ثقافة السرد

إشارة وداع

بقلم محمد عبدالغني عمارة

  منذ أن أشرقت شمس ميلاده اعتاد والده أن يحمله على كتفيه بكل فرح ومرح وسعادة، حتى أن بلغَ السابعة واشتد عوده، كان يرافقه في معظم خطواته، يرى فيه أمله ومستقبله وفرحة عمره، كبر وتخرج… تزوج في أبهى عرس شهد به الجميع، انتقل من حماية ورعاية الأب إلى سيطرة ونفوذ الزوجة التي استطاعت أن تملك جل أموره، حتى وضعت حدود وفواصل بينه وبين والديه، تباعدت فترات الزيارة بينهم، وقلب الأب يئن ويحتسي مرارة الألم، وفي عصرِ أحد الأيام علا صوتُ رنين الهاتف، أحمد مريض ويشكو من سعال حاد، ذهب الوالد مسرعا وبكل لهفةِ تمتزج بالقلق على ولده، دخلَ الوالد عليه وإذ بالطبيب يتلو عدة تحذيرات وإرشادات، الوالد .. دكتور .. دكتور!! ولدي ما به!؟ الدكتور .. لقد تملك منه الفيروس اللعين مما أدى إلى التهاب رئوي حاد ويحتاج لعزل وعناية شديدة، هنا أخذت الزوجة أبنائها وذهبت لبيت أهلها، وقرر الوالد ألا يفارق ولده برهة واحدة رغم أي شيء، اكتفت الزوجة أن تأتي بين الحين والحين للاطمئنان من على باب الشقة دون الدخول، والوالد عيناه لا تغفل لحظة واحدة عن ولده، استجمع الوالد كل قواه لرعاية ولده رغم خطورة الوضع والوباء عليه من سهولة العدوى، كان الوالد يجتهد وبكل حرص أن يتبع الإرشادات مرت الأيام والليالي وبدأت الأزمة في الزوال، بدأ يتعافى الابن ويسترد صحته، إلا أن الأب ليس بيديه أن يمنع العدوى أو يتجنبها، تعافى الولد ومرض الوالد، علمت زوجة الابن بمستجدات الأمور، هنا أمرت زوجها بإيداع والده بالمشفى وألا يتركه بالمنزل خوفا عليها وعلى أولادها، للأسف لبى الابن رغبتها رغم كل عطاء وتضحيه من والده، تدهورت صحة الأب وكانت أهم الأسباب العامل النفسي وحسرته على ما جرى به، تم حجز الأب داخل عزل صحي واقتصر تواصل ولده معه من خلال الرؤية عبر حاجز زجاجي، لم يتجرأ الابن كما فعل الأب معه بأن يقترب منه أو يأخذه في كنفه وحنانه ، وفي عصر يشبه ذاك العصر لكن اختلفت هنا النتيجة والمآل، اتصال مفاجئ للابن، أسرع من فضلك والدك يحتضر وأراد أن يراك، ذهب الابن إلى المشفى وكعادته لم يتجرأ أو يحن قلبه أن يتعدى الحاجز الزجاجي، ارتفع زراع الوالد بإشارة الوداع وعيناه تسدل ستارها الأخير مع سيل من دموع قلب مفجوع، الأب حب وعطاء بلا مقابل، والنفوس الضعيفة تلعبُ بها الأهواء وحب الذات والأنانية . لكن كما تدين تدان فلا تترك للنفسِ هواها للعنان.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق