حوارات المجلة

الباحث والكاتب الفلسطيني د. جمال أبو نحل للمجلة الثقافية الجزائرية:

– المثقف الفلسطيني المبدع كان كالغيث أينما حل نفع. 
– كورونا أصابت العالم بالشلل.. لكنها لم تمنعنا من التواصل  
– المثقف الافتراضي أشد فتكًا من لص البيوت..
– التعويل على النظريات الإيمانية ممكن جدًا

د. جمال أبو نحل مثقف من فلسطين لديه العديد من الخبرات الأكاديمية والمؤهلات العلمية والبحوث المنشورة.. ضيفنا باحث مهتم في الفلسفة والفكر الإسلامي واللغة العربية وكاتب صحفي ومحلل سياسي وأستاذ جامعي وأسير محرّر من سجون الاحتلال الصهيوني، من مؤلفاته: (النظرية الأمنية في التصور الإسلامي) و (خيط دخان) و (خواطر مسافرة) و (بوح الروح) وغيرها.. المجلة الثقافية الجزائرية حاورت هذا المبدع في قضايا الراهن وفيما يلي نص الحوار:

حاورته: باسمة حامد

المثقف والسلطة

المجلة الثقافية الجزائرية: المثقف والسلطة قضية إشكالية يحكمها كثير من الشك والتوجس والالتباس.. فالصراع التاريخي بين (السيف والفلم) يطرح الكثير من التساؤلات حول دور المثقف في عملية البناء والتغيير.. ما جدوى هذا الدور إذا كانت السلطة ترسم مسار الثقافة التي تريدها وتحدد حدودها سلفاً لصالح مشروعها السياسي؟

د.جمال أبو نحل: مما لا ريَبَ فيه أن الأمة العربية، والإسلامية وَلَادَّةَ بالمثقفين، والعلماء والأدباء، والمفكرين الأجلاء، والشعراء الأماجد، ولا تزال كذلك؛ وقد سطرت سجلات التاريخ العالمي، والعربي، والإسلامي قديمًا، وحديثاً بعضًا من تلك الخلافات، والإشكاليات بين المثقف، والسلطة الحاكمة عبَر غابر الأزمنة، والعصور، وحتى يومنَا هذا؛ إنها قضية إشكالية يحكمها بعض الشك، أو كثيرًا من الشك، والهواجس، والتوجس، ويسودها بعض الالتباس.. فالصراع بين (السيف، والقلم) صراع تاريخي، كان، ولا يزال، وسيبقي، كما هو حال الدُنيا فيها صراعٌ أزلي ما بين الحقِ، والباطل؛ ولقد مرت العلاقة بين المثقف، والسلطة خلال التاريخ بأحوال متغيرة، ومتحورة، ومتبدلة ما بين التوافق، والتنافر، والمد، والجزر، فكانت علاقة يسودها التوافق في بعض الأحيان، وأحياناً علاقة مبنية على التحدي والنقد، والنزاع والصراع، من أجل قول كلمة الحق، والحرية والدفاع عن حقوق الإنسان، ومحاربة كل أنواع الفساد في السلطة الحاكمة؛؛ وهنا أتذكر مقولة وزير الدعاية السياسية النازي: “جوزيف جوبلز”، في عهد الزعيم النازي هتلر، وأحد الوزراء النازيين دموية في التاريخ الألماني والذي قال: “كلما سمعت كلمة مثقف تحسست مسدسي” وفى رواية أخرى “كلمة ثقافة”، وهذا الكلام هو أبلغ قول يجسد ويفسر العلاقة المضطربة بين كل القادة المُتسلطين وقمعهم لكل مثقف يخالف هَواهُم!!.أما عن السؤال ما جدوى هذا الدور.. نقول بأن المثقف لا يعرف اليأس، ويحفر في الصخر، وجدوى هذا الدور يأتي وقت لها ولو مُتأخرًا رغم أنه فعلاً السلطة الحاكمة في أغلب وطننا العربي ترسم مسار الثقافة بما يوافق مزاج الفئة الحاكمة وسياستها وترسم الخطوط العريضة والخطوط الحمراء والتي لا تسمح بتجاوزها؛ ولكن دوام الحال من المُحال ولا يمكن أن يبقي ذلك إلى الأبد وفي النهاية لا يصح إلا الصحيح والمثقف الحُر رغم كل الظروف القاهرة التي قد يتعرض لها والضغط عليه حينما يقول كلمة الحق يدفع ثمنها غالياً؛ فإن المثقف لا يعرف اليأس ويدافع عن الفكرة والكلمة الحرة المُعبرة، والفكرة الصادقة الأمينة لن تموت.

المجلة الثقافية الجزائرية: رغم اللجوء والأسر والاستشهاد.. نجح المثقفون الفلسطينيون في نشر ثقافة المقاومة داخل الوطن والشتات وذلك لإيمانهم بفكرة الحرية والاستقلال، لكن حالة الانقسام الفلسطيني أضعفت حضورهم بشكل ما.. ضمن هذا الواقع هل فقد المبدع الفلسطيني عزيمته وإصراره على نصرة الحق الفلسطيني في التحرر من الاحتلال؟

د.جمال أبو نحل: نجح المثقفون الفلسطينيون في نشر ثقافة المقاومة داخل الوطن والشتات وذلك لإيمانهم بفكرة الحرية والاستقلال، لكن حالة الانقسام الفلسطيني أضعفت حضورهم بشكل ما.. ضمن هذا الواقع هل فقد المبدع الفلسطيني عزيمته وإصراره على نصرة الحق الفلسطيني في التحرر من الاحتلال؟ لقد أضَّرْ الانقسام الفلسطيني كثيرًا وبشكل كبير جدًا في القضية الفلسطينية ومزق شمل بعض المُثقفين، وخاصة بعض المثقفين الذين ينتمون لحزب، وتنظيم، وفصيل مُعين، فأصبح بعضًا منهم يدافع عن حركتهِ، وفصيله بشكل كبير، وكأن الحزب فوق الوطن، والأمُة، وكأن جماعتهُ، وحزبهُ جعلت من فكره مُغيبًا كمن كان يعبدُ الأوثان في الجاهلية؛ وكأنهُ لا يري مثقفًا غيرهُ، وكمن يقول لا أريكم إلا ما أري وما أهديكم إلا سبيل الرشاد!! وهذا بالطبع أضعف القضية الفلسطينية بشكل ما، ولكن الأغلبية من المثقفين على عكس ذلك الحال؛ فكان المثقف الفلسطيني المبدع له لمسات جمالية، وبصمات وردية، وقدم أجمل هدية للأمة العربية والإسلامية، وكان كالغيث أينما حل نفع، وكالنور يبدد الظلُمات، في كل المجالات وينشر الخير بالعشي، والإبكار. ــ نعم رغم كل المرارة، والألم والاحتلال لقد نجح المثقفون الفلسطينيون في نشر ثقافة المقاومة داخل الوطن، والشتات، وذلك لإيمانهم العميق بالله، ومن ثم بحتمية النصر، والفتح المبين، والتمكين، والتحرير لفلسطين، ولو حينًا بعد حين، وهذا يقين لا شك فيه، ولن يزول هذا اليقين بالحرية والاستقلال، رغم كل الأنين، وطول سنون المحتلين الغاصبين المجرمين..ــ

الثقافة والعالم الافتراضي

المجلة الثقافية الجزائرية: جائحة كورونا أجبرت القطاع الثقافي على الإغلاق العام ووضعت الثقافة موضع الحجر وحجزتها في تطبيقات العالم الافتراضي.. كيف نتعامل مع عواقب هذا الفيروس لنصنع حراكاً ثقافياً فاعلاً خصوصاً وأن العودة للحياة الطبيعية مازال هدفاً بعيد المنال بالنسبة لكثير من دول العالم؟

د.جمال أبو نحل: صحيح أن الجائحة أصابت العالم بالشلل فترة ما، وسببت الإغلاق العام، ووضعت الثقافة والعالم كله في العالم الافتراضي؛ ولكن رغم ذلك فالمثقف الحقيقي لا يعرف اليأس ولا الكلل أو الملل أو الإحباط، ويواصل المشوار الثقافي بكل عزيمة وإصرار متحديًا كل المخاطر، وسَبَرَ قُدْرَتَهُ عَلَى تَحَمُّلِ كل الصِّعَابِ، رغم كل الجرح الغائر، ولكنه يمضي سائر، صابر، معطاء، مثابر، وهنا أتذكر في عز جائحة كورونا كنت موجود في القاهرة بجمهورية مصر العربية، وقمت بعمل حفل توقيع عدة كتب لي؛ وكانت الجائحة في أشدها، وثم حضور قامات وجمع غفير من المثقفين وكان أكثر من حفل توقيع، متحدين جائحة كورونا مع الأخذ ببعض الاحتياطات، فلم تمنعنا كورونا من التواصل الوجاهي بعيداً عن العالم الافتراضي في الانترنت؛ واليوم يشهد العالم العودة للحياة الطبيعية وأعتقد أن ذلك لم يعد هدف بعيد المنال ولا أريد الخوض بالسياسة فربما كورونا كانت نوعًا من الحرب الكونية بين القوي العظمى من أجل بيع العقارات الطبية بدلاً من بيع السلاح والتي أصبحت غير مجدية؛ فكان التضخيم لجائحة كورونا إعلامياً من أجل تتكسب الدول العظمي وتبيع عقارات الدواء والعلاج وتستفيد المليارات من الدولارات! لذلك علينا أن يستعيد العالم عافيته ونرجع للعطاء والعمل ولولا الأمل لبطُلَ العمل.

منصات التواصل الاجتماعي صنعت مثقفاً افتراضياً لا يقدم أي محتوى

المجلة الثقافية الجزائرية: من الملاحظ أن منصات التواصل الاجتماعي صنعت مثقفاً افتراضياً لا يقدم أي محتوى معرفي أو إبداعي لكنه يتفوق بالشهرة والحضور على المثقف الحقيقي.. كيف ترى هذه الإشكالية؟

د.جمال أبو نحل: كلام صحيح، إن منصات التواصل الاجتماعي صنعت مثقفاً افتراضياً لا يقدم أي محتوى معرفي أو إبداعي لكنه يتفوق بالشهرة والحضور على المثقف الحقيقي نوعًا ما؛ وإن حل هذه الإشكالية يتطلب تضافر كل الجهود الشريفة، والعفيفة، والنظيفة من جميع المثقفين وبالتعاون مع السلطة الحاكمة من أجل حل هذا الإشكال، واحتواء هذا البلاء، والذي انتشر كالوباء، وللأسف تجد المثقف الافتراضي يكون لصًا سارقًا للنصوص الأدبية وينشرها وكأنها من بُناةِ أفكارهِ؛ وهي لغيرهِ، وكذلك تجد العجب العجاب على منصات التواصل الاجتماعي والتي انتشرت انتشار النار في الهشيم! حيث لا يوجد لا رقيب ولا حسيب، ولا مساءلة للمثقف الافتراضي الوهمي وهو كاللص الذي يسرق البيوت؛ بل انه أشد فتكًا من لص البيوت، لأن لص الأفكار أشد فتكًا!! ويكمن الحل في أن يسود النظام القانون، وأن يأخذ كل إنسان مكانه الصحيح وأن نضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، وأن يكون للسلطة ولوزارة الثقافة في كل دولنا العربية يد لمتابعة الأمر وإنزال الناس منازلهم ورفع المثقف الحقيقي وتكريمه، لا تجريمه وتغريمه، وأن تتكاثف الجهود كلها ليكونوا جميع المثقفين في الأمة لهم صولات وجولات في الإبداع والعطاء والبذل، تغطي كالسماء في عظم حجمها على السفهاء الصغار فيصبحون نكرة لا محل لهم من الإعراب.ــ

المجلة الثقافية الجزائرية: المثقف العربي –ربما- لم يستوعب إلى الآن سمات الواقع الافتراضي بوصفها خوادم نصية يستطيع استثمارها لصالح منتجه الإبداعي، ما رأيك؟

د.جمال أبو نحل: ليس الأمر على إطلاقه بعض المثقفين العرب استوعبوا سمات ذلك، وعلموا أهمية، وضرورة التوسع، والتواصل في الواقع الافتراضي بوصفها خوادم نصية، واستطاعوا استثمارها لصالح منتجهم الإبداعي، وكان لهم حضور راقي ورائع وجميل وأنيق وأُلق في ذلك، والبعض الأخر من المثقفين ولو بشكل قليل جدًا بقي على النهج، والنمط الفكري القديم، ولم يستطيعوا استثمارها لصالح منتجهم الإبداعي..ـ
علينا تصحيح المسار سلامة اللغة العربية

يجب أن نهتم بسلامة اللغة العربية؛ فهي أولاً لغة القرآن الكريم

المجلة الثقافية الجزائرية: كمثقف وأكاديمي مهتم بسلامة اللغة العربية.. ما الإجراءات التي يجب أن تُتخذ من أجل إعادة الاعتبار للغة الفصحى مع شيوع أخطاء لغوية مشينة في رواياتنا العربية ومن ضمنها تلك التي تترشّح للجوائز؟

د.جمال أبو نحل: هذا السؤال لأهميتهِ الكبيرة يحتاج لمحاضرات كاملة للإجابة عنه، ولكن نقول في عُجالة بأننا يجب أن نهتم بسلامة اللغة العربية؛ فهي أولاً لغة القرآن الكريم، والمنزل من فوق سبع سماوات، وعلينا أن نتخذ الكثير من الإجراءات، والتي يجب أن تُتخذ من أجل إعادة الاعتبار والهيبة للغة العربية الفصحى، وخاصة مع شيوع أخطاء لغوية مُشينة في رواياتنا العربية وحتى بعض الروايات، والقصص، والقصائد الشعرية، والتي بعضًا منها حصدت جوائز رغم ما بها من اعتلالات واختلالات، فنحن بحاجة ماسة لأن نبدأ منذ اللبنة الأولى من المهد والميلاد، ورياض الأطفال، وصولاً حتى اللحد من الاهتمام بسلامة اللغة العربية، وتدريسها من خلال طرائق، وأساليب مختلفة، ومتنوعة، ومتعددة، وربما لو استخدمنا الأسلوب القصصي، والتمثيلي، لما لهُم من تأثير، وأثر، ودور كبير على الإنسان، وهذا الأمر مسؤولية الجميع في المجتمعات العربية والإسلامية، ويبدأ الدور من الأسرة، وصولاً للمجتمع، ويجب التركيز منذ النشأة الأولى على سلامة اللغة العربية، وكما قيل:” كلما فتحت الدولة مدرسة أغلقت سجنًا”؛ وأتفق مع ما قاله قال جورج أورويل: “نحن في عصر أصبح من واجب الأعمال الإبداعية فيه أن تطلق الرصاص”، لتصحيح المسار لسلامة اللغة العربية لسلامة الوطن العربي، لأن المثقف قائد للجماعة، وهنا يكون الدور الأكبر للمثقف الواعي المتبحر بكل علوم اللغة العربية وقواعدها العريضة، وأوصلوها، وفروعها. ــ
الفلسفة والدين..

الإسلام هو دين التسامح، والأخلاق والسلام، والمحبة

المجلة الثقافية الجزائرية: ما يلفت الانتباه في كتابك (النظرية الأمنية في التصور الإسلامي) ربط الأخلاق بالدين والعلم، وهنا وصفة مثالية لتنوير الوعي العام وتحقيق الأمن والسلام، لكن بعد الدمار الذي خلفته عواصف التطرف والإرهاب وملوثات الفكر التكفيري داخل المجتمعات الإسلامية.. هل مازال التعويل على النظريات الإيمانية ممكناً؟

د.جمال أبو نحل: في كتابنا (النظرية الأمنية في التصور الإسلامي) والذي بدأت بتأليفِهِ عام 2011م، وقبل ما عُرِفَ “بالربيع العربي”، وظهور فكر داعش الإرهابي! كان الكاتب بفكره يسعي لرسم ملامح، وخطوط وبناء نظرية واضحة تدلل بأن الإسلام هو دين التسامح، والأخلاق والسلام، والمحبة، والرحمة، والتسامي، ودين الأخوة في الإنسانية جمعاء، على عكس ما يصفهُ الغرب ظلمًا وزورًا بأن الإسلام هو الإرهاب!!؛ ولقد ربط الكتاب علاقة الأخلاق بالدين، من خلال نظيرة مكونة من عدة نقاط مفصلة تكلمت عن مقاصد الشريعة الإسلامية السمحة ووسطيتها، وربط ذلك بالثقافة، والعلم، والوطن العربي، والأمن من خلال منظور التصور الإسلامي للكون؛ ومزجت التربية الأمنية بالوطنية، مع الأخلاق وزرع الفضيلة، في روح الشباب، والوسطية، والأخلاق الإسلامية الطيبة الحسنة هي صفة، ووصفة مثالية لتنوير الوعي الفكري العربي، والإسلامي العام، لتحقيق الأمن، والسلام، بعيدًا عن الدمار، الذي سوف تُخلِفه عواصف التطرف، والإرهاب، وملوثات الفكر التكفيري الداعشي الذي صنعه الغرب نفسه، داخل المجتمعات الإسلامية؛ والتعويل على النظريات الإيمانية ممكن جدًا حينما تكون نابعة من فكر متفتح وسطي إيماني صحيح معتدل بعيدًا عن التنطُع والتفريطــ.

المجلة الثقافية الجزائرية: صارت الفلسفة أشبه بالبديل للكثير من الطروحات الفكرية الراهنة، هل تستطيع الفلسفة باعتقادك أن تأخذ مكاناً في الوعي الجمعي العربي والإسلامي خصوصاً؟

د.جمال أبو نحل: كانت أطروحتي الدكتوراه تخصصها الدقيق في الفلسفة والتي تعني حب الحكمة، ولقد صارت الفلسفة في ايامنا أشبه بالبديل للكثير من الطروحات الفكرية الراهنة، فالفلسفة إن غلفت بغلاف إيماني صحيح تستطيع أن تأخذ مكاناً في الوعي الجمعي العربي، والإسلامي خصوصًا، وكما قيل: ” المكان الوحيد للسعادة الحقّة ليس ثَمَّةَ شيء حسن أو قبيح، بل الفكر هو الذي يجعله كذلك”، من خلال تلحُف الفيلسوف بوسطية الإسلام، وكلما زادت المعرفة، ذادت الحكمة، وكلما عرف اغترف، وكلما اغترف، واقترف، واحترف فن الفلسفة، وأبحر فيها بعيدًا عن الأُطروحات الفكرية المُغلقة، والمجردة، والمُكررة ومنها المُجربة، والمُحَرفة. ومهمة الفيلسوف اليوم تتسع، وتكبر؛ حيث يكيف المبادئ مع الظروف والأحوال الجديدة.

ما تحتاجه مجتمعاتنا العربية اليوم إلى نضج معرفي صحيح بالتاريخ

المجلة الثقافية الجزائرية: للوصول إلى فكر ديني حقيقي ينهض بالمجتمع وينأى بنفسه عن التوظيف السياسي.. لعل ما تحتاجه مجتمعاتنا العربية إلى نضج معرفي بالتاريخ أولاً.. برأيك هل تهيأ العرب لهذه المرحلة ونحن نعيش اغتراب العقل ومصادرته؟

د.جمال أبو نحل: للوصول إلى فكر ديني حقيقي ينهض بالمجتمع بعيدًا عن التوظيف السياسي، مهمة شاقة وصعبة في زماننا، ولكنها ليست مُستحيلة؛ ولعل ما تحتاجه مجتمعاتنا العربية اليوم إلى نضج معرفي صحيح بالتاريخ، ودراسة معمقة عن تاريخ الأمم، والشعوب، والتعلم من التجارب السابقة، ودراسة بحثية مُحكمة للتاريخ الإسلامي في زمن النبوة، وكيفية تأسيس الدولة الإسلامية بفكر الرحمة للعالمين، وأعتق حتى اليوم لم يتهيأ العرب لهذه المرحلة ولم يكتمل النُضج لها، لأننا لا نزال نعيش مرحلة الاغتراب العقلي، والفكري، والإرادة العربية مسلوبة، ومسحوبة، والخيرات العربية منهوبة، ويتحكم الرويبضة في أمور العامة، ويُقتل الأذكياء، والأبرياء، ويُقتل الذين يعرفون كل شيء، ويتم تجاهل الصفوة في وطننا العربي ونخسر كل يوم من هجرة العقول العربية الفذة كَسِرب الطيور المهاجرة خارج الأوطان.ــ

المجلة الثقافية الجزائرية: ضمن التجاذب الحاصل بين الإسلام السلطوي والإسلام الأصولي: كيف نصل إلى تمثّل عقلي للدين متخلص من الأسطرة والأدلجة ضمن رؤية متزنة في علاقة النص المقدّس بالواقع الراهن؟

د.جمال أبو نحل: إن كتابنا النظرية الأمنية في التصور الإسلامي قد أجاب في أحد فصولهِ على هذا التساؤل، فيجب الابتعاد عن التجاذب الحاصل بين بعض المسلمين، فالخلل فيهم وليس في الإسلام الذي هو دين الله وقد جاء بالشريعة المسحة لتكون نور ورحمة وضياء للإنسانية جميعها ولذلك فإن أكبر من أساء إلى الدين هم بعض المتدينون أنفسهم بتأويلاتهم المتعسفة للنصوص المقدسة، وجعلوا من الدين وسيلة لأماني موهومة، أو حزبية مقيتة، ولكي نصل إلى واقع فكري وعقلي للدين متخلص من الأسطرة والأدلجة من خلال الرؤية الوسطية المتزنة للشريعة من خلال القرآن الكريم، والعمل من خلال رؤية متزنة حكيمة معتدلة متوسطة من غير إفراط أو تفريط، وخير الأمور أوسطها، وكذلك يوجد نصوص مقدسة لا مجال للاجتهاد فيها فهي مُسلمات تقتضي الإيمان المطلق فيها مثل العبادات، وكلمة التوحيد.

” لكل داء له دواء يستطب به إلا الجهالة أعيت من يداويها”

المجلة الثقافية الجزائرية: ما زال التنظير لفلسفة التقارب بين الأديان قائماً.. إلا أن النسخة الغربية للحوار مع الآخر أشبه باستراتيجية للهيمنة في حين تبدو القدرات العربية في هذا المجال ضحلة للغاية.. إلى أي مدى يمكن الرهان على سلطة المعرفة لتلافي هذه الفجوة ونحن شعوب –للأسف- تعيش على هامش العالم ثقافياً؟

د.جمال أبو نحل: الدين الإسلامي هو الكمال والجمال وجاء مكملاً ومتممًا لما جاء به سائر الأنبياء وكلهم رسالتهم سامية وواحدة وهو التوحيد، والإسلام، والدين في أبسط معانيه هو التسليم والانقياد لشرع الله عز وجل، ولشريعته الَسمِحة التي جاءت للتيسير على الناس، وهو منهج حياة لتيسير أمور الناس وفق العدل، والتسامح والوسطية، فلا فرق بين أعجمي ولا عربي إلا بالتقوى، وأننا جميعًا إخوة في الإنسانية والدين يعني نسق تفسيري للوجود هدفه إضفاء المعنى لهذا الأخير ولحياة الإنسان، فهو بذلك أفق تحرري يحر الذات الإنسانية من بطش المعرفة المؤدلجة والقراءات المتطرفة لنصوصه التي تخالف الفطرة الإنسانية؛ ومعنى كون الدين يعمل على إرواء الظمأ الأنطولوجي، الأُنْطُولُوجيّ: (الفلسفة والتصوُّف)، في إثبات وجود الله عزَّ وجل؛ ويشبع حاجات لا يمكن أن يشبعها العقل، والخبرة البشرية، إنه يهتم بأزمة المعنى وسبل معالجتها، إنه يعالج فقدان معنى الحياة في عالم اليوم.ــ المقاربة بين الأديان تحور في بعض الأحيان لصالح الأعداء، لأننا لا نحسن اختيار من يمثلنا في مثل هذا الحوار، وصحيح النسخة الغربية للحوار مع الآخر أشبه باستراتيجية التبعية، والهيمنة والاحتواء من قبل الأعداء، في حين تبدو القدرات العربية في هذا المجال ضحلة للغاية، والرهان على سلطة المعرفة لتلافي هذه الفجوة ضعيف، لأننا وللأسف مازلنا نعيش على هامش العالم ثقافياً، وأُمة اقرأ لا تقرأ، بل ما زاد الطين بِلةٍ، وبللاً هو تفشي الجهل بدل المعرفة، وصرنا في زمن تُباع فيها الشهادات، والكثير يحمل مسميات دكتور في عالمنا العربي والإسلامي، ولكنه فقير ثقافيًا، بل غير مؤهل ثقافيًا ليكون طالب في المرحلة الثانوية، ويسمي نفسه دكتور، ولقد انتشرت انتشار النار في الهشيم ما يسمي مراكز التدريب المهني، والتي تعطي شهادات الماجستير، والدكتوراه بأقل من مائة دولار وفي غضون شهر أو شهرين، وتباع، وتشتري، وحينما تناقش أصحاب تلك الشهادات، والمؤسسات التي تمنحها وكأنك تناقش في صخرةٍ سوداء، صماء، بكماء، عمياء!! ولقد رأيت على مواقع التواصل الاجتماعي بحر من مسميات دكتور، وحينما تفتش في حقيقة الأمر تجده خاوي الوفاض، غير مثقف وغير متعلم، بل ربما لا يحمل شهادة ثانوية عامة، بل شهادات مهنية جُلها وأغلبها هي عملية تجارة ربحية وتُباع، وتشتري كما تشتري الخُضار من السوق!! ونقول لهؤلاء أدعياء الثقافة، والعلم، صدق فيكم قول الشاعر: ” لكل داء له دواء يستطب به إلا الجهالة أعيت من يداويها”. وإن كان لنا كلمة أخيرة فرغم هذا الليل البهيم لابد من بزوغ الفجر، والخير قادم، والأمة العربية الإسلامية ولادة بالخير، وفي خيرة المثقفين.

المجلة الثقافية الجزائرية: كلمة أخيرة في ختام هذا الحوار..

د.جمال أبو نحل: في نهاية هذا الحوار الشيق الطيب المبارك لا يسعني إلا أن أتقدم بجزيل الشكر، والعرفان، والتحية والأقدار، وبيادر الياسمين والرياحين، لمعاليكم ولسموكم جميعاً، ودمتم بكل الألق، والسعادة، والخير، وعلمتني الحياة بأن لا أتكلم حتى أتعلم، ولن أتعلم حتى أتألم.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق