ثقافة المقال

من يدفع ضريبة الاختلاف في “خلي بالك من زيزي”

د. نيفين عبد الجواد

وكأنه لا مفر من زحام الحياة وضجيجها طوال العام، أو من تزاحم المسلسلات خلال شهر رمضان من كل عام، إلا أن تصادفنا واحة تتميز بالهدوء في مسلسل مختلف عن بقية المسلسلات المفروضة على المشاهد بإفراط ملحوظ، والتي تضج بها الشاشات فلا تصيب من يتابعها إلا بالتخمة من فرط مشاهد الأزمات والصراعات المشحونة بالعنف والقبح. فإذا بمسلسل يعرض قضية اجتماعية نفسية تمس عددًا من الأسر رغم كونها من الأمور المسكوت عنها شأنها شأن الكثير من العلل النفسية والعصبية والعقلية التي يخجل الكثيرون منها فلا يعترفون بوجودها ومن ثم يظلون في حالة من الجهل فيما يتعلق بحسن التعامل معها. ولهذا فإن مسلسل “خلي بالك من زيزي” يعد من الأعمال الجادة رغم بساطتها، وكذلك المريحة لعين المشاهد وهذا ما افتقدناه كثيرًا في الأعمال الفنية في الآونة الأخيرة.
ومما يمنح المزيد من الراحة لعين المشاهد أن بطلة هذا العمل الفنانة المصرية “أمينة خليل” ما زالت تطل على المشاهدين بوجه طبيعي لم تطله بعد مرحلة النفخ والشد التي مسخت الكثير من الوجوه فجعلتها ذات طابع واحد وشكل واحد بلا مذاق طبيعي فلم يعد هناك أي اختلاف أو تميز أو تفرد في الملامح. ولهذا كانت روح “أمينة خليل” في العمل ذات تأثير واضح على أدائها للشخصية المليئة بالاضطرابات النفسية، ومع ذلك فهي ما زالت إنسانة طبيعية وواضحة لم تتخل مع تقدم عمرها عن الكثير من بساطة الطفولة وبراءتها.
وفي عمل درامي مثل “خلي بالك من زيزي” يظل المشاهد قادرًا على أخذ أنفاسه على مدار الحلقات فلا يجد نفسه لاهثًا وراء أحداث مؤلمة أو صراعات دموية ملازمة لكل الحلقات وكأنه لا مفر من شحنات الطاقة السالبة والمحيطة به في كل مكان. وبعد عدة حلقات من هذا العمل يجد المشاهد نفسه مع بطلة العمل “زيزي” رفيقًا لها في محنتها التي اكتشفتها بسبب طلاقها، والذي لم يكن طلاقًا سهلًا يتم بطريقة ودية بل كان كعادة الكثير من الأسر الآن لا يتم إلا عن طريق القضايا والمحاكم.
وفي رحلة “زيزي” للطلاق، الذي كان بالقطع نقطة تحول في حياتها، أصبحت تفكر في نفسها بطريقة مختلفة فتكشفت لها أزمتها النفسية القديمة والتي ظلت مصاحبة لها على مدار سنوات دون أن تعالجها بطريقة سليمة. ومن هنا يتعرف المشاهد مع بطلة العمل “زيزي” ومع الطفلة الصغيرة “تيتو” على مرض يُعرف اختصارًا بـ ADHDأو Attention Deficit Hyperactivity Disorder أو اضطراب فرط النشاط ونقص الانتباه، وهو اضطراب في الصحة العقلية ينتج عنه سلوكيات مفرطة النشاط والاندفاعية بالإضافة إلى صعوبة التركيز وتشتت الانتباه مما يؤدي إلى عدم اتباع التعليمات، ومن ثم عدم إنهاء المهام المطلوبة، بالإضافة إلى الميل سلوكيًّا نحو الاندفاع و إلى مقاطعة الآخرين أثناء حديثهم.
ومن هنا فقد كانت “زيزي” مختلفة عمَّن حولها، ولكن لم ينتبه أحد من أسرتها إلى ذلك الاختلاف، وبالتالي لم يعره أي من والديها انتباهًا مما جعلها تعاني وحدها مرتين، مرة من قسوة المرض، ومرة أخرى من عدم تقديم يد المساعدة لها للتخلص منه أو على الأقل لحسن التعامل معه. وهكذا ظلت “زيزي” تدفع ضريبة الاختلاف عن الآخرين وحدها ليس لأن الجميع قد تخلوا عنها، ولكن لأنهم جميعًا كانوا يجهلون علتها ومن ثم لم يعرفوا سبيلًا للتعامل معها بحكمة.
لذلك فإن هذا المسلسل الأنيق والبسيط يدق ناقوسًا هامًّا على جميع الأسر أن تنصت إليه وأن تنتبه لمضمونه، وهذا أهم ما يمكن أن يقدمه العمل الدرامي الهادف ألا وهو تسليط الضوء على ما يجب أن يكون هناك وعي به من أجل حل المشكلات المجتمعية والأسرية والنفسية قبل أن تتضخم وتستفحل ويكون لها أشد الضرر.
إن العمل الدرامي الاجتماعي “خلي بالك من زيزي” لم يسلط الضوء فقط على أحد الاضطرابات العقلية التي يغفل عنها الكثيرون، بل أشار أيضًا إلى خطورة التنمر بين الأطفال وما يمكن أن يؤدي إليه من اضطرابات نفسية تظل مصاحبة للطفل طوال حياته. كما حاول أن يثير الانتباه حول أهمية التفاهم الأسري والحوار البناء مع الأبناء وضرورة وجود المودة والتعاطف فيما بين الأزواج كي لا يفتقدها الأبناء فيما بينهم وبين والديهم. فتوفير الاحتياجات المادية لا يغني عن توفير الحنان والسلام النفسي ولا يمنح الدفء الأسري. وهذا ما يتغاضى عنه الكثيرون في ظل التسابق المادي المذهل من أجل الارتقاء في المستوى المعيشي والتفاخر بالطبقة الاجتماعية وبالتعليم الدولي وبالمقتنيات التكنولوجية والرقمية.
وكي لا يدفع الأبناء ضريبة الاختلافات والخلافات الزوجية أو ضريبة ما قد يعانيه الآباء والأمهات من اضطرابات مزاجية أو نفسية أو عصبية أو عقلية فلابد أن يكون هناك وعي كافٍ قبل الإقبال على الزواج والإنجاب بعدة أمور مثل: حسن التعامل مع الغضب الداخلي وما قد يفضي إليه من ثورة عارمة، وكذلك كيفية التعامل مع الخوف وما قد يفضي إليه من رُهاب أو فوبيا، ومع الاختلاف أيًّا ما كان نوعه وشكله وأنه ليس وصمة عار بل هو أمر طبيعي لابد من التعامل معه بشكل طبيعي وليس إنكاره أو الخجل منه.
فالقسوة في التعامل مع الأبناء تدمر ثقتهم بأنفسهم وتهدم سلامهم النفسي، وكذلك الكبت وعدم وجود مساحة للتنفيس يغلق كل باب مفتوح للحرية فلا يكون هناك سوى التقليد الأعمى والخوف من الاختلاف ومن ثم عدم القدرة على التعبير عن الذات. وهذا ماحدث مع “هشام” زوج “زيزي” الذي طُلِقت منه، فإذا به ينال أعلى الدرجات العلمية التي أهلته لوظيفة يحسده عليها الكثيرون، ومع ذلك فهو ما زال يفتقد أن يكون نفسه وأن يقوم بما يروق له متمتعًا بحريته في اختياراته الحياتية حتى لو لم تتفق مع ما يحبذه المجتمع ويعتاده الناس.
وكي لا يظل الإنسان المختلف هو وحده من يدفع ضريبة اختلافه عن الآخرين لابد من الاعتراف المجتمعي بالاختلاف وقبوله وتقبله وعدم إنكاره أو الخجل منه أيًّا ما كان نوعه أو صورته. وهذا لن يحدث إلا إذا كان هناك وعي بمعنى الاختلاف وأهميته، وبمعنى الحرية وضرورتها في الحياة الإنسانية كي تكون الحياة أفضل وأكثر سعادة.
وإذا كان كثيرون يربطون بين الحرية والشقاء وعدم السعادة، فإن ذلك الربط يحدث فقط عندما يعارض المجتمع الحصول على الحريات فلا يجد كل متحرر سوى الرفض والحصار، ومن ثم يبدأ الصراع بينه وبين المجتمع الذي يسبب له التعاسة كلما قاوم حصوله على حقه في الحرية. أما إذا نالت المجتمعات الحريات اللازمة لها كي تبدع وتنتج لا كي تقلد كل مسخ أو تحاكي كل ابتذال فحتمًا ستتقدم ومن ثم سيعرف أفرادها معنى السعادة.
وإذا كانت الممثلة المصرية “أمينة خليل” قد رسمت لنفسها خطًّا فنيًّا يخصها ويميزها عن قريناتها، فإن عملًا دراميًّا مثل “خلي بالك من زيزي” قد ترك أثرًا توعويًا هامًّا وهو دور هام افتقدته الدراما العربية كثيرًا في الآونة الأخيرة فلم تعد تهتم بتقديم ما يرتقي بالذوق العام ولا بالوعي العام ولا بالأخلاق العامة وكأنها مُلزَمة إما بالإفراط في عرض السلبيات والبكائيات والمشاهد الدموية، أو في تقديم التهريج الساذج والمُبتذَل الذي هو مجرد ترفيه وتسلية دون أي مضمون أو ذكرى تبقى في الذاكرة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق