حوارات المجلة

الشاعر الجزائري حسين عبروس للمجلة الثقافية الجزائرية:

أدب الطفل هو وسيلة فنّية سحرية تستطيع أن تغير واقع الطفولة
الكتابة للطفل تتطلب الموهبة العالية والثقافة..
الشعر ما يزال رافد الحياة في كل الأزمنة
الشعر الذي لا يعري جذور تفاصيل الصمت القاتل هو شعر يساعد على استمرار الخراب

درس المبدع  حسين عبروس  الأدب العربي واشتغل بالتعليم وبالإعلام، ورد اسمـه فـي عـدة معاجـم أدبيـة، من أعماله الشعرية: (ألف نافـذة وجدار، النخلـة أنـت والطلـع أنـا، طـرق علـى حديـد القلـب)، ومن مؤلفاته: (علـى متـن سفينـة المتنبـي)، فضلاً عن أعمال أخرى تحـت الطبـع.. ضيفنا كتب الرواية ولم ينشرها بعد، إلا أنه تميز في أدب الطفل شعراً ونثراً ومن أبرز ما كتب على هذا الصعيد (أدب الطفـل وفـن الكتابـة) وفي القصة (وغرد البلبل، الزهـرة الفراشـة، النملـة الغـريبـة، عصافيـر أبـو دومـة.. وغيرها) وفي شعر الأطفال: (نـدى الطفولـة، أغنيـات دافئـة). المجلة الثقافية الجزائرية حاورت هذا المبدع عبر هذه المساحة من السؤال والجواب:

حاورته: باسمة حامد

الأدب يجعل الطفل أكثر وعياً

المجلة الثقافية الجزائرية: لنبدأ حوارنا من أدب الطفولة باعتبارك من المبدعين المهتمين بهذا الاتجاه.. كيف يمكن لأدب الطفل أن يكرّس القيم الإنسانية لدى بُناة المستقبل في عصر التكنولوجيا والصراعات المسلحة وانتشار العنف؟
حسين عبروس: أدب الطفل في كل المجتمعات البشرية هو ذلك الأدب الموجه إلى فئة الصغار من أجل الرقي بمستواهم الثقافي والفكري والتربوي والجمالي، وهو ليس بالضرورة أن يكون منظمة دولية لمكافحة الإرهاب والصراعات المسلحة والعنف، إنّما هو وسيلة فنّية سحرية تستطيع أن تغير واقع الطفولة بدء من الحالة النفسية وانتهاء بالحالة الفكرية التي تجعل من الطفل أكثر وعياً لما يجري حوله في العالم المتناحر، فمهمة أدب الطفل ليست بالضرورة الوعظية، بقدر ما هي توعوية جمالية، يستمد الطفل قدرتها من النص الموجه إليه (شعراً ونثراً) الذي يتماشى مع مستواه النفسي والعمري، ومع واقعه التكنولوجي المتطوّر عبر العديد من الوسائط التواصلية، ولعل اللوحة الفنية والأغنية والمقطوعة الموسيقية والكلمات الشعرية كلها أدوات جمالية في وجه الظلم والتشويه للواقع.

الذين يتاجرون بأحلام الطفولة ما أكثرهم


 المجلة الثقافية الجزائرية: لعل الكتابة للطفل من أصعب التجارب الإبداعية، مع ذلك هناك الكثير ممن يتطفلون على أدب الطفل دون دراية كافية بعوالم الطفولة .. كيف نتلافى هذه الفجوة؟ وما دور المؤسسات الثقافية في هذه الإشكالية؟
حسين عبروس: الكتابة للطفل من أصعب التجارب الإبداعية التي لا تطالها إلا روح المبدع الموهوب، فأدب الطفل مزيج بين الإبداع والفن والعلم، وأمّا المتطفلون على هذا النوع من الكتابة فهم كثر الذين يتاجرون بأحلام الطفولة عن عمد، فمنهم من يتخذ من محطة الفراغ والقلق الذاتي مركبة كي يتجوّل في المناطق المحرّمة عليه في دنيا الكتابة، فيستسهل الكتابة للطفل، وأمّا غلق هذه الفجوة أمام فئة المتطفلين أراه من واجب كل المؤسسات الثقافية الرسمية والجمعيات أن تقف في وجه الطفيليات بعدم فسح المجال واسعا أمامهم في المنابر، وفي الندوات وفي دور النشر، وفي المواقع التواصلية، والعمل على تشجيع المواهب الحقيقة التي تثبت جدارتها في مجال الإبداع في ثقافة الطفل.

المجلة الثقافية الجزائرية: ثمة من يقول :”لن يستطيع الإبداع للأطفال إلاّ من تتغلب طفولته عليه، ويكون مثقفاً موسوعياً في كافة المجالات” .. هل تتفق مع هذه الرؤية؟
حسين عبروس: ليس بالضرورة أن تغلب سمة الطفولة على واقع الكاتب، وإنما من الطبيعي أن تظل صورة الطفل تحيا في أعاق كل كاتب، ذلك الطفل الذي يحرّك خيوط الفرح والمرح داخله، ليمنحه زخم الكتابة للصغار بكل احترافية، وبكلّ فنيّة وجمالية، أما مسلة الموسوعية فهي صفة لا تمنح لجميع الكتّاب سواء كانوا يكتبون للصغار أم يكتبون للكبار، هي طفرة تكون من نصيب عدد قليل من أصحاب القدرات المتميزة. والكتابة للطفل تتطلب الموهبة العالية والإلمام بكل ثقافة الطفل من فن وعلم وتربية.

التجربة الذاتية والإبداع


المجلة الثقافية الجزائرية: من اللافت للانتباه أن خبرتك تتنوع بين الصحافة والتدريس والكتابة الأدبية.. كيف تستثمر كل هذه التجارب لصالح مشروعك الإبداعي؟
حسين عبروس: إن الحديث عن التجربة الذاتية أمر فيه الكثير من الحرج، ورغم ذلك أقول: لقد شاءت الصدفة الجميلة بأن أكون على مسافة قريبة جداً من عالم الكتابة، وعالم الصحافة التي أراها تصنع تجربة الكاتب في شكلها التداولي في دنيا الانتشار بين القراء، وأما التدريس فهو في الأصل علم وفن وكثير من المدرسين في جميع المستويات لا يفهمونه إلا عرض بضاعة مجموعة دروس فقط أمام المتابعين من الطلبة والتلاميذ وهذه الثلاثية مرهقة للفكر وللمبدع، ورغم ذلك تبقى الكتابة هي النبع الذي لا ينضب ليمدّ المبدع الكثير من القدرة على استمرار مشروع الإبداع والكتابة، وهي من جعلتني أعبر مسافات الخطر ومساحات الجفاف أبدي من أجل تقديم الجديد والجميل في كل نص جديد.

الشعر سيظل رافضاً للدمار والظلم


المجلة الثقافية الجزائرية: قديماً كان الشعر (ديوان العرب) .. اليوم أين القصيدة؟ هل ما زالت قادرة على إحداث تغيير ما في هذا الزمن وسط ما نشهده من خراب وإرهاب وفوضى مدمرة؟
حسين عبروس: قديماً قيل:(الشعر ديوان العرب) هو كان ديوان العرب وما يزال رافد الحياة في كل الأزمنة، لأنه مورده الرّوح ،ومبعثه الموهبة، وموطنه النفس الجياشة بالحب الأمّارة بالإبداع. لذا يبقى النص الشعري أحد أهم عناصر المقاومة، وفيه تتجلى الكلمة والصورة الفنية والجمالية الرافضة للمشاهد المؤلمة وللدمار والخراب، كما يظل سداً منيعاً في وجه الظلم والظالم في أي زمن وفي أي مكان. ولعلّ خروج مجموعة (شعراء الصعاليك) عن نظام القبيلة الجائر دليل على رفض ذلك الواقع المؤلم الذي يعجّ بالقوة الغاشمة والظلم وكل أشكال العبودية.وهذا الشاعر (عروة بن الورد) يخاطب حاكم القبيلة قائلاً:

إنّي امرؤ عاني إنائي شركة // وأنت امرؤ عاني إناؤك واحد
أتهزأ منّي إن سمنت وأن ترى // بجسمي شحوب والحق جاهد
أفرّق جسمي في جسوم كثيرة // واحتسي قراح الماء والماء بارد.
المجلة الثقافية الجزائرية: أمام هذه الحالة أين يجد الشاعر ملاذه الآمن؟!
حسين عبروس: أمام هذه الحالة أرى أن الشاعر يجد ملاذه الآمن في قدرته عن التعبير عن كلّ هذه المآسي والكوارث والمظالم، وهو يقف نابض الشوق مشرق في سماء محبة الناس وطناً وتراباً، كي تستمر محبة الناس له، فالشاعر الذي لا يحمل لواء الكلمة في وجه الظلم شاعر مدجّن لا يستطيع أن يعيش في نفوس البسطاء والمحبين والمظلومين. والشعر الذي لا يعري جذور تفاصيل الصمت القاتل هو شعر يساعد على استمرار الخراب.

الشعر لا يتغذي على الألم


المجلة الثقافية الجزائرية: ما يلفت الانتباه أن الاحتلال الفرنسي و”العشرية السوداء” تركا بصمة واضحة على الشعر والشعراء في الجزائر.. هل يتغذى الشعر من الألم وينبعث من الرماد؟!
حسين عبروس: الشعر لا يتغذي على الألم والدماء عند الشعراء سواء في زمن الاحتلال الفرنسي وفي أيام العشرية السوداء التي مرت بها الجزائر، الشعر يعري تفاصيل الأحداث وينقلها بفنية صادقة مضمّخة بطيب وعطر الشهادة والشهيد، لقد خطّ عشرات الشعراء العديد من القصائد والدواوين الشعرية في الجزائر، وتغنّوا ببطولات الشهداء، ورصدوا الأحداث الأليمة ليكون النص وثيقة شاهدة على الأحداث ولنا في ذلك مثل الفدي زكريا وهو يخلّد صورة البطل أحمد زبانه. الشعر لا يبعث من الرماد بل يحوّله إلى نبض حيّ من الواقع بكل خفاياه وتفاصيله.

وقفة مع الهايكو


المجلة الثقافية الجزائرية: رغم أن النقاد يشككون في جدواه .. إلا أن كتّاب (الهايكو) يتقدمون للإمام متجاوزين حملات النقد القاسي.. هل نجح هؤلاء فعلاً بالانفتاح على الآخر عبر كتابة توقيعية أكثر خفةً؟ أم عجز المبدعون عن التناغم مع طفرة التكنولوجيا ومتطلبات عصر السرعة؟
حسين عبروس: في هذه الوقفة المرتجلة أحاول أن أدخل عالم الثقافة اليابانية من بابها المشرع. وهو (شعر الهايكو) هذا النوع الذي انتشر في أوساط العالم العربي كنوع جديد من الكتابة التي يراها البعض على أنّها فتح جديد في عالم كتابة نص شعريّ أرفع وأرقى من الشعر العربي.

تعني كلمة هايكو باليابانية أنها كلمة تشتمل على مقطعين (الهاي) وتعني (طفل) والمقطع الثاني(الكو) وتعني (الرماد).كما يعني هذا الاسم (الكلمة المضحكة).هذه الكلمة المضحكة أصبحت تغزو القصيدة العربية من خيول امرئ القيس إلى البط العائم للمعلم(ماتسووباشو). الفارق عجيب وغريب حين يستولي على الذائقة الجمالية العربية هذا النوع من الكتابة التي هي في الأصل نبات تقليديّ من الكتابة العاميّة اليومية للمجتمع الياباني. ويصبح حديث الشارع هذا نصا شعريا يفتن بعض ممن يمارسون كتابته وينصرفون عن كتابة النص الشعريّ العربي الذي تحكمه قواعد وفنون الكتابة من قافية ووزن وصورة وجماليات أخرى على أيد الرّواد من عهد الأوائل (امرئ القيس والغطارفة والمهلهل وعنترة وزهير بن أبي سلمى وعيرهم من الرواد)..هذا الفن الشعري الذي يعمّر في الكون وفي النفوس على امتداد أكثر من خمسة عشر قرناً، ليأتي نوع طفل الرماد أو الكلمة المضحكة لتحل محله في ثقافتنا العربية الجميلة. وذلك منذ ما يقرب ثلاثة قرون على ظهوره في القرن السابع عشر.
إنّني لست ضدّ هذا النوع من الكتابة،بقدر ما أنا أسعى إلى فكّ تلك الخيوط التي جعلت الشاعر العربي يتحوّل فجأة إلى هذه الكتابة دون مقدمات جمالية أو فنية، قد يرى البعض أن هذا النوع هو وسيلة مغرية، ومسلية في كتابة نص مضحك بكل بساطة مثلما كتب رواد هذا النوع في اليابان أمثال.المعلم الأول لهذا النوع من الشعر(ماتسوو باشو-و ماسا أوكاشيكي. وبوسون…)
– هذه نماذج للمعلم باشو حين يقول:
– صفصاف أخضر / تتقاطر أغصانه/ الطمي/ أثناء الجزر.
وهذا مقطع آخر لبوسون يقول:
– أصبح البناء / المجروح /وزهور الآزاليا الحمراء.
وهذا نص آخر لماسا أوكاشيكي يقول فيه:
– وبلّ في الصيف/ المطر يهطل / على رؤوس أسماك الشبوط.
هي نصوص للرواد من شعراء الهايكو ولكم الحكم في النهاية، حين ترجعون إلى النصوص الشعرية العربية قديماً وحديثاً .


المجلة الثقافية الجزائرية: ما نلاحظه أن قصيدة (الهايكو) تستقطب شرائح واسعة من الشباب الذين عاشوا إحباطات ما يسمى (الربيع العربي).. ما السبب برأيك؟
حسين عبروس: لعلّ الكثير ممن يكتبون الهايكو من الشباب في الجزائر وفي الوطن العربي لم يعدّوا عدتهم الفنية الكبير ثقافة ومعرفة ودراسة في دخول علم الإبداع الشعري ولذا نجدهم يدخلونه بنفسية محطّمة وموهبة مغشوشة وثقافة خليط من التجارب من أجل التعبير عن ذلك الكبت الذي يعيشونه، وتلك الحالة السلبية الذي يرونها أنها توصلهم إلى العالمية في كل ما يكتبون. وتختلف كتاباتهم وفق مستوياتهم الثقافية والتجربة التي يمتلكها كل شاعر ليقدم للقارئ نصاً يراه يناسب موضة العصر حتى في شكله الهايكاوي، في زمن العولمة .

أنا أكتب الرواية فعلاً

 المجلة الثقافية الجزائرية: كما تعلم هناك الكثير من الروائيين المعروفين أتوا إلى عالم الرواية من عالم الشعر.. هل نتوقع أن يكتب حسين عبروس رواية يوماً ما؟
حسين عبروس: الكثير من الروائيين جاءوا إلى الرواية من بوابة القصيدة الشعرية، وللأسف لم يحدث العكس، وأنا وحد من فئة الشعراء الذين يكتبون الشعر والنثر معاً، وذلك أمر طبيعي إن قلت لك: بأنّني أكتب الرواية فعلاً ولي تجربة ثلاثة أعمال مخطوطة، ولم أعلن عنها ولم أنشرها لعلّ الأيام القادمة من العمر تأخذ موقعها بين أيدي القرّاء.

المجلة الثقافية الجزائرية: كيف يقرأ الشاعر حسين عبروس إبداعات زملائه داخل الجزائر وخارجها؟
حسين عبروس: أنا قارئ ماهر لكل جميل في جميع مجالات الإبداع ، ولكن إذا تعلق الأمر بالقراءة النقدية فلا أعرف المحاباة،كما لا أعرف المعاداة ولقد سعدت بنصوص جميلة شعرية وروائية وقصصية لأصحابها في الجزائر وفي الوطن العربي.لكن للأسف الوسائط والمواقع الإلكترونية أصبحت تفرخ كل يوم فلا يجزم المرء بقراءة كل ما ينشره العالم التواصلي الرهيب.

لي أحلام كثيرة ترفرف في سمائي

 المجلة الثقافية الجزائرية: لكل مبدع حلمه بالتأكيد.. بماذا تحلم؟
حسين عبروس: لي أحلام كثيرة ترفرف في سمائي أحلم أن يتعافي جميع الناس من هذا الوباء الذي يجتاح الجزائر والعالم، وأحلم أن يتعافي الناس من جهلهم، وأحلم أن يمدني الله من العمر كي أكتب المزيد من الأعمال الإبداعية وأن تجد طريقا إلى القارئ المبدع. وأحلم أن أرى الجزائر تنهض من مواقع ركودها على أيدي بعض الذين يخططون لتدميرها من الداخل قبل الخارج. أحلم أن يحفظ الله أسرتي والناس من حولي في هذا الوطن الحبيب.

المجلة الثقافية الجزائرية: كلمة أخيرة في ختام هذا الحوار..
حسين عبروس: شكرا لكم ولمجلة الثقافة الجزائرية على هذا الهمس الحواري الجميل الثري في عالم تجربتي المتواضعة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق