ثقافة المقال

تيار الحداثة / فكر معاد لهويتنا ..!!

الأستاذ محرز شلبي

**الحداثة فكرة ضد الدين، وضد التراث، وضد القديم، وأنها تحرر مطلق من القيود الضابطة من دين أو خلق أو حتى عرف اجتماعي قبلته الأذواق السليمة، هذه صورة مقارنة وجيزة.**

نحن أمام مصطلح موهم غاية الإيهام، فبينما نحسب أنه يحمل معنى أصيلا، وفكرا ذاتيا، إذا به عند التحقيق نجده فكرا مستعارا مستوردا, ليس لدعاته في بلادنا إلا النقل من لغته إلى العربية.
وبينما نحسبه قضية ذات شأن عظيم إذا به فكر شائه وغثاء فارغ، بل وخطر داهم.
الحداثة يحيط بمعناها غشاء كثيف يحجب الرؤية، ويشتت الذهن، فإذا ما بدا من معناه شيء شعر المرء بالغثيان والصدود، وهكذا الباطل ظلمات بعضها فوق بعض، بينما الحق نور يتلألأ.

** سبق وأن عرفنا الحداثة لغة واصطلاحا ..
باختصار للتذكير ، في معاجم اللغة العربية في مادة (حدث) نرى أن الحديث: نقيض القديم، والحديث: الخبر يأتي على القليل والكثير، ويجمع على أحاديث على غير قياس. والحدوث: كون الشيء بعد أن لم يكن…
واستحدثت خبراً: أي وجدت خبرا جديدا، وتقول: افعل هذا الأمر بحدثانه وبحداثته أي: في أوله وطراوته.
وعند تعريف الحداثة اصطلاحا نجد أننا أمام كم هائل من التعريفات، وتعريفها بلسان أصحابها يحوطه الغموض واللبس والاضطراب، وللحداثة تعريفات عند أهلها الأصليين التي نشأ المصطلح بينهم وفي بيئتهم، وله تعريفات عند دعاتها الذين هم أبواق الغرب في بلادنا، وكذلك عرفها الرافضون لها من المسلمين وغيرهم.
فعلى صعيد اللسان الغربي نجد أن الحداثة عند أهل الغرب تعني: “تجسد صورة نسق اجتماعي متكامل، وملامح نسق صناعي منظم وآمن وكلاهما يقوم على أساس العقلانية في مختلف المستويات والاتجاهات”.
** وما رأي الحداثيين العرب ؟
– الحداثة عند أدونيس في كتابه الثابت والتحول: “هي الصراع بين النظام القائم على السلفية، والرغبة العاملة لتغيير هذا النظام”(01)، ثم يذكر في ذات الكتاب أنه “لا يمكن أن تنهض الحياة العربية، ويبدع الإنسان العربي إذا لم تنهدم البنية التقليدية السائدة للفكر العربي، ويتخلص من المبنى الديني التقليدي الاتباعي”.(02)
– جابر عصفور يرى أن الحداثة: “البحث المستمر للتعريف على أسرار الكون من خلال التعمق في اكتشاف الطبيعة والسيطرة عليها وتطوير المعرفة بها، ومن ثم الارتقاء الدائم بموضع الإنسان من الأرض، أما سياسيا واجتماعيا فالحداثة تعني الصياغة المتجددة للمبادئ والأنظمة التي تنتقل بعلاقات المجتمع من مستوى الضرورة إلى الحرية، من الاستغلال إلى العدالة، ومن التبعية إلى الاستقلال و ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن سطوة القبيلة أو العائلة أو الطائفة إلى الدولة الحديثة ومن الدولة التسلطية إلى الديمقراطية ( تعني الحداثة الإبداع الذي هو نقيض الإتباع، والعقل الذي هو نقيض النقل”.(03)
– أما ناصيف يرى أن الحداثة “هي حالة خروج من التقاليد وحالة تجديد، وتتحدد الحداثة في هذا المعنى بعلاقتها التناقضية مع ما يسمى بالتقليد أو التراث أو الماضي(04) ..
إذ يقول أن لحداثة هي حالة ولادة جديدة لعالم يحكمه العقل، وتسوده العقلانية، وبعبارة أخرى الحداثة وضعية اجتماعية وحضارية تجعل من العقل والعقلانية المبدأ الأساس الذي يعتمد في مجال الحياة الشخصية والاجتماعية، وهذا يقتضي وجود حالة رفض لجميع العقائد والتصورات وأشكال التنظيم الاجتماعي التي لا تستند إلى أسس عقلية أو علمية.( 05)
– أبو أديب الحداثة عنده هي: “وعي الزمن بوصفه حركة تغيير… والحداثة اختراق لهذا السلام مع النفس ومع العالم، وطرح للأسئلة القلقة التي لا تطمح إلى الحصول على إجابات نهائية، بقدر ما يفتنها قلق التساؤل وحمى البحث، والحداثة جرثومة الاكتناه الدائب القلق المتوتر، إنها حمى الانفتاح”.(06)
** هل هناك علاقة بين تلك التعريفات !؟
بأدنى تأمل ونظر في التعريفات السابقة وما سبقها من تعريفات الغربيين للحداثة يدرك الناظر الاتفاق شبه الكامل في معنى الحداثة بين الفريقين وإن كانت عبارة أرباب الحداثة في بلادنا أشد جرأة وتبجحا وضلالا، وكلا الفريقين يقرر أن الحداثة فكرة ضد الدين، وضد التراث، وضد القديم، وأنها تحرر مطلق من القيود الضابطة من دين أو خلق أو حتى عرف اجتماعي قبلته الأذواق السليمة، هذه صورة مقارنة وجيزة.
** خلاصة الكلام ..
عرفنا مصدر الحداثة التي يتشدق بها دعاتها في بلادنا، إنها الفلسفة والتصورات الغربية التي نشأت في أجواء مخالفة تماما لأجوائنا الإسلامية، وفي ظروف ولأسباب تخالف ظروفنا وأحوالنا كأمة مسلمة تملك تصورات ربانية عن الكون والحياة، ومن هنا فنحن أمام فكرة لقيطة، ونظرية غربية ملحدة غاية الجدة فيها أنها مترجمة لبست ثوبا عربيا أو حاولت.
تلك هي الحقيقة الأولية التي تم إبرازها دون تعسف أو تقول على أحد، ويبدو أن هذه الحقيقة ظهرت جليا في ثنايا هذا المقال الوجيز عن الحداثة .
ــــــــــــــــــــــــــ
** المراجع :
– 01/ الحداثة في ميزان الإسلام د/ عوض القرني- ص8 – ط أولى – دار الأندلس الخضراء – السعودية – نقلا عن الثابت والمتحول لأدونيس.
– 02/ تقويم نظرية الحداثة – ص 35 – نقلا عن مجلة الحرس الوطني – محمد مصطفى هدارة.
– 03/ مقاربة بين مفهوم الحداثة وما بعد الحداثة ص 3.
– 04/ السابق ص .3.
– 05/ السابق ص 15, 16.
– 06/ تقويم نظرية الحداثة د/ النحوي ص (38) نقلا عن مجلة فصول ص (35)- عدد (3)- سنة 1984 م – المجلد (4(

([13]) مقاربة بين مفهوم الحداثة وما بعد الحداثة ص 3.
([14]) السابق ص .3.
([15]) السابق ص 8.
([16]) السابق ص 15, 16.
([17]) تقويم نظرية الحداثة د/ النحوي ص (38) نقلا عن مجلة فصول ص (35)- عدد (3)- سنة 1984 م – المجلد (4).
([18]) السابق ص 39.
1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “تيار الحداثة / فكر معاد لهويتنا ..!!”

  1. الحداثة مصطلح غربي يريد محو هويتنا وتاريخنا اصالتنا من اساسها فعلينا بالتمسك باصولنا اولا ثوابتنا مهاما كانت هاته الخداثة

  2. ااحداثة هي مسخ هويتنا وتاريخنا واصالتنا من اصلها فلهذا علينا التمسك بهاته الاصالة والتاريخ والهوية وكل الثوابت حتي تترسخ فينا وفي ابنائنا

اترك رداً على Roh ilkods إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق