ثقافة المقال

البكاء على الرجل المسكوب!

د. ماهر عبد المحسن

في قفزة ما بعد حداثية كبري، تحول ميزان القوي داخل الأسرة إلى صالح المرأة، بحيث شهدنا نماذج عديدة من النساء تقودن الحياة الزوجية بحكمة واقتدار. ساعد في ذلك ارتفاع مستوى التعليم والثقافة لدي المرأة، بالإضافة إلى خروجها للعمل، ودخولها في معترك الرجال، ما أكسبها قدراً لا يُستهان به من الجرأة الاجتماعية، و الشجاعة في التعامل مع الرجل.
والحقيقة أنها ميزة لا يمكن إنكارها، لأن المرأة، بهذه المثابة، رفعت الكثير من الأعباء من فوق كاهل الرجل، فأصبحت تقوم بأعمال البيت وتربية الأولاد والمساعدة في ميزانية الأسرة. وعندما أدرك الكثير من الرجال هذه الحقيقة تركوا لها المساحة الكافية من الحريات بحيث تستطيع أن تمارس مهامها دون قيود أو معوقات. ولعل أبرز مظاهر هذه الحريات، هو حرية اتخاذ القرار، فقد تحولت المرأة العصرية، خلال تاريخها مع الرجل، من مرحلة الإذعان إلى المشاركة، حتى وصلت الآن إلى امتلاك سلطة اتخاذ القرار في الكثير من أمور الأسرة بما فيها شئون الرجل التي تمس حياة الأسرة، بل وأحياناً التي تخص شئونه الخاصة.
والعلاقة تظل ناجحة طالما هناك نوع من التوحد في الهدف، و التناغم في توزيع الأدوار.
غير أن هناك نوعاً من العلاقة، يرتد بالزوجين إلى تاريخ من القهر كان يمارسه الرجل ضد المرأة، وهو عصر ثلاثية نجيب محفوظ، الذي عُرف ب “أمينة وسي السيد”. هذه الصورة غير المتكافئة من العلاقة لم تفارق مخيّلة بعض النساء، فعملن، بوعي أو دون وعي، على الثأر لكرامة “أمينة” التي أُهدرت ذات يوم، والانتقام من “سي السيد” في شخص أحفاده، الذين هم في الغالب يختلفون عن الجد الظالم.
وفي المقابل ظهر نوع من الرجال أكثر استيعاباً لدور المرأة، وأكثر احتراماً لكيانها وصوناً لكرامتها. وهذا النمط من الرجال يتمتع بقدر كبير من الوعى وقدرة فائقة على التصالح والتسامح، وأهم سمة تميزه هي كونه يجنح للسلم، ولا يميل لفض الخلافات بالعنف.. والمشكلة تنشأ، غالباً، في الحالة التي يتزوج فيها رجل متسامح ومسالم بامرأة متسلطة تحمل عقدة “أمينة وسي السيد”، فتمارس على رجلها المسالم شتى أنواع القهر، حتى أنك لتشعر، في تصرفاتها المتعنتة تجاه الرجل، وكأن لسان حالها يقول “يعني خرجت يا سي السيد!”.
وبالرغم من ذلك ربما تمضي الحياة، وربما تتوقف، لكن يحدث في بعض الأحيان أن يقول القدر كلمته، فيسقط الرجل فجأة في منتصف الطريق، لتجد الزوجة نفسها وحيدة، مهما كان لديها من الأقارب والأولاد. فثمة شعور ما، بارد ومخيف، يسيطر عليها، لتبدو وكأنها سقطت في هوة سحيقة، بغير قرار.
هذه المرأة، ويا للغرابة، تكون الأكثر حزناً وكمداً على الزوج، والأكثر وعياً وإدراكاً لحقيقته النقية وسريرته البيضاء، فتبكي عليه كما لم تبك زوجة مخلصة، ومكلومة على زوجها الطيب من قبل، وبحيث لا تتصور العيش بدونه!
وفي هذا السياق، سمعت قصة عن امرأة متسلّطة اعتادت أن تنكّل بزوجها المسالم أمام الناس، وعندما مات، تحولت للتنكيل بكل رجل اقترب منها وطلب التزوج بها، لأنها لا تتصور أن يجرؤ رجل آخر على أن يحل محل زوجها!
وفي واقعة أخرى، طردت الزوجة زوجها خارج البيت، وعندما عُثر عليه ميتاً، ظلت تبكي عليه الليالي الطوال وهي تعدد مناقبة!
إن البكاء على هذا الرجل أشبه بالبكاء علي اللبن المسكوب، لا طائل من ورائه. وربما كان الأجدى أن تبذل هذه المرأة العطاء والمحبة في حياة الرجل، خاصة إذا كان يستحق، وكانت تدرك ذلك. فالابتسامة الواحدة في حياة الرجل أفضل كثيراً من مليون دمعها تذرفها بعد وفاته..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق