ثقافة المقال

اسلوب ذكي لدخولنا العصر الرقمي

ناجي ظاهر

يرى الكاتب المغربي سعيد يقطين، في كتابه “النص المترابط”، ان رهان الثقافة العربية ومستقبلها موصولان باقتحامنا للعصر الرقمي بوعي جديدٍ ورؤية جديدة، ويؤكد أن عيشنا بذهنبة تقليدية لن يسهم في تطورنا البتة، مشيرًا إلى كثرة المواقع الالكترونية العربية ومنتقدًا في الآن. ما تُقدمه في المجال، فيقول إن هذه المواقع والمدوّنات قد تكثر.. لكن بدون تجديد: الذهنية واللغة والكتابة وطرائق التفكير.. سنظل بمنأى عن التلاؤم مع العالم الذي يحيط بنا.. وتكون مساهمتُنا فيه محدودة وضيّقة كما هو حاصل حاليًا.
مؤلف الكتاب. سعيد يقطين. محاضر جامعي ومثقّف مغربي.. ويبدو من كتابه الثوري هذا، انه انشغل بالبحث في الأدب الرقمي، او الالكتروني كما يرجح، فقد وضع كتابًا حمّله عنوان “من النص إلى النص المترابط”، وها هو يضع كتابًا آخر جديدًا، هو مدارُ تعليقِنا، يحمّله عِنوانًا زخمًا معبّرًا هو “النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية. نحو كتابةٍ عربية رقمية”، ويعمل، كما يوضّح في كتابه هذا، على تأليف كتاب ثالث عن الادب المترابط.
يتطرّق المؤلف في كتابه هذا بداية إلى أهمية تحديد المصطلح.. مستعرضًا العديد من تعبيراته. ويستقر على مصطلح يقترحه لباسًا للأدبيات الالكترونية الحديثة هو الادب المترابط، متحفظًا على مصطلح كان اقترحه الدكتور حسام الدين الخطيب، هو الادب المتفرّع.
بعدها يميّز المؤلف بين الادب الالكتروني والادب الرقمي، فليس كل انتاج ادبي الكتروني هو انتاج رقمي، ذلك ان للرقمية اصولها واتجاهاتها التي ابدع العالم في انتاجها، في حين اننا نحن العرب، ما زلنا بصورةٍ عامةٍ على هامش هذا الادب الذي قطع فيه العالم المتقدم في اوروبا وامريكا اشواطًا بعيدةِ المدى. وينتقد المؤلف تعاملنا نحن العرب مع هذا الادب. الرقمي. رائيًا اننا ما زلنا نتعامل معه على اعتبار انه نصٌّ ورقيٌّ نقوم بتحويله الى الكتروني، في حين ان هذا الادب يختلف اختلافًا جوهريًا كونه يستعمل وسائط اخرى غير الكلمة مثل الصوت والصورة والنغمة وما اليهما.
يوجّه المؤلف نقدًا شديدًا إلى طرائق الكتابة لدينا نحن العرب، فيرى انها كمية لا تنحو منحى الكيفية بصورة عامة، مستثنيًا من هذا النحو كتاب “فن القول”، للكاتب العربي المصري امين الخولي، ومما يوجّه اليه سهام نقده في كتابتنا الادبية العربية نشير إلى.. عدم القدرة على الاختصار والتعبير الشفهي، فالكثيرون من الطلاب خاصة، يدبّجون العشرات من الصفحات وعندما تسأل الواحد منهم عمّا اراد قوله بكلمات.. يعجز عن القول.. على عكس الطلاب الاجانب عامة، يقول منتقدًا.. اننا لا نولي المنهجية في الكتابة والتعبير الشفوي ما تستحق من العناية، اذ يكفي ان يستعمل الطالب مفردات صعبة وغريبة، واسلوبًا انشائيًا جميلًا وبراقًا وخادعًا ليكون نجم المؤسسة في الانشاء، وينال التقريظ اللازم من التلاميذ والاساتذة، فالعبرة، عندنا، تكمن في مادة التعبير، وليس في كيفيته ولا في طريقته.


كما يرى ان كتّابتنا العربية عادة ما تهمل ادوات الترقيم وتكتفي باقلها، وانها تحفل بالكتب التراثية التجارية التي لا تولي الكتاب ما هو جدير به من تحقيق، كما هو مفترض، ويتساءل بحرقة قائًلا اننا اذا كنا متخلّفين في تقديمنا للكتاب التراثي خاصة.. الى هذا الحد، فكيف سنتمكن من دخول العصر الرقمي، الذي يحتاج الى وعي جديد نفتقر اليه، ويتطرّق الى اس المشكلة فيرى ان العالم يشهد منذ عقود ثورة بشرية، يتم التحول فيها من الكلمة الورقية الى الكلمة المرئية والصورة، ويعرض لبّ هذه الثورة قائلًا اننا نتعامل مع الكتاب الورقي هكذا.. كاتب نص قاري، في حين اننا نتعامل في الادب الرقمي مع عنصر رابع اضافي هو الحاسوب، وذلك ضمن اشارة الى اهمية معرفة التعامل مع الحاسوب وتقنياته المتعدّدة، يقول اننا مع الطبعات المتعددة من الكتاب الورقي نلتقي مع المادة ذاتها، اما مع اجيال الحواسيب المتتابعة والمتتالية بسرعة فائقة فان الامر يختلف.
ينوّه المؤلف انه منذ صدور كتابه الاول عام 2005. “من النص الى النص المترابط”، حصل تغيّرٌ ملموسٌ على ساحة الادب الرقمي العربي، فقد ظهرت مواقع الكترونية متعددة يشير منها الى موقع “الورّاق”، الهام جدا لكنه يرى ان هذا الموقع يحتاج الى المزيد من الجودة في الاداء، كما يشير إلى تشكل “اتحاد الكتاب العرب للانترنت”، وإلى الاجتهادات الملموسة للكاتب الاردني محمد سناجلة الحالم الرقمي، لتجسيد الحلم واقعًا، والانتقال بالعربية وبالإنسان العربي إلى عصر رقمي يكون فيه للعرب وجود، مثنيًا ورائيًا في هذا الاتحاد خطوة في الاتجاه الصحيح، وهو بالمناسبة يُهدي كتابه هذا الى محمد سناجلة ومحيطيه، ويخلص في نهاية كتابه إلى اننا نحتاج نحن العرب لدخول حرم الادب الرقمي، إلى العديد من المبادرات الشجاعة والجريئة.. منها: ضرورة الوعي بأهمية الوسيط الالكتروني في عصرنا الحديث. تطوير معارفنا بالمعلوميات. تكون ورشات للعمل بين الكتاب والمشتغلين بالأدب والفن، واصدار دوريات ومجلات علمية تعنى بما يتحقّق في المجال المعرفي الخاص بالمعلوميات. ومتابعة ما يتم انجازه في الفضاء الشبكي الغربي وقراءته قراءة نقدية علمية.
ـــــــــــــــــــــــــــ
*اصدار المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء- المغرب- الطبعة الاولى عام 2008. عدد الصفحات 316 صفحة من القطع الكبير.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق