذلك.

3ـ2. سيبويه وكتابه:
خصَّ المؤلِّفُ الكريم سيبويه بفصلٍ كاملٍ من الكتاب هو الفصل الرابع، كال فيه الثناء عليه بلا حساب، وأغدق عليه المديح بسخاء، ووشَّح صدره بالأوسمة والألقاب مثل ” سيبويه أبو النحو العربي” و “إمام النحاة“، وقال عن كتاب سيبويه:
وقد اتخذ كتابُ سيبويه مكانة لا يضاهيه فيها كتاب قواعدَ في أمَّةٍ من الأممِ ، فقد جذَبَ أعيُنَ النَّاظرين ، وتنافسَ في دراستهِ المتنافِسون وشرحه سبعةٌ وثلاثون شارحاً من كبار فقهاء النحو ومفتيه
حتّى أنَّ علماء النحو سموه بـ ” البحر الخضم” لكثرة جواهره وصعوبة مضايقه، ووصفوه بأنه ” زينة لدولة الإسلام“، بل نعتوه بـ ” قرآن النحو“، إلخ. إلخ. ولهذا كان بعضهم يحفظه عن ظهر خاطر كما يحفظ القرآن الكريم.
وقدَّم المؤلِّف عرضا وافيا لكتاب سيبويه الذي يتكوّن من قسمين:
القسم الأول: في أبوب النحو، ويضمُّ أربعة أجزاء:
ج 1: إسناد الفعل،
ج2: اسناد الاسم،
ج3: الإسناد الذي بمنزلة الفعل: الحروف الخمسة، النفي بلا، والاستثناء.
ج 4: أحكام الإسناد مع بدائل الاسم المُظهَر التامّ المنوَّن: المُضمَر، الاسم الناقص، ما لا ينصرف، والأسماء في باب الحكاية.
القسم الثاني: في أبواب الصرف والأصوات، ويضمُّ:
ج 1: أعراض اللفظ عند النسب، التثنية، جمع التصحيح، إضافة الأسماء الستة وغيرها إلى الضمائر، الإضافة إلى ياء المتكلِّم، التصغير، حروف الإضافة إلى المحلوف به (القسم)، التنوين، التوكيد بالنون، تضعيف آخر الفعل، المقصور والممدود، الهمز، العدد، تكسير الواحد للجمع، بناء الأفعال ومصادرها وما يشتق منها.
ج 2: تأدية اللفظ، وما يجري فيه عند التلفُّظ به من تغييرٍ صوتيٍّ وصرفيّ. وفيه: تلفُّظ أمثلة الأفعال، والاسماء، والإمالة، وإلحاق الهاء فيما يصير حرفا ًنحو ألف الوصل، والوقفّ
ج 3: بناء اللفظ: كيفية بناء اللفظ، وعدد حروفه، وأحواله في الزيادة، والإبدال، والتصريف، والقلب، والتضعيف، والإدغام.
وتصدّى المؤلِّف الفاضل لتحليل منهجية سيبويه في الكتاب، فوجد أنَّها تقوم على استقراء النصوص العربية، وتصنيفها طبقاً للتماثل الشكلي والوظيفي من أجل التوصُّل إلى القواعد التي تحكمها. أما أسلوبه فيتراوح بين الوضوح والغموض. وأدى هذا الغموض إلى تدخّل شيوخ النحو بالشرح والتفسير. ولم يستخدم سيبويه الحدود المنطقية (التعريفات)، بل استعمل التمثيل، فيقول مثلاً:
اعلم أنَّ من كلامهم اختلاف اللفظَين لاختلاف المعنيين، واختلاف اللفظَين والمعنى واحد، واتفاق اللفظَين واختلاف المعنيَين.
ـ فاختلافُ اللفظَين لاختلاف المعنيَين هو نحو: جلس وذهب،
ـ واختلافُ اللفظَين والمعنى واحد نحو: ذهبَ وانطلقَ،
ـ واتفاقُ اللفظَين والمعنى مختلف قولك: وجدتُ عليه من الموجدة، ووجدتُ، إذا أردتَ وجدان الضالة.”

وهكذا فنحن نرى أن كتاب سيبويه يشتمل على الأغلبية الساحقة من موضوعات النحو العربي، بيدَ أنَّ ترتيب الموضوعات يختلف عن ترتيبِ النحويّين المتأخِّرين، إذ إنَّ سيبويه لا يذكر المرفوعات على حدة، وإنَّما يخلط بعضها بالاخر.

3ـ3. هل كان سيبويه ” أبو النحو العربي” وكتابه أوَّل كتابٍ في النحو العربي؟!
وأنا شخصياً أشارك المؤلِّف الكريم أعجابه الشديد بسيبويه وبكتابه الرائع، فقد أحبَّ سيبويه المعرفة والتعلّم، وأغرم بلغة القرآن الكريم. ونحن ـ المؤلّف الفاضل وأنا ـ نشترك مع سيبويه في تلك المحبة وفي ذلك الغرام، و”شبيه الشيء منجذب إليه” أو كما يقول الفلاسفة: ” إن التماثل علّة الانضمام”.. بيدَ أنّي أثير بعض النقاط هنا:
أولاً ـ
لا بُد أن القارئ الكريم لحظَ في حياته باحثين حالفهم الحظُّ، فارتفع قدرُهم، وذاع صيتهُم؛ وواظب الناس على ذكرهم والإشادة بنتاجهم؛ في حين أنَّ باحثين آخرين، أفضلَ منهم علماً وأشدَّ اجتهاداً، لم يحالفهم الحظُّ، فخمل اسمهم، ونسي الناس أمرهم. وقد خصَّ كثيرٌ من الشعراء هذا الموضوع بروائعهم. ولعلَّ الطغرائي (ت 514/515هـ) كان أكثرهم تألُّماً لهذه الظاهرة غير المبرَّرة ولا المفسَّرة التي عاناها، هو نفسه، كثيراً، فنظم قصيدته المشهورة المعروفة بـ “لامية العجم“، ويقول فيها:
تقدَّمتني أناسٌ كانَ شــــوطهمُ … وراءَ خطويَ لوْ أمشي على مَهلِ

… أهبتُ بالحظ، لو ناديتُ مُستمِعاً … والحظُّ عنّيَ بالجهالِ في شُــــغلِ
​ درس سيبويه النحو ـ بصورة رئيسة ـ على الخليل بن أحمد (100ـ170هـ) شيخ نحاة البصرة في ذلك الزمن. وينعت أصحابُ التراجم العربُ العلماءَ الأفذاذ بعبارة ” أذكى زمانه” أو ” أذكى القضاة” أو ما شابه ذلك، أمّا الخليل فيتفقون على نعته بعبارة ” أذكى العرب“. فقد كان الخليل عالماً بالموسيقى له مؤلَّفات فيها مثل كتابَيه ” النغم” و “الإيقاع“، وكان عالمَ رياضيات، وعالم صوتيات فريد أكمل ما بدأه أبو الأسود الدؤلي في إضافة النقط والشكل إلى رسم القرآن، ولكن بطريقة جديدة مبتكرة، تزيل اللبس بين النقط والحركات، ولا تحتاج إلى ألوان مختلفة. فقد حوّل النقط التي تدلُّ على الحركات إلى حروف صغيرة توضع تحت الحرف أو فوقه، مثل الواو الصغيرة التي توضع فوق الحرف لتدلَّ على الضمّة، والألف الصغيرة الأُفقية التي توضع فوق الحرف لتدل على الفتحة، والألف الصغيرة الأفقية التي توضع تحت الحرف لتشير إلى الكسرة. وهذه الحركات هي التي نستعملها اليوم لتبيان الحركات. وابتكر الخليل ترتيباً جديداً للحروف العربية، غيرَ الترتيب الألفبائي والترتيب الأبجدي، يمكن تسميته بالترتيب الصوتي. فقد رتب الحروف العربية ترتيباً خاصاً حسب مخارجها في علم الأصوات الذي طوّره، يبدأ بحرف العين الذي يخرج من أقصى الحلق ويتدرَّج صوتياً. ولهذا سمّى معجمه بـ ” العين” وهو أوَّل معجم عربي كامل في تاريخ صناعة المعجم في العالم. وقد اضطلع بتحرير هذا المعجم واستكماله أحدُ طلابه الأوفياء اسمه الليث بن المظفر الكناني. كما أنَّ الخليل هو واضع علم العروض لبحور الشعر العربي، وهو علم يقوم على الموسيقى والرياضيات واللغة وصوتياتها، وتشترك جميع هذه العلوم في كونها علوماً رمزية. وأخيراً وليس آخراً فالخليل شاعرٌ مطبوع، كلامه شعر وشعره كلام.
كان الخليلُ زاهداً متقشِّفاً متعفِّفاً في حياته ومسكنه وطعامه، لا يعبأ بشيء في هذه الدنيا، ولم يتكسَّب بعلمه ولا بشعره. يقول عنه تلميذه النضر بن شُمَيل: ” أقام الخليل في خصٍّ ( بيتٍ من قصب) من أخصاص البصرة، لا يقدر على فَلسَين، وأصحابه (طلابه) يكسبون بعلمه الأموال.”
وكثير من الأساتذة الشيوخ، يغادر هذه الدنيا من دون أن ينشر دروسه في كتاب؛ فينبري بعض مريديه بنشر بحوثه بعد وفاته، محبة في العلم وتخليداً لذكرى شيخهم. وهذه ظاهرة معروفة حتى في العصر الحديث؛ فأحد رواد اللسانيات الحديثة، عالم اللغة السويسري فرديناند دي سوسير(1857ـ1913م) لم ينشر كتابه الشهير “دروس في اللسانيّات العامَّة” (1916م) ، بل نشره بعد وفاته مجموعة من طلابه باستخدام مذكراتهم التي كانوا يدوِّنون فيها خلاصات أقوال الأستاذ قبل عصر المُسجلات الكهربائية الحديثة.

وأحسب أنَّ سيبويه كان طالباً مجتهداً عمل على تدوين دروس شيخه الخليل في النحو، فكانت عماد كتابه ” الكتاب“.
والخليل من رواد اللسانيِّين في العالم الذين أرسوا علم اللغة على أساس (المدوَّنة) لاستقراء الاستعمال العربي الفعلي، لا في القرآن الكريم والحديث والشعر الجاهلي فحسب، بل كذلك في كلام فصحاء الأعراب في بواديهم، من أجل استقراء استعمالات اللغة العربية، لوضع قواعدها وتصنيف معجمها على أُسس علمية. فعندما سأله تلميذُه علي بن حمزة الكسائي (ت 180هـ)، أحد أئمة القراء من أهل الكوفة:
ـ “من أين أخذتَ علمكَ هذا؟”
أجاب الخليل صادقاً:
ـ “من بوادي الحجاز ونجد وتهامة”.
ولم يقُل: من السريان واليونان. ولهذا رحل الكسائي إلى البادية عدة مرات، ومكث فيها ذات مرة حتى “أنفدَ خمسَ عشرة قنينة حبر في الكتابة عن العرب، سوى ما حفظ“. ولو أجابه الخليل بأنَّه أخذ علمه من اليونان لرحل الكسائي إلى بلادهم، طبقاً لمقولة ” اطلبوا العلم ولو في الصين، فإنَّ العلم فريضة على كل مسلم“. ومن أولئك العلماء الذين رحلوا إلى البادية، النضر بن شُمَيْل (ت 204هـ)، أحد تلاميذ الخليل، الذي نشأ في البصرة ورحل إلى البادية عدة مرات حتى بلغ ما أمضاه في البادية قرابة 40 عاماً. ومنهم عبد الملك بن قُريب الأصمعي (ت 216 هـ)، أحد تلاميذ الخليل. وغيرهم وغيرهم كثير.
ولديّ كتاب بعنوان ” الأعراب الرواة” أهداه إليّ مؤلِّفه الجليل، صديقي، الدكتور عبد الحميد الشلقاني. وقد تتبع فيه أخبار جميع علماء اللغة العربية من النحويّين والمعجميّين الذين رحلوا إلى البادية لتدوين كلام الأعراب الفصحاء، وأخبار أولئك الباحثين، والمدَّة التي أمضاها كلُّ واحد منهم بعيداً عن أهله؛ من أجل العودة بمدونةٍ خاصَّة به، يستخرج منها قواعد اللغة العربية ومعجمها، أي ألفاظها ومعانيها. ولم يتوقّف علماء اللغة العربية عن الرحلة إلى البادية لجمع مدوَّناتهم إلا في عصر الانحطاط، حينما أخذوا ينقلون قواعدهم النحوية ومعاجمهم من الذين سبقوهم، فأمست كتبهم لا تواكب تطوُّر اللغة العربية وتغيّراتها، ولا تأخذ بما يستجدُّ فيها من مصطلحات واستعمالات؛ وسبَّب ذلك مشاكلَ لا نزال نعاني منها حتى اليوم.
وتؤكّد اللسانيّات الحديثة على دور المدوَّنة في تقعيد اللغة وتعجيمها. وأصبحت المدوَّنات اليوم إلكترونية بالحاسوب ويبلغ عدد ألفاظ المدوَّنة النصيَّة الجيدة بليون/مليار أو أكثر. ولا يمكن أن نستنبط نحوَ لغةٍ من اللغات بصورةٍ علميةٍ أو نصنِّف معجماً أحادي اللغة أو ثنائي اللغة، من دون الاعتماد على مدوّنة نصيّة شاملة بُنيت على أُسُسٍ علميةٍ، وتتَّصف بالشمولية الموضوعية والتاريخية والجغرافية. وأصبحت دراسة المدوَّنات النصية وأنواعها وطرق بنائها وكيفية استعمالها في علوم اللغة والترجمة والنقد وغيرها، عِلماً مستقلاً يتطلَّب مهاراتٍ في علوم هندسة الحاسوب والبرمجة واللغة. ويستطيع القارئ الكريم الاطلاع على فصل ” المدوَّنة” في كتابي ” صناعة المعجم التاريخي للغة العربية
ويعود الفضل في تأسيس علم المدوَّنة إلى العلماء العرب الأوائل الذين أمضوا الليالي الطوال في بناء مدوناتهم الشخصية لضبط معلوماتهم في اللغة والفقه وغيرهما من العلوم، مثل الخليل ابن أحمد، وسحنون (ت 240 هـ) صاحب ” المدونة الكبرى” في الفقه المالكي.
لم يرِد في كتاب الدكتور الشلقاني، ” الأعراب الرواة“، ذِكْرٌ لسيبويه. فهو لم يرحل الى البادية لمشافهة الأعراب، وتسجيل كلامهم، من أجل بناء مدوّنته الشخصية لاستخدامها في استقراء استعمالات اللغة العربية، واستنباط القواعد النحوية منها، بل اكتفى بدروس أستاذه الخليل.

ثانيا، إنَّ كتاب سيبويه ليس من ابتكاره، كما ابتكر الخليل علم العروض، أو البرنامج الحاسوبي المسمى بـ (التقاليب) لإحصاء جميع الجذور العربية والألفاظ المشتقة، المستعمل منها والمهمل، أو نظرية العامل التي يقوم عليها جميع النحو العربي في ” الكتاب” وغيره من كتب النحو؛ وإنَّما يمثِّل “الكتاب” تراكماً معرفياً لما يقرب من قرن ونصف القرن من الدرس والبحث الذي اضطلعتْ به كوكبة من العلماء النحويّين. صحيحٌ أنَّه لم تصلنا كتب متكاملة في النحو من تلك الحقبة، ولكن العلم في صدور الرجال تناقلوه عالماً عن عالم ولهم تدوينات متعدّدة فيه. وكانوا يجتمعون في حلقاتٍ في المسجد للدرس والتعلم منذ زمن النبي (ص). وكان لبعضهم مجلسان في المسجد والمنزل، كالحسن البصري. فتلاوةٌ صحيحةٌ لآيةٍ أو لجزءٍٍ من آية من القرآن الكريم تشتمل على معلومات لغوية نحوية مثل ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ولقد قمتُ برسم مخطط لهؤلاء العلماء الذين أخذوا المعرفة اللغوية كابراً عن كابر، وذلك دعماً لجهود صديقي الدكتور محمود في الكتابة عن تاريخ العلم والمدارس الفكرية، وانتهيت إلى المخطط التالي:

ثالثاً، يقوم كتاب سيبويه على علم الخليل. فمن حيث الأساس النظري الذي تقوم عليها جميع مباحث ” الكتاب“، فهو نظرية العامل التي ابتكرها الخليل بن أحمد باعتراف سيبويه في “الكتاب” عندما تحدَّث عن عمل ” إنَّ، وأنَّ، وكأنَّ، ولكنَّ، وليتَ، ولعلَّ”. فالنحو يُعنى أساساً بالإعراب، أي حركة أواخر الكلمات في الجملة، رفعاً ونصباً وجراً وجزماً، وسبب ذلك أو علّته. ونظرية العامل هي التي تفسّر لنا العلّة التي أدَّت إلى تغيّر تلك الحركات الإعرابية. فمثلاً في الجمل الآتية: جاء زيدٌ، ورأيتُ زيداً، ومررتُ بزيدٍ؛ نجد أنَّ العامل الذي عمل على تغيير حركة آخر كلمة زيد، هو: الفاعلية، والمفعولية، وحرف الجر، على التوالي. فنقول (زيد) مرفوع في الجملة الأولى لأنه فاعل، ومفتوح في الجملة الثانية لأنه مفعول به، ومجرور في الجملة الثالثة لأنه مسبوق بحرف جرٍ. ويقوم النحو العربي كلُّه على نظرية العامل التي هي نظرية عربية أصيلة من ابتكار الخليل بن أحمد، وتستعمل التعليل المنطقي، وليست متأثرةً بالنحو اليوناني ولا السرياني. أمّا اقتباس نقط الحروف أو الحركات من الكتابة السريانية فلا يُعدّ نحواً، بل رسماً أي تصوير الأصوات برموز مكتوبة هي الحروف.
رابعاً، ومن حيث المصطلح، استخدم سيبويه مصطلحات الخليل، بشكل عام.. و”المصطلحات هي نصف العِلم” كما يُقال، ولهذا اتخذت (الشبكة العالمية للمصطلحات) في فيينا شعار ” لا معرفة بلا مصطلح”. وقد اضطلع أستاذنا الدكتور محمود محمد علي بتحليل مصطلحات سيبويه وتوصَّل إلى أنَّ سيبويه لم يأتِ بمصطلحات جديدة بل استخدم مصطلحاتِ شيخِه الخليل فقال:
نقل سيبويه إلى الأجيال مصطلحات الخليل بن أحمد واستعمالات أسانيده… وفسَّر بعض المصطلحات ببعض

وتتَّضح لنا دقة ما استنتجه المؤلِّف الفاضل بسهولة إذا ما قارنا بين ما ورد من مصطلحات وتعريفات وأمثلة واستشهادات في كتاب سيبويه وبين ما ورد منها في معجم “العين” للخليل، الخ.

خامساً، ومن حيث التعريفات استعمل سيبويه تعريفات الخليل القائمة في أغلبها على التمثيل، فاستعمل أمثلة الخليل. والتمثيل هو أحد أنواع التعريف.

سادساً، من حيث الأسبقية في تدوين النحو، نعلم أنَّ أبا الأسود الدؤلي كتب فصولاً من النحو ولم يكملها، فقد” وضع باب الفاعل، المفعول به، المضاف وحروف النصب والرفع والجر والجزم،” كما ذكر الحافظ الذهبي. أمّا عيسى بن عمر الثقفي البصري (ت 149هـ)، أحد شيوخ الخليل، فقد صنّف كتابَين في النحو هما: ” الجامع” و ” الإكمال“؛ ولعلَّ الكتاب الثاني يُكمل فصول الأوَّل. ويروى أنَّ تلميذه الخليل أثنى عليهما بقوله:

ذهـــبَ النحو جــميعـــاً كله … غير ما أحدث عيسى بن عمر

ذاك ” إكمال” وهذا “جامع”… وهـــما للناسِ شمـــسٌ وقمر

​وتذكر مراجعُ معتمدةٌ عديدةٌ أنَّ سيبويه ألَّفَ كتابه على غرار كتاب ” الجامع” لعيسى بن عمر. وهذا يعني أن كتابي عيسى بن عمر كانا متوافرَين في أثناء حياة سيبويه. ولكن كُتُب عيسى بن عمر كلَّها أتت عليها آفة من آفات الزمان، فلم يبقَ لنا منها شيء إلا ما ذكرته المظُان المختلفة عرضاً نقلاً عنهما.
سادساً، روى سيبويه في “الكتاب” 22 مرة عن عيسى بن عمر الثقفي النحوي البصري، فظن بعضهم أن عيسى من شيوخ سيبويه، ونصَّت على ذلك بعض المراجع، كمعجم ” الأعلام ” للزركلي، وشبكة المعرفة، وموسوعة ويكيبديا التي قالت في مادة ” عيسى بن عمر”: ” وهو شيخ الخليل وسيبويه وابن العلاء” ، على الرغم من أن هذه المراجع جميعها تذكر أن عيسى بن عمر توفي سنة 149هـ، ما يجعل من المستحيل أن يكون سيبويه قد تتلمذ على عيسى بن عمر، لأن سيبويه وُلِد حوالي تلك السنة التي توفِّي فيها عيسى بن عمر الثقفي. ولا تفسير لرواية سيبويه لأقوال عيسى بن عمر إلا أحد احتماليْن:
ـ إمّا أن يكون الذي روى عن عيسى هو تلميذُه الخليل، وقام سيبويه بنقل أمالي الخليل في ” الكتاب“؛

ـ وإمّا أن يكون سيبويه قد اقتبس تلك الأقوال من كتاب ” الجامع” في النحو الذي ألَّفه عيسى بن عمر. وهذا ما حدا ببعض الباحثين إلى القول بأنَّ سيبويه ألَّفَ كتابه على غرار كتاب عيسى بن عمر ” الجامع” الذي لم يصلنا.

سابعاً، نجد في كتاب سيبويه، عندما يتكلّم عن الحرف “ما” وغيره، عبارات مثل:

ـ ” وأمّا بنو تميم فيُجرونها مجرى أمّا وهَلْ، …”

ـ ” وأمّا أهل الحجاز فيشبّهونها بليسَ إذا كان معناها كمعناها.”

ـ ” وسمعنا من العرب مَن يقول ممن يوثق به: اجتمعت أهل اليمامة…”

وأنتَ وأنا، نعلم أنّ سيبويه لم يرحل إلى البادية، ولم يشافه الأعراب في بوادي الحجاز وبوادي بني تميم، وإنَّما الذي فعل ذلك هو شيخه الرئيس الخليل بن أحمد، أو شيخه الثانوي يونس بن حبيب. لقد كان سيبويه ينقل أقوالهما في ” الكتاب” ، سواء وضع سيبويه تلك المعلومات بعد عبارة “قال شيخنا:” أو لم يضعها. فعُمْرُ سيبويه المبارك القصير لم يتجاوز حوالي 32 عاماً (148؟ـ 180هـ)، فأعمار العباقرة قصار، ومرضه المزمن ( الداء الزلاقي أو الداء البطني وهو مرض يصيب الجهاز الهضمي منذ الصغر) لم يسمحا له بالرحلة المُرهقة إلى البوادي؛ وإذا كان قد ذهب إلى الحجاز، فذلك لغرض الحج أو العمرة، ولم يذهب لبادية الحجاز لمشافهة أعرابها.

ثامناً، إنَّ الشواهد الشعرية التي وردت في ” الكتاب” كثيرة تبلغ أكثر من 1050 شاهداً منسوبة جميعها إلى قائليها، ما عدا قرابة 50 بيتاً مجهولة القائل، ولا يتقن حفظَها بدقَّة إلا شاعرٌ عروضيٌّ عبقريٌ ذو ذاكرة مذهلة كالخليل، أو لغوي أديب معروف بحفظه لشعر العرب ونقده ، مثل يونس بن حبيب النحوي البصري ( 94ـ 182هـ؟) الذي تتلمذ عليه سيبويه مدَّة (من المحتمل جداً بعد وفاة الخليل وجلوس يونس مكانه) وروى عنه في “الكتاب” حوالي 200 مرة. ويونس بن حبيب هو الذي يُؤثَر عنه قوله في تقييم شعراء العرب عندما سُئِلَ عن أيّهم أشعر: “لا أومئ إلى رجلٍ بعينهِ، ولكني أقول: امرؤ القيس إذا رَكِبَ، والنابغة إذا رَهِبَ، وزهير إذا رَغِبَ، والأعشى إذا طَرِبَ“.
ومن كُتُب يونس بن حبيب التي وصلتنا: ” اللغات ” و” الأمثال” و ” النوادر” و ” معاني القرآن“.

أستنتجُ من كلِّ ذلك أمرَين:
الأوَّل، إنَّ سيبويه لم يكُن ” أبو النحو العربي ” كما نعته بعضهم، بل سبقه كثيرون، كما بيَّنا في المخطط التقريبي لسلسلة النحاة العرب الذين سبقوا سيبويه.
الثاني، إنَّ كتاب سيبويه ” الكتاب” لم يكُن أوَّل كتاب في النحو العربي، فقد سبقته كتيبات أو كتبٌ عديدةٌ لم يصلنا بعضها، ودلّ عليها ما نجده من اقتباسات منها أو إشارات إليها في بعض المراجع المعاصرة لها وما بعدها.
وفي تقديري أنَّ سيبويه فعل في ” الكتاب” ما فعله الليث بن المظفر الكناني في معجم” العين“، فكلٌّ منهما نقلَ إلينا علم الخليل من أماليه على تلاميذه، في تقعيد اللغة وفي معجمتها على التوالي، غير أنَّ سيبويه حرَّره بشكلٍ يوحي بأنَّه من تصنيفه، وأمّا الليث فأكمل معجم ” العين” وحدّثه وحرّره ونسبه إلى شيخه الخليل، حباً ووفاءً.
وملحوظة أخيرة تتعلَّق بكتاب سيبويه، وهي أنَّنا لا نستعمله اليوم لتعلُّم قواعد اللغة العربية أو تعليمها، بسبب الخلل الذي أشار إليه أستاذنا الدكتور محمود محمد علي، وبفضل تطوّر الطرائق التعليمية، بيدَ أنَّ له أهمّية في تاريخ علم النحو العربي. أمّا معجم ” العين” الذي أكمله وسهر على نشره الليث بن المظفر فلا يزال مفيداً كمعجم مرحلي لتلك الحقبة من حياة اللغة العربية. ودليلي على ذلك أنَّ مُعالجي ومُحرّري ” معجم الدوحة التاريخي للغة العربية” يضطرون إلى اقتباس كثير من تعريفات ” العين ” وشواهده، على الرغم من أنَّنا ـ نحن أعضاء المجلس العلمي لمعـجم الدوحة ـ نحثُّهم على أن يعتمدوا على المدوَّنة النصية مصدراً أساسياً، وألّا يستعملوا المعاجم إلا بوصفها مراجعَ ثانوية عند الضرورة القصوى، ولكنَّهم يجدون في “العين” ما لا يجدونه في المدونة ولا المعاجم الأخرى.

ولم يفُت استنتاجي وما أدعيه من أنَّ سيبويه مجرَّد ناقلٍ لعلم الخليل وإبداعاته، العلّامةَ بروكلمان حين قال:
وكان سيبويه أشهر تلامذة الخليل، ومصنّف أول كتاب جمع فيه ما ابتكره الخليل إلى محصول السابقين.”

(لاحظ كلمة “مصنِّف” أي مرتّب المعلومات ومؤلِّفها، وكلمة “جمعَ”، وعبارة ” محصول السابقين“، التي تنمّ عن دقّةِ كلام بروكلمان).

​وقال أحمد أمين عند كلامه عن الخليل:
” …وأكتفي في ذلك بما أوحى إلى سيبويه من علمه، ولقنه من دقائق نظره، ونتائج فكره، ولطائف حكمته، فحمل سيبويه ذلك عنه وتقلده وألَّف فيه الكتاب الذي أعجز من تقدّم قبله، كما امتنع على من تأخَّر بعده.
​فهذان العالمان، بروكلمان وأحمد أمين ـ اللذان اضطلعا بتأريخ الثقافة العربية وآدابها، حصرا فضل سيبويه في الجمع والحمل. أما التفكير والإبداع، وفلسفة علم النحو ومنهجيته، وإنشاء المدوَّنة اللغوية التي يعتمد عليها النحوي في تقعيد اللغة، والتنظير العلمي المتمثِّل في نظرية العامل التي ينبني عليها النحو العربي أجمعه، فهي جميعاً من إبداع الخليل وابتكاره.

​وفي حقيقة الأمر، لم تفُت الدكتور محمود محمد علي تلك الحقيقة، فقد أورد مقولتَي العالِمَين أعلاه في كتابه القيم ” النحو العربي وعلاقته بالمنطق“. فإذا أخذنا برأيهما لم يبقَ لسيبويه من فضل سوى الحمل والنقل، وتصنيف وترتيب ما حمل ونقل، في مكان الوصول، أي الكتاب.
ومع ذلك، فإنَّ هذا الترتيب الذي قام به سيبويه، مختل وغير دقيق، كما يلاحظ الدكتور محمود، حين يقول:
وكثيراً ما نجد سيبويه يمزج أبواب النحو في صورة عجيبة (أي: غريبة) فهو ينتقل من الباب إلى غيره قبل أن يستوفي أحكامه، فمثلاً نجد الكلام على الفاعل قد ابتدأ من الصفحات الأولى في الكتاب، ونثر الحديث عنه في صفحات الكتاب في قفزات غير منتظمة، بحسب تداعي المعاني الذي أثَّرَ على منهجه، فهو لا يحدّثك عن أحوال الفاعل مع فاعله تذكيراً وتأنيثاً إلا عند حديثه عن الصفة المشبّهة… وتتعجب من منهجه وهو يقدِّم لك المادة النحوية، المرفوع إلى جانب المنصوب والمجرور!!!
​فإذا علمنا أن فضل سيبويه يكاد ينحصر في النقل والترتيب، ولكنَّه كناقل البيض المستعجِل وهو يجري بعربة خشبية في طريق وعرة، ما يسبّب تكسُّر كثيرٍ من البيض، وعند وصوله يقوم بترتيب ما بقي من البيض بطريقة مختلة، نتساءل عن سر إطراء النحويّين سيبويه وكتابه: أهو الحظ، أم أنَّهم كانوا يدركون أنَّ ” الكتاب” يحمل علم الخليل وينقله إليهم؟! والله أعلم.
​وأختم كلامي في هذا القسم من المقال، بالترحُّم على سيبويه والليث لما بذلاه من جهد كبير في خدمة لغة القرآن الكريم، ونشر علم شيخهما الخليل بن أحمد رحمه الله

يتبع

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق