قراءات ودراسات

عواقب الابداع وعارضه! الجزء الثالث (الشذوذ الجنس)

بقلم: منير مزليني

الإبداع والأنوثة:
سبق وأن كتبت مقالا يصب في هذا الطرح اخترت له عنوان ” الابداع أنثى” ثم أردفته بقراءة تطبيقية في إحدى الأعمال الروائية الجزائرية وكانت بعنوان ” النص الأنثى” نشر باليوم الأدبي في: 24/07/2006 وقد ضمنتهما كتابي ” تجارب أدبية معاصرة ” الصادر سنة 2007 عن وزارة الثقافة، مطبعة الجيش. إلا أنه لم يلقى تجاوبا أو بالأحرى قارئا مهتما يطلع عليه، على خلاف ما توقعت لما رأيت فيه من تميز في الطرح وجدية في التحليل. وهذا الهم لا أقع فيه لوحدي بل هو هم مشترك يتجرع كأسه أغلب الكتاب في وطني ومبدعيه.
ولا بأس أن أعيد التذكير به تمهيدا لموضوع الحال لم له من صلة وثيقة وارتباط الحامل بالمحمول. وقد انطلقت فيه من نظرية تقول:” الابداع هو تعبير عن الأنوثة التي بداخلنا”، ورحت أفصل في هذه النظرية بالتحليل والتدليل مستندا إلى معطيات من علم الفيزيولوجيا وعلم النفس. بالتركيز على أن الانسان يتكون فيزيولوجيا من هرمونات ذكورية وأخرى أنثوية، فتتغلب الذكورية منها عند الذكر فتكون بنيته الجسدية والنفسية، فيما تتغلب الهرمونات الأنثوية عند الأنثى فتكون بنيتها الجسدية والنفسية. فتجد الهرمونات الانثوية ـ كأقلية ـ نفسها محاصرة بالذكورية لدى الذكر، فتحاول أن تدافع عن وجودنا وتعبر عن كينونتها فتخرج في أشكال تعبيرية وسلوكية تترجم طبيعتها الأنثوية فتخرج في شكل غناء أو رقص أو شعر أو رسم أو أي فعل آخر يدل على أنوثتها والتي تتسم طبعا بالرقة والليونة والحنان وهو ما يعبر عنه بالأنوثة ليس بمفهومها الجنساني الفيزيولوجي (ذكر/أنثى)، بل بمفهومها الشعوري النفسي (الأنثوية) في مقابل (ذكورية) ويعبر عنه باللغة الأجنبية (féminisme). وهذه الصفة أو الشعور ليس بالضرورة متوفر لدى كل أنثى بالجنس (المرأة)، كما أنه ليس حكرا عليها دون جنس الذكر (الرجل) وموضوعنا يصب في هذه الجزئية بالضبط، أي تحليل ظاهرة الأنوثة أو الأنثوية لدى الذكر ومدى تأثيرها في شخصيته وإبداعه؟ والذي سوف نعود إليه بالتفصيل بعدما نبين بالدليل الملموس على وجود هذا الظاهرة في الطبيعة. حيث نجد هذه الظاهرة (الأنثوية) معبر عنها في الطبيعة لدى الحيوانات والطيور والنباتات، ولا أريد أن أذهب بعيدا بخيال القارئ للتعبير عنه فزيائيا بالحديث عن الذرة وما بها من الكترونات موجبة وسالبة وهو ما يقابل الذكورة والأنوثة لدى الكائنات الحية وكيف تتفاعل وتتنافر فتنجذب وتنفجر. وأكتفي بالإشارة إلى التعبير عن الأنوثة لدى الحيوانات فنجد جنس الذكر من الطيور مثلا وقد خلعت عليه الطبيعة شكلا خارجيا(أنثويا) جميلا وصوتا طروبا يعبر به عن (أحاسيسه) لتنجذب إليه الأنثى. فيما نجد أن هذه الأخيرة قد حرمت من هذا الشكل الخارجي وتزودت به داخليا يتمثل في غريزة (الحنان) التي توفر الحضن الدافئ والرعاية والحماية للصغار. كذلك الأمر بالنسبة لباقي الحيوانات الأخرى، وتجدر الإشارة هنا إلى صورة الأسد كذكر في مقابل صورة اللبؤة كأنثى للتمثيل التوضيحي.
ولأن الانسان كائن يتفوق عن الحيوانات والكائنات الأخرى التي تحكمها الغريزة بالعقل الذي يوفر له أشكالا أخرى للتعبير عن أنوثته تتماشى وطبيعته الإنسانية العقلية. فتخرج في شكل فنون متعددة أو سلوكات هي بحكم الطبيعة أو العادات السائدة في المجتمع منوطة أو منسوبة للأنثى، مثل رعاية الأطفال والطبخ والغسيل وغيرها من الممارسات، مع مراعات الاختلافات بين الثقافات الاجتماعية المتباينة فيما يتعلق بنظرتها لتلك الوظائف.
إلا أنه يجدر التنبيه هنا أن التعبير الفني لا يقتصر على الانسان المبدع أي الفنان الممارسة أو المحترف فحسب، وإنما التعبير الفني هو موجود لدى جميع الناس ولكنه لا يظهر بالشكل الاحترافي الذي نجده لدى الفنان المبدع. فالغناء والرقص مثلا سمة مشتركة بين جميع الناس كما أنها رغبة إنسانية يلجا إليها كل انسان للترويح عن النفس أو تفريغ شحنة من الانفعالات ويعبر عنها بشكل عفوي وطبيعي بخلاف ما هي عليه لدى المبدع الممارس الذي يضيف إليها اللمسة الفنية المحترفة. ولا يتوقف الأمر عند هذين اللونين من الابداع فحسب بل يتعداه إلى غيرها من الأنواع الأخرى مثل الرسم والتعبير الأدبي، فنجد ذلك الميل العفوي للإنسان العادي للرسم وخط الأشكال التي يحاول من خلالها محاكاة الطبيعة أو تفريغ شحنة من الانفعالات أو الرغبات المكبوتة في شكل رسومات تجريدية مبهمة، أو في أقوال مسجوعة أو خط عبارات مكتوبة في شكل رسائل أو خواطر عفوية يعبر من خلالها عن عواطفه ورغباته الشعورية واللاشعورية. ولولا تلك الاستعدادات الفنية العفوية الكامنة بداخل الانسان العادي بالفطرة، لما أمكن لنا أن نجد من يستقبل تلك الأعمال الفنية بمختلف أنواعها ويكون ذلك اللاقط والمتلقي والذي لابد منه كعنصر ثابت في تحقيق العملية الإبداعية والمشكلة أساس من ثلاث عناصر هي: (المبدِع، والمبدَع، والمبدع له).
أنواع التعبير الانثوي:
ومما سبق ذكر يمكننا أن نستنتج أن التعبير عن الأنوثة يكون في ثلاثة أشكال: (جسدية، وسلوكية، ومعنوية)
أـ التعبير الجسدي: يمكن لهذا الأنوثة أن تكون جسدية فيزيولوجية كأن تجد لدى الرجل (الذكر) جسدا املسا ناعما أو بروز أثدائه بشكل يخالف طبيعة الذكر العادي، أو يمتلك وجها أنثويا يحمل في جماله صفات الأنثى مثل كثافة رموش العينية واستدارت الوجنتين ورقة الشفتين وما إلى ذلك، كل تلك علامات انثوية بارزة تخالف طبيعة الجنس الحامل لتلك الصفات وتختلف عن الصفات الجمالية المناسبة لجنس الذكر.
ب ـ التعبير السلوكي: قد تظهر على الرجل أحيانا سلوكات خاصة لا تنسجم مع طبيعته كجنس ذكر، فتبرز في طريقة مشيته أو طريقة تعبيره الحركي اليدوي أو الراسي أو الملمحي وغيرها، فتشذ به عن طبيعته الجنسية كذكر وتحدث نوعا من اللاتوافق اللاطبيعي مع جنسه.
ج ـ التعبير المعنوي(الفني): وهو نوع التعبير الذي نقصده في دراستنا هذه ونعني به التعبير الفني الذي يعبر عن الأنوثة التي هي بداخل كل فنان، إلا أنها تكون بدرجات متفاوتة. ولكنها تصبح ظاهرة إذا ما تجاوزت الحدّ الطبيعي أو العادي المتعارف عليه.
الإبداع والشذوذ الجنسي:
قبل الخوض في هذا الموضوع لا بد أن نقف عند نقطة فاصلة أكيدا أنها شغلت بال المتلقي وجعلته يتساءل عن، موضع المرأة كأنثى في هذا الطرح؟ وبما أن الأنوثة هي مصدر الإبداع، فمن باب أولى أن تكون المرأة بصفتها أنثى سباقة له ومبجلة فيه؟
المرأة والابداع:
كي لا نطيل الحديث في هذا التساؤل المشروع والهام، وحتى لا نخرج عن سياق موضعنا الأصلي، قد أكتفي في هذا المقام بالإشارة إلى النظرية القائلة ” الحاجة أم الاختراع ” وهو الأمر الذي ينطبق على حالة الأنوثة لدى الذكر والتي هي أقلية محاصرة بكل تلك العوالم الذكورية المنوطة بالذكر، وبالتالي تجد نفسها في حاجة ملحة للدفاع عن كينونتها وبقائها، فهي تكد وتجد من أجل التعبير عن نفسها بالتعبير الكيفي الذي يميزها عن تلك الذكورة التي تحاصرها.
أما الأنوثة لدى المرأة فهي طبيعية وهي لا تعاني من ذلك الحصار، وليست بتلك الرغبة الملحة في الظهور والابتكار أو الابداع. بل قد نجدهاـ أي المرأة ـ سبب هذا الابداع، وهي المبدع لأجله في كثير من الأعمال الفنية المشهورة. بخلاف الذكورة التي بداخلها والتي هي بنفس الدرجة والكيفية من الحصار ومن الرغبة في التعبير عن وجودها والدفاع عن كينونتها، تماما مثلما هي الانوثة لدى الرجل (الذكر). وهذا ما يفسر الغالبية الكمية والكيفية للرجل في عالم الإبداع الفني مقارنة بعدد الإناث فيه. وإن برزت (امرأة) في التاريخ فهي تكون أكثر في المجال المخصص عادة لعالم الذكور مثل سلطة الحكم والسياسة أكثر منها في أي مجال آخر. والتاريخ يحفظ لنا العديد من الأسماء النسائية اللاتي برزت في التاريخ وأثرنا فيه نذكر: (بلقيس ملكة سبا، و زنوبيا ملكة تدمر، و كليوباترا ملكة مصر القديمة، نفرتيتي زوجة أمنحوتب الرابع (القرن 14 ق م)، الملكة حتشبسوت (مصر القديمة) ، سمير اميس ( ملكة البلاط) ملكة بابل ، ماريا انطوانيت (ملكة فرنسا) ، ماريا تيريزا (حاكمة النمسا) ، ماني كارنيكا ( ملكة جانسي ” والتي قادة أول ثورة ضد الاستعمار الإنجليزي في الهند ، أيضا (الملكة إليزابيث ) ملكة بريطانيا الشهيرة .وغيرهن .. ). وهؤلاء النساء أبدعنا في هذا المجال السياسي وتركنا بصماتهم واضحة في التاريخ أكثر من أي مجال آخر. مع أنه مجال محتكر من باب العادة والثقافة الاجتماعية للرجل.
الأنوثة والطريق إلى الشذوذ:
ذكرنا سابقا أن الانسان المبدع تتنازع بداخله شخصيتان، شخصية الرجل العادي وشخصية الرجل المبدع.
وكلاهما يحاول أن يسيطر على الاخر ويهيمن على شخصية صاحبه. فإن تغلب الرجل العادي تراجع المبدع واضمحل وقل إبداعه وتميزه، وإن تغلب المبدع اختفى الرجل العادي واختلف سلوك الرجل وتميز وشذ عن الحياة العادية للناس.
وقد ذكرنا في دراستنا التمهيدية أن الابداع هو تعبير عن الأنوثة التي بداخلنا، وهي مصدر الابداع، وذكرنا أن هذه الأنوثة محاصرة بين العوالم الذكورية فتحاول التعبير عن ذاتها وتدافع عن بقائها فتخرج في شكل تعابير فنية لأنها الأقرب إلى طبيعتها الأنثوية في الجنس من جمال ورقة واحساس مرهف وما إلى ذلك..
لكن وعملا بالقاعدة النفسية القائلة إذا تجاوز الشيء الحدّ الطبيعي له دخل في اللاسواء وأصبح حاله شاذة ومرضية. وعليه إذا فتح المجال للأنوثة أكثر مما يجب، ومكناها من مجرد التعبير إلى السيطرة على الفضاء كله، فهنا تهيمن الأنثى بكافة متطلباتها وخصوصيتها الأنثوية (النسوية) فتصبح امرأة في جلد رجل. أي يكون الرجل (الذكر) مجرد صورة خارجية أما الشخصية الحقيقية الداخلية المسيطرة فهي الأنثى التي بداخله والمسيطرة عليه، فلا تكتفي بالتعبير الإبداعي فحسب بل تتوسع في مجال متطلباتها إلى باقي المجالات الحياتية، ومنها الرغبة الجنسية بكونها أقوى الرغبات الغرائزية في الانسان، إلا أنها حينما تتوجه إليها محاولة اشباعها، فهي تتوجه بدافع الأنثى لكونها الشخصية المسيطرة، لا بصفة الجنس (الذكر) الشخصية المسيطر عليها، وعليه يكون الطرف ( الآخر) المقابل في تلك العملية الجنسية هو الذكر، وبذلك نكون ظاهريا وفعليا أمام حال شذوذ جنسي مثلي، عكس ما يرشحه الوضع النفسي من شعور واحساس داخلي. أي أن الجنس الظاهري منه ذكرا، في حين أن الباطني منه أنثى. الأمر الذي يؤثر سلبا على سلوكه الجنسي بسبب هذه الازدواجية في الشخصية الجنسية (أنثى في ذكر) فيأتي بسلوكات غير عادية وتكون رغباته الجنسية غير سوية بالنظر إلى المعتاد في الطبيعة، ولو أن هناك من يضع خطا بارزا تحت هذه العبارة، لأن هناك من يرى أن الطبيعة في حرية الاختيار الجنسي، ويحتجون في ذلك بأن في الطبيعة من النباتات والحيوانات ما يحمل جينات الذكورة والأنوثة في الوقت ذاته. وأن المسألة لا تعدو أن تكون مجرد اختلاف في وجهات النظر تختلف من مجتمع لأخر ومن ثقافة لأخرى ومن زمان لزمان غيره.
والخوض في هذه المساءلة يأخذنا إلى نقاش طويل وجدال عميق ومتشعب، قد نضطر فيه لأخذ موقف، وإن كان المقام لا يسعفنا بالردّ المستفيض ولكن يمكننا الإشارة إلى نقطتين، بعيدا عن وجهة النظر الدينية:
أولاـ من وجهة نظر طبية علمية: يحذر العلم من مثل هذه العلاقات والتي يرى فيها تهديدا لسلامة وبقاء الجنس البشري، رغم بعض المحاولات الطبية والعلمية (الشاذة) التي تسعى جاهدة لتحقيق تلك النظرية والرغبات الشاذة من خلال إجراء عمليات جراحية تجميلية لتغيير الجنس بحسب الطلب، إلا أنها علميا وطبيا تعتبر تشوهات وجرائم علمية تمس بأخلاقيات المهنة.
ثانيا ـ من وجهة نظر طبيعية: لقد اثبت تاريخ العلوم والفكر أن التيارات العلمية والفلسفية التي تحاول أن تسير عكس تيار الطبيعة تفشل دوما، لأنها بذلك تعاكس القوانين العلمية نفسها والتي تقر بأن كل العلوم تسير وتجري وفق مسار الطبيعة والتي تجري في فلكها كل القواعد والقوانين العلمية والإنسانية، هذه الأخير التي تحاول جاهدة منذ فجر التاريخ كشف أسراها ومعرفة حقيقتها.
والنقاش قد يطول ويتشعب، وليس ما سبق الإشارة إليه إلا فاتحة نقاش، ولكننا ننأ به إلى مقام آخر، لنعود إلى أصل حديثنا ونستعرض بعض الشواهد والأمثلة على ما سبق ذكره، وكيف ان الافراط في فتح المجال أمام الأنوثة التي تسكن مبدعنا على حساب الرجل العادي فينا قد تأخذنا إلى مهاو سحيقة ودهاليز حالكة لا نجد لنا منها مخرجا أو طريق عودة آمن. إلا أن مغريات الإبداع والتميز قد تأخذ بالمرء إلى ما يصبو إليه من مجهول فيهوي في عوالم عميقة تُجهل عواقبها ولا يُعلم لها مآل.
وقد سجلت لنا المآثر والأثار الأدبية والفنية العديد من النماذج والصور التي غامرة صوب ذلك المجهول من عالم الأنوثة فوقعت فيما يسمى الشذوذ الجنسي والذي هو أحد المألات الثلاث التي أشارنا إليها في بداية هذه الدراسة من الجزء الأول كعواقب للإبداع.
حيث يرصد لنا الدكتور الباحث رمسيس عوض في كتابه (رباعيات الابداع والشذوذ) أربعة حالات لكبار الكتاب والمبدعين العالمين الذين عرف عنهم هذا الشذوذ الجنسي والذي يظهر في آثارهم الأدبية بشكل واضح ونكتفي في هذا المقا بذكر ما تيسر لنا منه:
• جان جنييه: الكاتب الفرنسي الشهير(1910ـ 1986) والذي عرف حياة مضطربة اجتماعيا ونفسيا حيث ولد من أم عزباء في مستشفى بباريس ثم سلمته وهو في شهره السابع لدار الأيتام. وقد عرف بعدها حياة مضطربة وشاقة خصوصا لما علم أنه ابن لقيط فانعكس عليه سلبا، وقد دخل السجن وهو بعد طفل بتهمة السرقة وحبس بعدها عدة مرات وللتهرب من تلك المتبعات القضائية انضم للخدمة العسكرية ، وتطوع للذهاب إلى سوريا 1930، ثم خدم ضمن الجيش الفرنسي في كتيبة تابعة لسلاح المدفعية بالجزائر سنة 1934 ثم في مراكش 1935 ، ثم هرب من الخدمة العسكرية، وظلّ هاربا ،حتى وهو في أوج عطائه الإبداعي، إلى غاية 1942 أين عرفت روايته الإباحية الشهيرة “عذراء الزهور” والتي تحرج الناشر من وضع اسمه علينا إلا أنها لاقت رواجا كبيرا بين القراء خلسة وفي السر، كما كتب عدة أشعار ومسرحيات، جعلت اسمه يبرز بين الكتاب وقد تعرف على العديد منهم مثل (جون كوكتو) و(جون بول سارتر) وغيرهم كما كان صديقا للكاتب المغربي الطاهر بن جلون .. وقد عرفت عنه علاقة جنسية مع شاب عربي يشتغل بالسيرك يدعى “عبد الله ” الذي وجد في فندق منتحرا بقطع الشرايين وقد حزن عليه جنيه كثيرا إلا درجة أن أقدم على الانتحار بجرعة زائدة من حبوب الدواء. وظلّ هائما على وجهه تطارده الأحكام القضائية بالسجن، مما اضطر صديقيه ” جون كوكتو” و”جان بول سارتر” بالتدخل وكتابة عريضة وقع عليها أشهر أدباء وفنانين فرنسا، كما كتب الأديب الكبير ” فرانسوا مورياك ” مقالا نشره في ” الفيغارو الأدبي” عام 1949 يدافع فيه عن جنيه، جعل رئيس جمهورية فرنسا يصدر عفوا خاصا عنه بتاريخ 12 أوت 1949. وفي نوفمبر 1965 رفضت الولايات المتحدة الأمريكية أن تعطيه تأشيرة دخول بسبب شذوذه الجنسي الشائن. واستمر في علاقاته الجنسية المشبوهة وكان آخرها مع مواطن مغربي محمد القطراني عام 1983 بمراكش، إلى أن توفي وحيدا في غرفته بعد أن ارتطم رأسه بشيء صلب وهو في طريقة للحمام يوم 15 أفريل 1986.
• اندري جيد (1869-1951) روائي ومسرحي فرنسي مشهور له عدة مؤلفات معروفة منها “أرض المستقعات ” 1895 ، “عودة الولد الضال ” 1907 ، ” أوسكار وايلد” 1910 ، ” أوديب” 1931 ، ” الأدب الملتزم ” 1950 وغيرهم كثير.. وهو من عائلة ثرية. وفي عام 1893 سافر جيد إلى تونس رفقة صديق له يدعى ألبرت لورين، وتوغلا في الصحراء وفي شمال أفريقيا وتعرفا هناك على غلمان عرب من المغرب وتونس والجزائر وهناك هرف الحب المحرم، وبعد أن أصيب بمرض اشتبه في السل ذهب إلى مدينة بسكرة وهناك تعرف على عشيقة الشاب عثمان وظل معه على علاقة لمدة. ثم جرب الجنس مع فتاة فلم يعجبه الأمر وفضل الغلمان، وتعرف بعدها على الفتى علي من سوسة في تونس ودخل معه في علاقة جنسية. إلى أن سافر لفرنسا، ثم عاد للجزائر للعلاج من السل في جانفي 1895 واستقر ببسكرة والتقى في ربيع ذلك العام بصديقه الكاتب المشهور” أوسكار وايلد ” المعروف هو الأخر بشذوذه الجنسي وممارسة اللواط والذي أغرى صاحبه بالاقتداء به في ذلك الأمر. وقد صرح جيد لطبيبه المختص بالأعصاب بنزعته إلى المثلية في استشارة لأجل الزواج من ابنة عمه، الذي نصحه بأن ذلك قد يشفيه من الشذوذ، لكن هيهات وقد شرع جيد في 1907 في تأليف كتابه ” كوريدون” الذي يدافع فيه عن اللواط، والعنوان مستوحى من اسم له مدلول جنسي في الثقافة الإغريقية والرومانية، وقد سمح بنشرها سنة 1925 واخراجها للعلن. بعد أن أصدر منها 12 نسخة فقط عام 1911. وقد كان أدبه يفضح علاقاته الجنسية الذي ظل من خلالها يدافع عن شذوذه الجنسي واللواط وفي الوقت نفسه كان تعليمه الديني الذي تلاقاه في الصغر يؤثر عليه، فكان يخرج من فرنسا ليمارس هذا الشذوذ واللواط في كل من إيطاليا وتونس والجزائر.
• مارسيل بروست (1871-1922): الكاتب الفرنسي الكبير صاحب ” البحث عن الزمن الضائع” والذي قال فيه الأديب الإنجليزي “ريموند مورتمير ” عام 1943: ” لا يوجد روائي استطاع أن يضفي على شخصياته الروائية واقعية أكثر مما فعل بروست، ونحن نعرف أن شخصياته أكثر بكثير مما نعرف عن أية شخصيات روائية أخرى. ولهذا السبب وحده، فإني أفضله بكثير من جميع الكتاب الذين أصابوا الشهرة والنجاح في أيامي.”، كما صرح الناقد الألماني (ارنست روبرت كيرنيوس) بقوله فيه :” أنه يتفوق على فلوبرت في الذكاء ، وعلى بلزاك في الموهبةالأدبية، وعلى سندال في فهمه للحياة والجمال . ” .. هذا عن مقامه الأدبي والابداعي، أما عن شذوذه الجنسي فقد أماط اللثام عن حياته تلك كل من الأمريكي ريتشارد باكر في عام 1958، والإنجليزي ” جورج باتر ” في عامي 1959و 1965 وكشفا الكثير من الأسرار، مما جعل المعجبين به يطلقون عليه صفة (القديس والملاك الساقط)، وقد نكتفي بذكر البعض من تلك العلاقات، والتي انطلقت بشراهة بعد وفاة والده عام 1905، رغم أنه كان في علاقات مشبوهة منذ الصغر. وأشهرها علاقته بشاب موسيقار يدعى “رينالد هاهن”، بالإضافة إلى رسام شاب يدعى لوسيان وهو ابن الروائي الفرنسي المعروف ” الفونس دوديه”. وكان بروست يتنقل كثيرا بين الصالونات الأدبية ويتقرب كثيرا من الشخصيات الأرستقراطية المعروفة ومنها تعرف في ربيع 1893 على أحد النبلاء المشهورين من هواة الأدب والشعر اسمه الكونت روبرت دي مونتسكيو فيزينساك” الذي كان يخفي نزعته إلى الشذوذ إلا على بروست الذي اقتدى به في ممارسة المثلية واعتبره استاذه ورائده. وقد عالج بروست موضوع الشذوذ في خطاباته لعشيقه رينالد هاهن والتي يوضح فيها موقفه من اللواط. ولقد تركت تلك العلاقات الجنسية الشاذة أثرها واضحا في كتاباته لاسيما في كتابه ” البحث عن الزمن الضائع” وكتابه ” الملذات والأيام” وغيرها من الرسائل للعديد من أصدقائه.
وربما تطول بنا القائمة ونحن نضم غليها توماس مان، ورامبو، وأي إم فورستر، ودابليو أودين وغيرهم.. والذين في أغلبهم أظهروا موهبة إبداعية في باكر العمر كما ظهرت عليهم تلك النزعات الجنسية الشاذة مبركة في مرحلة الطفولة، مما يجعلنا نتساءل هل الشذوذ هو الذي دفعهم للإبداع أم الابداع هو الذي دفع بهم للشذوذ الجنسي!؟
وقد عزمت على مقارعة هذا الموضوع الذي طالما تهربت منه الأقلام العربية وتحرجت من الخوض فيه لسبب أو لآخر، أرى من الضروري التطرق إليه ليس للتشهير بأصحابه أو ما شابه، وإنما لمحاولة فهم هذه الظاهرة والتي تفشت بشكل خطير في عصرنا الحالي ليس لدى الغرب أو الديانات الأخرى فحسب، بل لقد فاحت رائحتها عربيا واسلاميا، وبات الكثير مما يدعون الانساب إلى حقل الابداع الفني بمختلف أنواعه، يجهرون بمثليتهم ويفتخرون بها، وهو ما يعطي المثل السيئ والمشين لأبنائنا الذين بدأوا يتخنثون شيئا فشيئا مرة بتقطيع السراويل وأخرى بتحليق الرؤوس ووضح المساحيق وتركيب الخلاخل والنقوش.
كما يجدر الإشارة هنا، ولو بعجالة على أن أعود إليه في دراسة مطولة، أن ما خلصت إليه، إن الإبداع الفني ليس هو بالضرورة السبب المباشرة الوقوع بالمبدعين في هذه المآلات المؤلمة (الانتحار، الجنون، الشذوذ) لأن هناك الكثير من المبدعين العباقرة من عاشوا حياة سويا إلى أبعد حدّ ولم يعرف الانتحار ولا الجنون ولا الشذوذ الطريق إليهم. ولكن لاحظت من خلال دراسة العديد من النماذج أن المحيط والظروف التي ينشأ فيها الفرد تكون له استعدادا سيكولوجية وفيزيولوجية تؤدي إل تلك الحالات، وقد تجد مجال الابداع الفني مجالا خصبا ومغذيا ومشجعا لظهور تلك الحالات والتعجيل بها، ليما يوفره من حرية في التعبير وتحطيم للقيود والعقبات التي قد تقف في وجه الابداع الذي يشترط الحرية والعبقرية.

الخميس 10/06/2021

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق