قراءات ودراسات

“باربيكيا” رواية وسيرة

بقلم: السيد نجم

قليلة هي الروايات ذات المؤلف المشترك أو المتعدد، والاكثر ندرة أن يكون الكاتب المتعدد هذا (كاتب وكاتبة)، وربما الأكثر ندرة كون الكاتبين زوجين في الواقع وفي أحداث النص، وﺇن كانت تلك التقدمة غير فنية، ﺇلا أنها قد تهم القاريء وتبرر الكثير من التساؤلات أثناء القراءة!

ذلك هو الملمح المباشر والسريع مع الاطلاع على غلاف رواية (باربيكيا) وقبل الولوج الى متن النص، تلك التي نشرت مؤخرا للكاتبين الزوجين “د.عطيات أبوالعينين” و”د.صلاح معاطى”.

الاطلاع السريع على منجازاتهما الأدبية يشي بانتمائهما للثقافة والابداع في مجال الممارسة العملية والعمل، حيث نشر كل منهما العديد من الكتابات في الدوريات والصحف، وفي كتب مجموعات قصص وروايات، وﺇن كان د.صلاح معاطى ﺇهتم أكثر بقص الخيال العلمى وله فيه أكثر من مسرحية ومن رواية ومجموعة قصص.. كما وﺇن الكاتبين من أعلام الاعلام المسموع بمصر.

لم نبتعد بتلك الكلمات عن جوهر الخصائص الفنية للرواية، بل هي نقاط تمهيدية سوف نعود ﺇليها لبيان وتفسير بعض الخصائص الأدبية الفنية.

فور اﻹنتهاء من قراءة الرواية يجد القاريء نفسه أمام ظاهرتين لافتتين:

الظاهرة الأولى.. اشتراك كاتبان في صياغة الرواية.. يجدر اﻹشارة ﺇلى ندرة تلك الظاهرة الأدبية، مع الاقرار بتواجدها بين الحين والآخر، ولعلني أتذكر رواية كتبها الكاتب المصرى (ابراهيم جاد الله) مع الكاتبة العراقية (كلشان البياتى) حول بعض الأحداث أثناء وبعد الغزو الأمريكى للعراق، وحيث تم ﺇعتقال الصحفية الكاتبة “كلشان”.. وهو ما شكل متن الرواية على شكل رسائل متبادلة بينهما.

في المقابل بدت رواية “بارابيكيا” على شكل متوالية، لفصول متتابعة يكمل كل منها السابق عليه، فصل بقلم الشخصية النسائية والفصل التالي للشخصية الذكورية.. أو ربما اختصارا نرصد تلك الحالة من الحب الشفيف الذي يزداد يوما بعد يوم، أو فصلا بعد فصل حتى تمام الزواج في الخاتمة.

تميز ذلك التناول أن أسقط الملل الذي قد يصيب القاريء أحيانا، نظرا لتنوع وجهات النظر للموقف الواحد، وشكل التناول ومجمل الأفكار التي قد تبدو متنافرة أو متناقضة أو متصارعة أحيانا بين الشابين اللذين يبحثان عن ذواتهما في تلك السن المبكرة.. حيث كانت “تيتى” تبذل الجهد للمشاركة في المسرحية التي يشرف عليها قصر ثقافة بورسعيد، وحيث تتعمد غض البصر عن “صلاح” الذي تعلق بها ويسعى بدوره لتحقيق ذاتة.. وهو ما جعله يقبل العمل في مجال أقل من اهتماماته وقدراته، كي يتمكن من التقدم للزواج من حبيبته، حتى تحقق له الفوز بالعمل بالاذاعة المصرية، ثم التجقت “تيتى” بعده بالعمل هناك هي الأخرى.

الظاهرة الثانية.. النص هو رواية سيرية أو سيرة روائية.. لن يخطيء القارىء منذ اللخظة الأولى أن يقرا للكاتب والكاتبة اللذان يعملان معا، ويقابلهما فى الندوات معا.. ليس لتشابه الاسماء مع النص، بل للصياغة المتعمدة من كليهما أنهما هما من تتعاملون معهما في الندوات.

فقد قدم الكاتب (صلاح معاطى) مفردات اهتماماته وعناصر شكلت وجدانه وفكرة وتواجده في الحياة الأدبية .. كما قدمت (عطيات ابوالعينين- أو تيتى) نتف من ملامح أسرتها وطبيعة علاقتها بهم وبتجربة من أهم التجارب التي عاشتها منطقة قناة السويس (تجربة التهجير) بعد أحداث عام نكسة 1967م.

ﺇذا كانت الرواية السيرية أو السيرة الروائية عرفت على استحياء ودون تخصيص لسمة السيرة الروائية ببعض السير القديمة التي منها (سيرة الأمير عبدالله بلقين 483هجرية- وهى ضمن الأنماط السياسية حيث تناولت الأحداث الهامة في بلاد الأندلس).

كما عرفها الادب العالمى، فى رواية (الطفولة) ورواية (الشباب) للكاتب الروسى ليو تلستوى عن طفولته وشبابه.. مع كتب أخرى هامة مثل (كفاحى) لهتلر، و”قصة تجربتى مع الحقيقة” للمهاتما غاندى.

بينما عرفت الاداب العربية المعاصرة كتاب (الأيام لطه حسين- حياتي لأحمد أمين- الخبز الحافي لمحمد شكرى.. وغيرهم)

ﺇذن يبدو اقتحام كل من الكاتبين للكتابة على هذا النمط يضيف لهما منجزا أدبيا، كونه من الانماط غير كثير التداول، بل يصل الامر ﺇلى حد الندرة في الجيل الواحد.. مما يدعنا نقول (يعتبر النص ﺇضافة للكاتبين وللرواية).. ذلك النمط الذي يمكن ﺇجماله في عدد من المبررات الفنية:

.. التناول المباشر الصادق والمتفاعل مع الذات والواقع الخارجى.. وهو ما تمثل في جملة التفاعلات بين الشخصيتين المحورين والذوات الشخصية ونزواتها أحيانا ، وبينها والواقع الخارجى من جملة أحداث المجتمع.

.. أبرزت “تيتى” تجربتها مع الهجرة من منطقة القناة، وقامت بتصوير الحالة النفسية والجسدية والعامة لها ولكل من تتعامل معهم.. وهي من الروايات القليلة التي تناولت هذا الجانب من التجربة الحربية المصرية.

.. كما أبرز “صلاح” بعض العناصر التي شكلته فكريا وأدبيا، وكيف تعرف على أعلام الأدب في تلك الفترة (فترة شرخ شبابه) يحيي حقي ونجيب محفوظ ونهاد الشريف، والأخير كان له عليه أكبر الأثر حتى أصبح من أهم كتاب أدب الخيال العلمي في جيلة.

وقد يبدو من المناسب البحث في النص عن تلك الملامح التي شكلته كرواية سيرية أو سيرة روائية.. ومنها (استخدام ضمير المتكلم، وهو ما مارسه الكاتبين مباشرة ودون مواربة- محاولة اكتشاف الذات أو محاكمتها .. وهو أيضا ما تبدى جليا في عدة مواضع بالنص/ كما في تساؤل (تيتى) عندما تقدم ﺇليها (صلاح) يعرض عليها حبه، فكان الرد هو أنها تعامل كما الأخ .. ثم تعود وتتساءل: (هل يمكن للذكر أو الأنثى أن يحب ﺇثنين في جوفه؟!).. بدت الرواية السيرية كاشفة للأغوار النفسية للشخصية، وهكذا بدت شخصتي (باربيكيا)

النص من الأعمال المعاصرة الهامة في تاريخ الأدبيات مع بدايات القرن الواحد والعشرين، نظرا لقلة من تناول الشكل والمضمون داخل النص (باربيكيا)

************

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على ““باربيكيا” رواية وسيرة”

  1. كل الشكر والتقدير للكاتب والناقد الكبير د. السيد نجم على دراسته القيمة لروايتنا باربيكيا وتمنياتي له بدوام الإبداع..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق