ثقافة المقال

عن ((سعيد الكفراوي)) أقول لكم:

محمد عبد الظاهر المطارقي

ما أن طالعت مجموعته القصصية ” مدينة الموت الجميل” حتي وجدتني أبحث عنه بشغف..فما أن تقع في يدي مجلة تتضمن قصة له حتي تعتريني حالة من السعادة الطفولية…انه يمتلك المهارة العجيبة في طريقة السرد..حروفه منحوتة بدقة وأسلوب يأخذ بتلابيبك.. سعيد الكفراوي ابن المحلة الكبري وتحديدا قرية كفر حجازي..
قرأت له بعد ذلك”ستر العورة..زبيدة والوحش
كنت أخطو أولي خطواتي نحو مدن الكتابة..وكان اسمه يتردد دائما علي مسامعي باعتباره أحد أهم كتاب القصة القصيرة ..كانت تراودني رغبة عارمة للالتقاء به…فهو محلاوي.. وجل كتاباته تهيم في قريتة كفر حجازي ..كما أنه نشأ وترعرع بين أروقة قصر الثقافة..وربما جلس علي ذات الكرسي الذي أجلس عليه الآن… لم أره من قبل..فكنت أبحث عن صوره بين صفحات المجلات لأتمعن في وجهه متأملا ملامحه الأصيلة وفي نفسي رغبة مفعمة بالحنين للالتقاء به ومحادثته..ولكن كيف الوصول اليه..واقامته الدائمة بقلب القاهرة.. ازددت شوقا لملاقاته كلما جالست استاذي جار النبي الحلو سكرتير مدرستنا الثانوية وهو يحكي لي عن سعيد الكفراوي.. و فريد أبوسعدة والمنسي قنديل.. وعن ذكرياتهم القديمة وكيف التقوا معا علي عشق الكتابة.. هكذا كنت شغوفا بهم جميعا..أحرص علي قراءتهم ومتابعة أخبارهم …
وكنت أتعمد أحيانا أن أذهب بنفسي الي قرية كفر حجازي لأتأمل هذا العالم القروي الممتد والذي لا يزال الكفراوي يقتطف من بين بساتينه الباسقة زهرة جديدة يانعة محملة بعبق الطفولة والشقاوة والدهشة…النهر الجاري..البيوت الواطئة .. الشوارع الضيقة..رائحة الروث …الوجوه الصلبة المتجهة نحو الشمس..الطيور المسافرة نحو السماء ..الحيوانات الهائمة..صخب الصغار في ساحات اللعب..النسوة المتلفعات بالسواد.. والبنات القمرات.. معتوه القرية.. السوق ..الباعة.. انه عالم يشبه الي حد بعيد عوالم القري الأخري..لكن سعيد الكفراوي استطاع بمهارة وذكاء أن يغوص في أحشاء هذه القرية ويستخرج من أعماقها الغائرة روائع فنية شديدة التفرد. برغم ابتعاده عن مدينته وقريته منذ سنوات بعيدة.. الا أن القرية بكل أجوائها. أفراحها وأحزانها وشخوصها الوديعة الطيبة و البائسة.. تتدفق كنهر عذب بين صفحات قصصه الرائعة..

وهكذا قررت أن أذهب اليه بنفسي ..وحصلت علي عنوانه…وسافرت بالفعل.. واستطعت الوصول الي مسكنه ..كانت الساعة تشير نحو العاشرة صباحا…طرقت الباب.. وانتظرت متلهفا..كانت لحظة مشحونة بالقلق والترقب… وحين أطل بوجهه الأسمر..وملامحه الهادئة ابتسمت في وجهه قائلا له محمد المطارقي كاتب قصة من المحلة..تهلل وجهه ومد يديه مصافحا بحفاوة وشهامة أبناء الريف الطيبين.وأخذ بيدي الي الداخل.. كنت سعيدا مبتهجا الي الحد الذي جعل الابتسامة لم تفارق ملامح وجهي..وكاتبنا الرائع يجالسني وينصت الي باهتمام..ثم استأذنني لبعض الوقت ليعد لي فطورا..واختفي .. ثم عاد الي حاملا مائدة الطعام والذي كان عبارة عن فول مدمس بالقشدة..وجبن..وعسل نحل..وبيض مقلي وخبز طازج وتناولنا معا الطعام وأنا أتأمل ملامحه الوديعة الهادئة..وصوته الدافئ وهو يحكي عن غربته وقريته..وعشقه للقصة القصيرة.
بعدها وجه لي بعض النصائح المهمة..ومنحني كتاب الصوت المنفرد لفرانك أوكونور..قائلا هذا كتاب مهم.
عدت أدراجي الي مدينة المحلة وحالة من الرضا تهيمن علي روحي.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق