ثقافة المقال

رؤية إنسانية

الدكتور صالح الطائي

برأيي أنه متى ما طغى الشعور بوحدة الإنسانية على شعور اختلاف العرق واللسان والمكان والمعتقد واللون وجميع الفوارق الأخرى سوف تتحقق السعادة الافتراضية التي سعى إليها البشر عبر العصور، وحلموا بها، ولكنهم لم ينجحوا في تحقيقها، إذ لا خوف يُبنى على هذا السعي، فهو شعور لا يجرد ـ مثلما يرى البعض ـ المجاميع البشرية من خصوصيتها وقيمتها التاريخية والتراثية التي هي بالأساس أيقونة هذا الاجتماع الفكري المحض، بقدر كونه محاولة لتسطيح المشاكل والتعقيدات، ليتمكن الإنسان من السير نحو هدفه السامي دون أن يعترضه ما يعيق تحركه، فالشعور بالمشترك الوحدوي هو الذي يضمن الاطمئنان، ويعطي للإنسان قيمته الحقيقية التي حاولت بعض الفلسفات التلاعب بها في اعتقادها بأن الفرد ليس شيئا بالنسبة لقيمة العالم والزمن الذي ينقضي، فعلى خلاف ذلك أعلن الإنسانيون العقائديون الوحدويون من خلال سعيهم ترسيخ القيمة العليا للإنسان أن في جزئيات اعتقادهم الراسخ أن الإنسان ليس مجرد جرم صغير، وليس شيئا لا يذكر في هذا الكون، ففيه انطوى العالم الأكبر كله.
إن وحدة الوجود لا تتحقق إلا بوحدة الإنسان؛ لا مع ذاته فحسب بل مع الإنسانية كلها، دون مانع من دين أو معتقد أو لون أو لغة أو أصل، فهذه كلها تُشكِّل المرج الإنساني الزاهي، مثلما تُشكِّل الزهور بألوانها وعطورها وأحجامها وأشكالها روضا غناءً يبعث البهجة في النفوس، ولا أجمل من روض تتعدد فيه ألوان وأشكال وأحجام وروائح الزهور.
لقد أتيح لي بحكم تخصصي أن أتابع مضامين ومحتويات وعقائد الأديان كلها بما فيها الأديان غير الرسالة كالطاوية والشنتونية والكونفوشيوسية والبوذية فوجدت المشترك الإنساني فيها ظاهرا بينا واضحا، مع أني وجدت اختلافا في الرؤى والمعتقدات وقوانين فيزياء الحياة؛ جاء نتيجة التطبيق لا التأصيل، وهذا يعني أن ما نراه مغايرا في هذا الدين أو ذاك لغيره إنما هو بفعل المتدينين أنفسهم لا بفعل دياناتهم، وهذا سببه مثلما اتضح لي ناتج اجتهاد شخصي من قيمين نصبَّوا أنفسهم في موضع الإفتاء، أو نصبهم من يأمل أن يحصل منهم على منفعة دنيا أو دعم وجاهة، ولو تركت الأمور على عواهنها لتغير الأمر نحو الأحسن.
غير هذا وجدت الرأسمالية والشيوعية والنظريات الفلسفية والرؤى الفكرية تكاد لا تخلوا من نفس إنساني؛ إذا لم تكن إنسانية بالكامل، فمنهجها الذي يختص ببعض الناس دون غيرهم أنما هو يراهن على الجزئية أملا بالوصول إلى الكلية، وبالتالي لا يمكن عزل هذه الجزئية أو عدها عدوة للإنسانية.
قد لا اتفق، بل أخالف الذين يدعون إلى تأسيس (الديانة الإبراهيمية)، ويروجون لفكرة الدين المشترك لسبب ليس بسيطا وهو أن ذلك يُفقد الرؤى الدينية جمال طيفها القوس قزحي المتألق الذي يمثل هوية مشتركة، ولكني لا أعترض أبدا على من يدعو إلى تأسيس (الإنسانية المشتركة) ويروج لفكرة الإنسان المشترك، فالكون لا يعمر ولا يستمر إلا متى ما أدركت الإنسانية المشتركات التي تربط الأمريكي بمن يسكن في غابات الأمازون المطيرة المجهولة، والإنسانية لا تتحرر إلا متى ما أدرك الأوربي أنه شريك للقبائل البدائية التي تعيش في مجاهل أفريقيا، والإنسانية لا تأمن يومها إلا إذا ما شعر كل صاحب دين بأنه أخ لكل فرد في كل الأديان الأخرى، وشعر كل فرد في كل تلك الأديان الأخرى بأنه أخ له، فنحن من أصل واحد، وهذا ما لا ينكره أحد.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق