قراءات ودراسات

“مجالس القُرَّاء الصيِّيتة(الصورة المصرية): عرض ونقد”

د. نادي حسن شحاتة

أوَّلًا: ملخَّص البحث
تنتشر في العالم العربي عامة، ومصر خاصة، مجالس تُعرف باسم”مجالس القُرَّاء الصيِّيتة”، وفيها يجلس قارئ القُرآن في مجلسٍ ما، ويلتفُّ الناس مِن حوله مستمعين مُنصتين، وتُقام هذه المجالس –غالبًا- في ظروف مخصوصة، وبطريقة محدَّدة، مع وجهٍ مميَّز من أشكال التلقِّي الجمعي.
و”الصَّيِّيت” من “الصَّيْت” و”الصَّوت” معًا. فالصَّيْت أو الشُّهرة سِمة تَغْلب على قُارئ تلك المحافل، أما الصَّوْت فيُعدُّ أهَمَّ المحاور التي يعتمد عليها القارئ في توصيل القرآن إلى الحاضرين والمستمعين.وقد بدأت هذه المجالس -منذ نشأتها – في المساجد، وتمدَّدت فانتشـرت خارجها انتشارًا كبيرًا.
وإشكالية هذا البحث تكمُن في استقراء قيمة هذه المجالس عبر العصور، ومحاولة إجابة السؤال الآتي:
هل كانت هذه المجالس عبئًا ثقافيًّا على المجتمعات التي نشأت فيها أم لا؟
وقد قام الباحث – لاستقراء هذه القيمة – بتتبع هذه الظاهرة تتبعًا تاريخيًّا وواقعيًّا، ليُحدِّد أهم مفرداتها، وعناصرها، ويستقري حقولها اللفظية، ويُبيِّن الدور الثقافي الذي قامت به عبر العصور المختلفة.
ومن هنا كانت أهم محاور البحث ما يلي:
– تعريف هذه المجالس، وبيان أهم مفرداتها.
– توضيح أهم المحاور في أداء القرَّاء الصيِّيتة، وخاصة المحور النقلي (العلم والحفظ والفقه)، والمحور الصوتي التطريبي.
– بيان موقف مجالس الصَّيِّيتة من التعليم.
– الوقوف أمام الحقول اللفظية بالتأمل والفحص والاستقراء.
هذا، وقد اعتمد الباحث في هذه الورقة مصدرين أساسين هما: حضور بعض تلك المجالس، والثاني مشاهدة بعض هذه المجالس على الشبكة العالمية(الإنترنت).
وقد وصل البحث إلى أنَّ مدرسة “القُرَّاء الصيِّيتة” مرَّت بتطورات متعدِّدة، فوصلت إلى صورتها المكتملة في بدايات القرن الرابع عشر الهجري (العشـرين الميلادي). وقامت هذه المدرسة بدور فاعل ومؤثِّر في خدمة القرآن الكريم وعلومه المختلفة، كعلم التجويد ، وعلم القراءات، وعلم النحو.
كما مارست هذه المجالس دورًا ثقافيًّا إعلاميًّا من أعلى الأدوار التي يمكن أن يقوم بها نشاط ثقافي في مجتمع المسلمين، بل إنَّها نافست وقاومت – بكل قوة- نشاطًا هدَّامًا في كثير من صوره، ذلك النشاط هو “الغناء”.

ثانيًا: البحث

“مجالس القُرَّاء الصيِّيتة(الصورة المصرية): عرض ونقد”
د.نادي حسن شحاتة

تمهيد:
تنتشر في بعض بقاع العالم الإسلامي مجالس قرآنية تُعرف شَعبيًّا بـاسم “مجالس الصَّيِّيتة”، وإن كانت بذور هذه المجالس جاءت من بيئات مُتعدِّدة، فإن مصـر تُعَدُّ البيئة الخصبة لنُموِّها، وليس مِن المُغالاة إذا قلنا: إنَّ هذه المجالس كانت في القرن الرابع عشـر الهجري “مِصـرية الصُّنع”، فما قصة هذه المجالس؟ وهل كانت مطلبًا عصريًّا فاعلاً أم كانت عِبئًا على عصورها الثقافية؟ وهذان السؤالان هما مشكلة هذا البحث.
وأمَّا هدف البحث فهو محاولة بيان مُفردات هذه المجالس ومحاورها الأساسية، ثم توضيح الدَّور التعليمي الذي قامت به عبر تاريخها الطويل. ولتحقيق هذا الهدف كان علينا أن نبحث في العناصر الآتية:
أولاً: مجالس الصَّيِّيتة: تعريفها، ومفرداتها، وأهم أعلامها في القرن الرابع عشر الهجري.
ثانيًا: محاور الأداء في مجالس الصيِّيتة:
ـ المحور النقلي (العلم والحفظ والفقه).
ـ المحور الصوتي التطريبي.
ثالثًا: دور مجالس الصَّيِّيتة في التعليم.
رابعًا: التلقِّي في مجالس الصيِّيتة: الحقول اللفظية.
خاتمة: أهم نتائج البحث.
هذا، وقد اعتمدت في الجانب التطبيقي على مصدرين: الأول حضور بعض هذه المجالس ورصد مظاهرها المختلفة، والثاني: التسجيلات الصوتية في الفترة من منتصف القرن الرابع عشر الهجري إلى الآن، وذلك في إذاعة القرآن الكريم من القاهرة، وبعض التسجيلات المشهورة التي تنتشـر في بعض الإذاعات العربية. بالإضافة إلى بعض التسجيلات الصوتية النادرة التي أحتفظ ببعضها، أو التسجيلات المُصوَّرة على الشبكة الإلكترونية (الإنترنت) في موقع (youtube.com/watch) أو موقع الشبكة الإسلامية audio.islmweb.net))،وهذه التسجيلات هي المظهر الوحيد الذي يمكن وصفه ودراسته، وعليها يُقاس – في رأي الباحث – موقف القرون السابقة.

أولاً : مجالس الصَّيِّيتة : تعريفها، ومفرداتها، وأهم أعلامها في القرن الرابع عشر الهجري
نقصد بمجالس الصيِّيتة تلك المجالس والمناسبات التي يُتلى فيها القرآن الكريم بطريقة مُحدَّدة يُطلق عليها “التَّحْقيق “، وهذه الطريقة معروفة إعلاميًّا وشعبيًّا باسم “التجويد، أو التلاوة المُجَوَّدة، أو التحكيم”، و “الصَّيِّيت” هو قارئ القرآن في هذه المجالس والمناسبات.
جاءت كلمة “الصَّيِّيت” من “الصَّيْت” و”الصوت” معًا، فالصَّيْت أو الشُّهرة سِمة تَغْلب على قُارئ تلك المحافل؛ حيثُ يُعرف ويَنْتشر ذكرُه بين الناس. أما الصَّوْت فيُعدُّ أهَمَّ المحاور التي يعتمدها القارئ في توصيل القرآن إلى الحاضرين والمستمعين، لاسيَّما الصوت الجميل العذب. و”الصَّيِّيتة” ينتشرون في كل بقاع البيئة المصرية، في المدن والقُرى، وفي المدينة الواحدة أو القرية الواحدة قد تجدُ أكثر من صيِّيتٍ يرتفع صوته بجلال القرآن وجماله.
والباحث يُؤثر أن يَستخدم طريقةَ الأداء في هذه المجالس باسمها المعروف عند العلماء وهو تلاوة “التَّحْقيق”؛ حتَّى لا تختلف المُصطلحات بين القديم والحديث، ويكون التجويد اسمًا جامعًا لأشكال التلاوات التي تلتزم بآداب التلاوة وقواعدها المقررة ، ويُصبح الفرق بين تلك الطرق من ناحية درجة التجويد، وليس من ناحية وجُود التجويد أو فقده.
وتلاوة “التحقيق” في مجالس الصيِّيتة هي التي يأخذ فيها القارئ نَفَسًا طويلاً بين كُلِّ أداءٍ صوتيٍّ (عدَّةِ آياتٍ أو آيةٍ أو جزءٍ من آية)، ثم يتلو على مَهَل وتريُّث، وهذه الطريقة تتميز عن تلاوة “التدوير” وتلاوة “الحَدْر”، وذلك من عدَّة جوانب كما يلي:
ـ زمن الأداء: حيثُ تستغرق تلاوة الآية مُدَّة زمانيَّة أطول مِن طرق الأداء الأخرى.
ـ تطبيق كُلِّ أحكام التلاوة الواجبة والمُمْكنة: فإذا كانت طريقة “الحَدْر” أسرع الأنواع ٍالثلاثة، وهي تُراعي أحكام التلاوة، وإخراج كلَّ حرف من مخارجه، مع مراعاة إقامة الإعراب وتقويم اللفظ؛ فإن “التحقيق” يختلف عن “الحَدْر” في صورة الأداء مِن حيثُ إعطاء كل حرفٍ حقَّه من إشباع المدِّ، وتحقيق الهمز، وإتمام الحركات، وبيان الحروف وتفكيكها وإخراج بعضها من بعض بالسَّكْت والترتيل والتُّؤدة، وملاحظة الجائز من الوقوف، بلا قصر ولا اختلاس ولا إسكان…”.
ـ تداخُل القراءات: حيثُ تعتمد كثيرٌ من هذه المجالس على الرجوع إلى القراءات المعروفة في تلاوة القرآن الكريم، وعُمْدة هذه التلاوات – من خلال التسجيلات – قراءةُ عاصم بن أبي النجود، فبها يبدأُ القارئ مجلسَه، ثم يُعرِّج بعد ذلك على القراءات الأُخرى في أثناء التلاوة.
ـ جماليات القراءة المُمكنة التي تَزِين النصَّ (التطريب خاصة): ويَعني التطريب التنغيم أو الترنُّم أو التَّغَنِّي، فإن كان التنغيم موجودًا مثلًا في تسجيلات المُصحف المُرتَّل (التدوير أو الحَدْر)، فإنَّ درجة هذا التنغيم في تلاوات الصيِّيتة تكون أضعافًا مضاعفة، ويُحقِّق ذلك التضاعف الملامح الثلاثة السابقة.
ومَن يَقرأ وصف القدماء لطريقة التلاوة ـ كما سنُوضِّح بعد قليل ـ لا يمكن له أن يُنكِر طريقة “الصَّيِّيتة” في الأداء، مِن حيث اعتمادها على جمال الصوت، والتَّمَهُّل، والتوقُّف، وأخذ النَّفَس العميق وما يلي ذلك مِن التدبُّر، والتأمل، والتفاعل النفسي واللساني مع التلاوة. وهذا ما يُؤكِّده أحد الباحثين الكبار المُعاصرين المُهتمِّين بالدراسات الصوتية واللغوية، حين يَصف طريقة “التحقيق” في التلاوة من عهد النبي ـ صلَّى الله عليه وسلم ـ ثُمَّ يُقارن بينها وبين ما عليه طريقة الصَّيِّيتة في عصـرنا، فيقول: “تلك هي الطريقة الأولى (يَقْصد التحقيق) من طريق القراءة، وهي ـ إنْ صحَّت أوصافُها ـ تدعونا إلى أن نتأمَّل طريقة القُرَّاء في عصرنا هذا بتنغيم القراءة ومَوْسَقَتِها. فإذا كانت قراءةُ التَّحقيق تتَّسم بالتُّؤدة، وتفكيك الحروف، وتوفية الغُنَّات إلى غير ذلك من الأوصاف، فقراءتُهم بسبب من التَّحقيق، بقطع النظر عما يخالطُها من الاهتمام بالأنغام…”.
قال القُرطبي في قوله تعالى ]ورتل القرآن ترتيلا[: أي لا تعجل بقراءة القرآن، بل اقرأْه في مَهَل وبيان، مع تدبر المعاني، وقال الضحاك: اقرأه حرفًا حرفًا. وقال مُجاهد أحبُّ الناس في القراءة إلى الله أعقلهم عنه، والترتيل: التَّنْضيد والتنْسيق وسَنُّ النظام …”.
وقال تعالى في محكم كتابه: ]وقرآنا فَرَقْناه لِتقرَأه على الناس مُكْثٍ ونزَّلْناه تنزيلاً[، وقال تعالى: ]كتابٌ فُصِّلَت آياتُه قُرآنًا عربيًّا لقوم يَعْقلون[.
وقد اختلفتْ طريقة الأداء عند القُرَّاء السبعة أنفسهم في المُدَّة الزمنيَّة التي يُؤدَّى فيها الحرف أو الآية أو السُّورة، فضلاً عن أمور أخرى معروفة، ما يسمح لطريقة الصيِّيتة ـ التي يُميِّزُها الزمن والتطريب ـ أن تجد لِنفْسِها مكانًا لائقًا بين طُرق الأداء القرآني.
وقد أشار القدماء إلى وجود بعض أوصاف هذه الطريقة – التحقيق- في الأداء في عصورهم، وهي تعني عندهم إتقانَ التلاوة إتقانًا تامًّا يجمع بين ضبط الحروف والتمهُّل فيها، ومدِّ الحروف، وأخذ النَّفَس الطويل بين كل أداءين. وإنْ كُنَّا لا نعرف بالضبط طريقة الأداء؛ لأن أحدًا لم يهتم بتسجيل ذلك، فإنَّ القرآن الكريم- وقد تفرَّد في نظمه ومعناه – تفرَّد أيضًا في طريقة أدائه، إذ طُبِع في عُرف الناس وعاداتهم طريقةٌ معيَّنة في التلاوة هي تلاوة التَّنْغيم أو الترنُّم، ولقد قال ابن مسعود لمن أخبره أنه يقوم بالقرآن في ليلة: ” أهذًّا كهذِّ الشِّعر؟” .
يقول الإمام أبو عمرو الدَّاني في التيسير:” أطولهم مَدًّا في الضَّرْبين جميعًا ـ يعني المُتَّصل والمنفصل ـ ورش وحمزة، ودونهما عاصم ، ودونه ابنُ عامر والكِسَائي، ودونهما أبو عمرو من طريق أهل العراق وقالون من طريق أبي نشيط بخلاف عنه. وهذا كُلُّه على التقريب من غير إفراط، وإنما هو على مقدار مذاهبهم من التحقيق والحَدْر”.
ولأنَّ مصر تُعدُّ أحد مراكز تلك الطَّريقة من الأداء؛ فالأغْلب أن قِراءة نافع المدني كانت هي السائدة في التلاوة من قديم، وإن لم تكن طريقته هي نفس طريقة القُرَّاء الصَّيِّيتة المعاصرين، إلا أن قراءته كان لها تأثير أكثر من غيرها في طبيعة الأداء عند المصريِّين، حيث استقرَّ راويته ورش (ت 297 هـ) بمصر بعد أن جوَّد القرآن على يدي نافع عِدَّةَ ختمات. وكان ورشٌ أستاذَ الإقْراء، بل انتهتْ إليه رئاسة الإقْراء بالديار المصرية في زمانه، ثم تابع من بعده يعقوب الأزرق الذي عاصر ورشًا وتعلَّم على يديه (ت 240 هـ )، ثم جاء من بعدهما تلاميذهما، وامتدت سلسلة القُرَّاء إلى وقنتا الحاضر.
يقول نبيل محمد إبراهيم آل إسماعيل: “منذ أن دخلت القراءات في مصـر بدأ التأليف يشقُّ طريقه، ويبدأ في منافسة المدارس الأخرى المجاورة. فأخذ العلماء منذ القرن الثاني الهجري في الشـروع في الكتابة عن القراءات والتأليف فيها …، فابتدأ التأليف واستمر على مَرِّ العصور حتَّى يومنا هذا ، وأصبحت مصر بذلك من أكبر المنافسين في التأليف في مجال القراءات، بل وتفوَّقت على جميع المدارس الأخرى عامة وفي العصور المتأخرة على وجه الخصوص” .
وإنْ كانت مدرسة مصر قد اشتهرت في التأليف في علم القراءات وجمْعِها؛ فإنَّها قد تفوَّقت في الأداء إلى أبعدِ درجة مُمْكنة، والتسجيلات الصوتيَّة المُسجَّلة خيرُ دليل على ذلك، وتُعدُّ التسجيلات الصوتيَّة للقرآن الكريم بمصر في القرن الرابع عشر الهجري نتاجًا طبيعيًّا لما تمتَّعت به المدارس المصـريَّة في التلاوة من تفوق واضح في أداء القرآن الكريم.
بدأت مدرسة “الصيِّيتة” ببعض سماتها في فترة مُبكِّرة من تاريخ الإسلام، ومرَّت بأطوار عديدة إلى أنْ استقبلتْ القرنَ الرابع عشـر الهجري وهي تامة مُستوفية لأركان الكمال والجمال. وحينما نريد تأصيل مجالس الصيِّيتة تاريخيًّا فإنَّنا لا يمكن أن نجد وصفًا دقيقًا لها منذ عهد النبوة يصفُها كما هي عليه الآن، وكُلُّ ما تيسَّر لهذا البحث جمعُ بعضِ ملامحها التاريخيَّة عبر القرون الماضية،وقد عالجتُ هذه المحاور تحت عنوانين: الأوَّل “محاور الأداء”، والثاني”التعليم في مجالس الصيِّيتة”.
يقول الزركشي: “وقيل: أقلُّ الترتيل أن يأتيَ بما يَبين ما يقرأُ به وإنْ كان مُستعجلاً في قراءاته، وأكملُه أن يتوقَّف فيها، ما لم يُخرجْه إلى التمديد التمْطيط، فمَن أراد أن يقرأ القرآن بكمال الترتيل فليقرأْه على منازله، فإنْ كان يقرأُ تهديدًا لفَظَ به لفْظ المُتهدِّد، وإنْ كان يقرأُ لفظَ تعظيمٍ لفَظَ به على التعظيم “.
ويُشارك في إقامة مجالس الصيِّيتة مناسباتٌ عديدة مثل مجالس “العَزَاء” و”قرآن الجمعة” في إذاعة القرآن الكريم من القاهرة، حيث يتلو القارئ يوم الجُمُعة من أحد المساجد التي تختارها الإذاعة رُبعًا من القرآن أو بعض الآيات مع قِصَار السور، وتستغرق هذه التلاوة حوالي خمسًا وثلاثين دقيقة. كما تُعدُّ الحفلات الخاصة رافدًا آخر من روافد هذه المجالس، وقد قام عليها الملوك والرؤساء والوزراء والأعيان في كثير من بلاد العالم العربي.
وكانت في السابق أكثر مما هي عليه الآن؛ إذ كانت تلاوة القرآن قديمًا مُفتتحًا لكثير من المناسبات، سواء أكانت فرحًا أم حُزْنًا، فافتتاح المدارس، والدروس، ومجالس الوعظ، والختان، وإحياء الأفراح، واستقبال الحُجَّاج عند عودتهم إلى بلادهم وغير ذلك مجالات خصبة لإقامة هذه المجالس.
وأكثر المناسبات التي تُقام فيها هذه المجالس حاليًا هي حالة العَزاء (عند حدوث وفاة)، حيث يحضر الناس إلى أهل المتوفَّى في مجلس العزَاء (مكان مفتوح يُجهَّز لاستقبال الناس ـ أو دار مناسبات العائلة)؛ ليُعزُّوهم ويشدُّوا على أيديهم مواساة لهم فيُسلِّمُوا عليهم، ثُمَّ يجلس الوافدون في مجلس العزاء ليستمعوا إلى آيات الذكر الحكيم، وما مِن يومٍ أو أسبوعٍ إلا وفيه مجلس أو أكثر للصيِّيتة في القرية أو المدينة.
وتلاوة القرآن في أوقات الشدَّة (حالات الوفاة مثلًا) من الأمور الشـرعيَّة المعروفة التي أشار العلماء إلى وجودها. والعِبْرة منها ـ في رأيهم ـ تَسْكين المحزون، والتفريج عن المكروب، وتسكين النفس الجَزِعة. وقد أشار إلى ذلك الإمام أبو عبد الله محمد بن مفلح المَقدسي(ت 763 هـ) حيث قال: “من المعلوم أنه يُشرع في أوقات الشدائد والمصائب قراءةُ شيء يُسكِّنُها، بذكر ما جرى على الأئمة؛ ليتأسَّى بهم صاحبُ المصيبة، وما وعد الله الصابرين من الأجر والثواب الجزيل…”.
هذا وتقوم ” مجالس الصيِّيتة ” على مفردات أصبحت عادة، ويمكن حصرها فيما يلي:
ـ يتلو الصيِّيت في مجلس العزاء بعد صلاة العصر وبعد صلاة العشاء، وفي المناسبات الأُخرى حسب وقت الحفل نهارًا أو ليلاً. وغالبًا ما يكون في مجلس العزاء قارئان، ولا يزيد العدد إلا في العزاءات الخاصة لكبار القوم وعِلْيتهم، أو حين يكون المُتوفَّى أحد الصيِّيتة ، حينها تجتمع كثْرةُ القُرَّاء في مجلس العزاء وفاءً للزميل الراحل …
يجلس الصيِّيت ليتلوَ ما تيسّـَر له من آيات الذكر الحكيم، في هيئة نظيفة، متطيبًا،لابسًا أجمل الثياب، ويجلس حوله المستمعون في إنصاتٍ تام وشغفٍ شديد. فيستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويقرأ البسْملة، ثم تبدأ التلاوة في هدوء من الأداء، وانخفاض من الصوت، وهذا مدخل التلاوة، وبعد آيتين أو ثلاث ترتفع نبرة الأداء شيئًا فشيئًا حتَّى يُدوِّيَ صوت القارئ في أرجاء المكان والقلوب عذوبة وحلاوة، وحين يبلغ القارئ درجة الجمال القُصْوى يكون أوشك على إنهاء التلاوة فينخفضُ الصوتُ حتَّى يَخْتم التلاوة بقوله: “صدق الله العظيم” .
قال الزَّرْكشي عن حال القارئ أثناء التلاوة: “يُستحبُّ الاستياك وتطهير فمه، والطهارة للقراءة باستياكه وتطهير بدنه بالطيب المستحب؛ تكريمًا لحال التلاوة، لابسًا من الثياب ما يتجمَّل به بين الناس، لكونه بالتلاوة بين يدي المُنعِم المتفضِّل بهذا الإيناس …، يُستحبُّ أن يكون جالسًا مستقبل القبلة …”.
يجلس المستمعون أمام القارئ حسب الإمكان، تتَّجه إليه أجسامُهم ووجوهم وعيونهم، ومِن أوَّل مقطع يتلوه الصيِّيت يُسلِّم المستمعون له تسليمًا كاملًا، فالنصُّ المتلو كلام الله الذي يُمتع الأسماع والأبصار والأفئدة والأرواح؛ فهو كلام عربي مبين يزداد حلاوةً بصوت الصيِّيت، كُلُّه حِكَم ووعْظ، ليس فيه عيبٌ في معناه ولا لفظه، لا يخدش حياءً ولا يقول زُورًا، يسري مع ذلك شعور المستمعين بأن هذا كلام خالقهم فإذا بهم تستريح نفوسهم .
ويزداد هذا الحال في مناسبات العزاء على وجه الخُصوص، فيكون التلقِّي بطريقين يُكْمل أحدُهما الآخر: الطريق النظري (ما يستمعون إليه من آيات) والعملي (تجربة الرحيل). ومن هنا فإنَّ الصيِّيت إذا تلا مثلًا قول الله تعالى ﴿كُلُّ نفسٍ ذائقةُ الموتِ وإنَّما تُوفَّون أُجُورَكم يوم القيامة فمَن زُحْزِح عن النار وأُدخِل الجنَّة فقد فاز وما الحياةُ الدُّنيا إلا متاعُ الغُرور﴾؛ فإن الرءوس تهتزُّ مُعتبرةً، والعيون تنكسر مُتَّعِظة، وتعترف العقول أنَّها في غَيٍّ كاذب، وزخرفٍ ذاهب، ومتاعٍ زائل، فتزول الغشاوة عند ذلك شيئًا فشيئًا عن عقول القوم.
ومن أجل أداء بعض الجمل الصوتيَّة الطويلة (آية طويلة أو عِدَّة آيات متتاليات) في نَفَسٍ واحد فإنَّ “الصيِّيت” يحتاج إلى قدر كبير من الشهيق، يتمُّ تحصيلُه من خلال نفسٍ عميق يأخذه قبل البدء في أداء الجملة الصوتية؛ لتتَّسع الرئة شيئًا فشيئًا؛ فيتمكَّن القارئ من إطالة نَفَس التلاوة قدر الإمكان.
وهذه الحركة البسيطة المُصاحبة للتلاوة في تلك المجالس ليستْ مقرونة بالصيِّيت وحدَه، لكنها تزيد عنده، وهي من رواسب التعليم في الصِّغر؛ إذ هذه الحركة عادةٌ للتلاوة عند الصِّبْيان في الكتاتيب أو مكاتب التحفيظ وحلقاته. فالطفل يتلو وهو جالس مُحرِّكًا النصف الأعلى من جسمه من الخلف للأمام، أو من اليمين لليسار، والطفل يصنع ذلك إيقاظًا للنفس ودفعًا للكسل واستجلابًا للهِمَّة؛ كي يُظهر للمُعلِّم أنه في حالةِ نموٍّ حركيَّة وليس في حالة سكون ثبوتيَّة. وقد كان هذا النمط مناسبًا لما يقضيه الطالب من وقت طويل في الحفظ والاستظهار في الكتاتيب، فكثير من الكتاتيب تفتح أبوابها من الصباح الباكر وتُغلِقُ مع أذان الظهر، وبعضُها كان يفتح أبوابه بعد العصر أيضًا، حيث كانت هذه الكتاتيب بديل المدارس المُعاصرة. وإنْ كان كثير من الطلاب ينام في حصص التدريس بالمدارس النظاميَّة المعاصرة ـ بالرغم مما فيها من أدوات الإثارة المتعدِّدة والمبتكرة ـ فإنَّ طالبًا واحدًا في حلقات الكتاتيب لا يمكن بأي حال أنْ تصيبَه غفوةٌ أو سِنةٌ من نوم، بسبب تلك الحركة الذاتيَّة الإيقاظيَّة الرياضيَّة التعاونيَّة أثناء التلاوة والحفظ سواء أكان يعمل ذلك مفردًا أم من خلال جماعة!
وأحيانًا يُحرِّك الصيِّيت “أُصْبَعه السبَّابة” عند أداء بعض المقاطع الصوتيَّة، كأن يُحرِّكها حركة خفيفة لأعلى بُرْهاتٍ مَعْدودة، وذلك إشارة للمستمعين للانتباه إلى أداء صوتيٍّ أو حركة إعرابيَّة أو حكم من أحكام التجويد …
وكثيرًا ما نشاهد القُرَّاء يضعون أكُفَّهم على آذانهم لضبط الصوت بناءً على تقطيع هذا الصوت الداخل إلى الأذن، وبعضُهم يستخدم أُصْبَعه “السبابة” ليتجنَّب قوة الصوت في أثناء تلاوة بعض المقاطع عالية النبرة، وهذا الاستخدام لِلكفِّ مبسوطةً بِجوار الأُذُن عادةٌ قديمة لها غرض صوتيٌّ في المقام الأول، والغرض هو تجميع الصوت باتجاه السامعين لإسماعهم، وقد كان ذلك لازمًا لرفع الصوت وتكبيره قبل اختراع الأجهزة الصوتيَّة الحديثة المكبِّرة للصوت، وهو سِمة للمؤدِّين بالصوت أيًّا كان لون الأداء قرآنًا أو غناءً.
لقد كانت تلك المجالس استجابةً لحاجاتٍ اجتماعيَّة ونفسيَّة عديدة في عصورها المختلفة فضلًا عن الحاجات الدينيَّة عند المسلمين، فالتلاوة أمر تَعبُّدي، والتجمُّع للتلاوة والاستماع من الأمور المندوبة شرعًا، وعلى كُلِّ حرفٍ حسنة، والحسنة بعَشْرِ أمثالها، والنَّظر في المصحف عبادة…، وهذه النظرة الدينيَّة لا تخُصُّ عَصرًا دون آخرَ مَهْما اختلفتْ إمكانات العصور تخلُّفًا أو تحضُّرًا.
أمَّا من ناحية الحاجات الاجتماعية والنفسيَّة فقد كان لهما تأثيرٌ آخر في النشأة والتطوُّر، وكي يتبيَّن الأمر لابُد أنْ يُنظر إلى هذه الظاهرة ـ ظاهرة الصيِّيتة ـ مِن خلال عصورها التي تختلف عن عصورنا عُمْرانًا وانتشارًا، فالإنسان دائمًا يبحث عن سببٍ أمنيٍّ يتمسَّك به ويعتقدُه، والأسباب كثيرة سواء أكانت وهمًا أم حقيقة، ومن الوهم أو المتصوَّر الأساطير، والتقاليد، والأعراف القديمة التي سادت العالم آلاف السنين، ومن خلال قراءة هذه الأساطير والعادات يمكن الخروج منها بنتيجة خلاصتُها أنَّ الإنسان منذ خُلق لم يبتْ ليلةً دون قوَّة تحمِيه، وبعض هذه الأسباب يرتبط بالديانات السماوية، ونحن في ظاهرة الصيِّيتة نهتم بهذا الجانب الأخير لارتباط النص المتلوِّ بديانة الإسلام، ومِن هنا فإنَّ تلاوة هذا النصِّ في جمعٍ إنَّما يُعَدُّ استئناسًا بالخالق عزَّ وجلَّ، واستئمانًا في ظل الله تعالى، فمن المعروف أنَّ العُمران والانتشار البشري لم يكونا في العصور السابقة كما هما عليه الآن، والطبيعة كانت بكرًا لم تلعب فيها أيدي الإنسان تعبيدًا وإصلاحًا؛ فكانت الوعُورة والظُّلْمة والوَحْدة سماتٍ عامة للحياة آنذاك. وكان الخروج على المجتمع ـ فضلاً عن الفرد ـ وتهديده نتيجةً لسمات هذه الحياة؛ لذا لجأ المجتمع إلى التجمُّع لحصول شيء من الأُنس والأمن، وتعدَّدت محاولاتُ الإنسان وأنشطتُه ـ الليليَّة خاصَّة ـ لإحداث نوع من الأُنس ودفعًا للوحدة والظُّلْمة والخوف، فكان التجمُّع للغناء مظهرًا سابقًا لكثير من المظاهر الأُخرى، وكان التجمُّع عند أبواب السلاطين والملوك مظهرًا ثانيًا، والتجمُّع الثالثُ مجالسَ العلماء، والرابعُ مجالسَ الشعراء، والخامس التجمُّعَ حول كتاب الله العزيز تلاوة واستماعًا، وهكذا دَوَاليْك.
وقد ارتبط البحث عن الأمن في مجالس التلاوة بقول الله عز وجل: ﴿الذين آمنوا وتَطمئنُّ قلوبُهم بذكْر الله ألا بِذكْر الله تطمئنُّ القلوب﴾، ومثله حديثُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم :” ما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله يقرأون القرآن إلا حفَّتْهم الملائكة ونزلَتْ عليهم السَّكِينة وذكرَهُم الله فيمن عنده “. فما حفُوف الملائكة ونزول السكينة والذكر إلا نوعٌ من الأمن والأُنس والحياة التي تُضاد حياة الخوف والوحدة والسكون، وقد انعكست هذه الصورة بوضوح في ارتباط هذه المجالس بالمساجد في الأغلب، إضافةً إلى ارتباطها زمنيًّا بالليل مع التلاوات الأُخرى كالتلاوة الجَهْرية للقرآن في صلاة الليل (الفجرـ المغرب ـ العشاء ـ التَّهَجُّد)، قال تعالى ﴿ومن الليل فتهجَّدْ به نافلةً لك عسى أن يبعثَك رَبُّك مقاماً محمودا “.
ولقد كانت هذه المجالس –أيضا – مظهرًا من مظاهر الصـراع الإيماني مع الشّـِرك في جانب الاستماع؛ إذ كان سَلبُ الاستماع أحدَ أهداف حملة الشِّرك في بداية الدعوة الإسلامية، وما زال ذلك مُمْتدًّا إلى عصرنا الحالي، وذلك لِما يُمثِّلُه الاستماعُ من تدبُّر، وفهمٍ، وقُرْب من الله تعالى، وعملٍ صالحٍ دليلٍ على صدق الإيمان في النفوس. قال تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لا تسْمَعوا لهذا القرآنِ والْغَوْا فيه﴾. ولقد كان استماعُ المُغيرةَ بن شُعْبة آيةً على ما نقول، آية كادت أنْ تخترق كِفَّة الشّـِرْك في وقت مُبكِّر من تاريخ الدعوة، أما الجِنُّ فقد كان لهُم شأنٌ آخر فاق استقبال الإنس بمراحل عديدة .
ـ أهم الأعلام الصيِّيتة في القرن الرابع عشر الهجري:
من هؤلاء العباقرة الشيخ محمد الصَّيْفي، والشيخ محمد رِفعت الذي أسلم على يديه كثير من الأوربيِّين بعد سماع القرآن بصوته (حي المغربلين ـ محافظة القاهرة)، والشيخ مصطفى إسماعيل قارئ مصر الأول وهو قارئ الملك فاروق ( مركز زفتى ـ محافظة الغربية)، والشيخ محمد صِدِّيق المنشاوي، والشيخ محمود خليل الحُصَري صاحب أول مصحف مرتَّل في العالم، والشيخ عبد الباسط عبد الصمد الذي دوَّى صوتُه في آفاق العالم الإسلامي سنوات وسنوات، والشيخ محمود علي البَنَّا الذي صدَح بالقرآن لأكثر من خمسين سنة في المناسبات والإذاعات العربيَّة والتلفازات (شبراباص ـ مركز شبين الكُوم ـ محافظة المنوفية)، والشيخ أبو العينين شِعيشَع، صاحب التسجيل الفريد لربعٍ من سورة آل عمران بداية من الآية 33، والشيخ محمود عبد الحَكَم، ومنصور الشامي الدَّمَنْهُوري(دمنهور ـ محافظة البحيرة)، وعبد الرحمن الدَّرَوي (قرية دَرَوة ـ مركز أشمون ـ محافظة المنوفيَّة)، وعبد الفتاح الشِّعْشاعي، وابنه إبراهيم الشِّعْشَاعي(قرية شِعْشاع ـ مركز أشمون ـ محافظة المنوفيَّة)، والشيخ طه الفشِني، والشيخ عبد العظيم زاهر، وكامل يوسف البَهْتِيمي،ومحمد فريد السِّنديُوني(سِنديون ـ محافظة القليوبيَّة)، ومحمد محمود الطَّبْلاوي، ومحمد بدر حُسين(محافظة البحيرة )، وحلمي الجمل، وأحمد نِعينَع، والشحَّات محمد أنور، ومحمد أحمد شبيب، وعِزت العناني، والشيخ عبد العاطي ناصف، وشعبان الصيَّاد(كفر صراوة ـ مركز أشمون ـ محافظة المنوفيَّة)، وأحمد محمد عامر، وفرج الله الشاذليّ، والسعيد عبد الصمد الزَّناتي،…وغيرهم كثيرون ملأوا سماء الناس بالقرآن والذكر الحكيم.
ثانيًا: محاور الأداء :
يستند “الصيِّيت” في توصيل رسالته في المجلس على محورين أساسين هما: المِحْوَر النَّقْلي، والمحور الصَّوتي التَّطْرِيبي. وسنحاول توضيح هذين المحورين في الحديث التالي:
1ـ المِحْور النَّقْلي:
نَقْصد به وفْرة الشـروط العِلْمية التي تَسمح للصيِّيت ـ بعد تحصيلها ـ أنْ يَجْلس للتلاوة في تلك المجالس، ومظاهر هذا المحور كثيرةٌ، أهمها حفظ القرآن الكريم، ومعرفة القراءات، وبعض علوم القرآن الأخرى كالتفسير والفقه وغيرهما.
فحِفظ القرآن الكريم أمرٌ أساس في حياة الصيِّيت الناجح المحترف، إلا أنَّ هذا الحفظ نسبيٌّ، يبدأ من حِفظ بعض السُّور (عند المُتطفِّلين على المجالس)، ويتطوَّر ليشمل القرآن كلَّه، ثُمَّ القراءات السَّبع، ثُمَّ العَشْر، ورُبَّما يصل الأمر إلى معرفة الشاذ. ومن المستحيل أن يجلس الصيِّيت المُحترف للتلاوة وهو لا يحفظ القرآنَ الكريمَ عن ظهر قلب؛ لذا فإنَّ القُرآن مع الصيِّيت تجربة حياة يعيشها يومًا بيوم وساعة بساعة ولحظة بلحظة، فقد أثبتت تجارِب التلاوة في المناسبات المختلفة أنَّ مَن لا يُتقن حِفظ القرآن يَسقُط من الاعتبار القرآني عند أول اختبار (مجلس)، ويُغذِّي هذا الشـرط حدوث التَّحدِّي في صور عديدة بين أكثر من “صيِّيت” في قوة الأداء والحفظ …، فقد يحدث أحيانًا أن يطلبَ الصيِّيتُ الذي قرأ أوَّلًا من “الصيِّيت ” الثاني أن يبدأ تلاوته مِن حيث انتهى الأوَّل؛ ليختبرَه أمام الجمع، فيتلو الثاني ثُمَّ يطلب مِن الأول أن يصنع صنيعَه، إلى أن ينتهي المجلس.
وقوة الحِفظ هذه تعتمد على معرفة القراءات المختلفة إلا قليلًا، والقارئ العارف بالقراءات له مَزِيَّة على غيره في تلك المجالس، فيُطلب بالاسم ويَحصُل على أعلى الأجور، وفي حفلات الصيِّيتة يمكنك أن تجد صِنْفَين من القُرَّاء الذين يستعينون بالقراءات السبع وغيرها، الصِّنْف الأوَّلُ مِن المُجيدين الذين دَرَسوا علوم القراءات وطُرُق الأداء، وهذا الفريق يُمثِّلُه كثير من القُرَّاء خاصة من منتصف القرن الرابع عشر الهجري إلى آخره، والصِّنف الثاني من المُتطفِّلين على القِرَاءة الذين لا يعرفون شيئًا عن القراءات؛ وإنما يُقلِّدون بعض ما يسمعون من جُمَل أدائيَّة تقليدًا.
ويُكْثر القرَّاء الصيِّيتة من طُرُق أدائيَّة مشهورة أهمُّها تسهيل الهَمْزة من قراءة أبي عمرو ابن العلاء البصري، أو الوقوف على الهَمْزة الساكنة والمُتحرِّكة من قراءة حمزة الزيَّات، أو الإمالة من قراءة حمزة الزيَّات والكِسَائي، وإمالة فتحة الرَّاء قليلًا إذا وليها كَسْرةٌ لازمة أو ياء ساكنة.
قال ابن تيمية رحمه الله: “الحمد لله، أما نفسُ معرفة القراءة وحفظها فسُنَّة مُتَّبعة يأخذها الأخِيرُ عن الأوَّل، فمعرفة القراءات التي كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقرأ بها، أو يُقِرُّهُم على القِرَاءة بها، أو يأذَنُ لهم وقد أُقْرئوا بها سُنَّة، والعارف في القراءات الحافظ لها له مَزِيَّة على مَن لَمْ يعرف ذلك ولا يعرف إلا قراءةً واحدةً، وأما جمعُها في الصلاة أو في التلاوة فهو بِدْعَةٌ مكروهة، أما جمعُها لأجل الحفظ والدرس فهو مِن الاجتهاد الذي فعَلَه طوائف في القراءات”.
وكثيرٌ من الصيِّيتة سَقَطوا من عالم التلاوة عندما أهمَلوا هذا الرُّكن، خاصة إذا وصل الأمر ـ الجهل بالقراءات ـ لأُولي الأمر، كما حدثَ مع صاحب الصوت الفاتن والأداء الساحر الشيخ عَنْتر سعيد مِسلَّم (قُطُور، محافظة الغربيَّة) الذي طوَّفت سُمْعتُه آفاق الشهرة، وسجَّلت له إذاعة إيران الرسميَّة كثيرًا من التلاوات، وعلى الفضائيَّات له بعض التسجيلات، وكذا مواقع الشبكة الإلكترونية (النت)…، إلا أنَّ هذا الصيِّيت وقع في بعض الأخطاء الخاصَّة بالقراءات والأداء، ووصل الأمر إلى شيخ الأزهر الراحل جاد الحق علي جاد الحق فأصدر الأخير قرارًا بمنع شركات الصوتيَّات من التسجيل للشيخ، وأعلن أن أيَّ شركة تَطْبعُ له شريطًا سيكون مصيرُها الإغلاق والمُلاحقة القانونيَّة، وبعد ذلك أصدر شيخ الأزهر بيانًا يدعو فيه الشيخ مِسَلَّم إلى الحضور إلى الأزهر الشـريف لتعلُّم أصول القراءات إلا أنَّ الصيِّيت لم يستجب لذلك.
أما العلم بجوانب الشـريعة الإسلاميَّة كالتوحيد والفقه والحديث وعلوم القرآن …، فهو ضرورة لازمة، ولا يُغيِّر من صِحَّة هذه الفكرة ما نراه واقعًا في بعض “مجالس الصيِّيتة ” الآن مِن عبث وجهل، والظنُّ أنَّ هذه الصُّورة المُظلمة وُجدَت في عصر الانحلال الثقافي في العصور المتأخرة، إذ ضرب الاستعمار الغربي بقوة في العُرف الثقافي العربي، وأرسى قواعده لنشر الفوضى والجهل خاصة في علوم الشريعة الإسلامية.
وإذا أردنا أن نتأكَّد مِن لازمة العِلم بأمور الشريعة وعلوم القرآن من عهد النبوَّة إلى عهد قريب، فلْنرجع إلى الإمام الذهبيِّ في كتابه “معرفة القُرَّاء الكبار على الطبَقَات والأعْصار”، أو “ذيل القرَّاء الكبار” لأحمد بن عبد القادر بن أحمد بن مكتوم (682 هـ ـ 749 هـ)، لنجدَ القُرَّاءَ في جميع طبقاتهم ما بين فقيهٍ أو مُحدِّثٍ أو نحويٍّ أو عالمٍ بالقراءات، وجُلُّهُم مشهور بالتقوى والصلاح والأمانة …
أما الإجازة في القراءة فهي أمرٌ معروف مشهور في تاريخ الإقراء، وإنْ تضاءل أمرُها في كثير من بلاد العالم الإسلامي اليوم؛ فإن بعض البلاد مازالت تُقدِّرُها وتُوليها أهمية كبيرة كما في المملكة العربيَّة السعوديَّة وسوريا والمغرب والسودان.
2ـ المحور الصَّوْتي التطريبي:
يمكن أن نقول :إنَّ المحور الصَّوتيَّ التَّطْرِيبيَّ هو السِّمَة الأساسيَّة التي تميِّز تلاوة الصيِّيتة. وبعض التلاوات ـ تدويرًا كانت أو حَدْرًاـ قد يقوم فيها المِحْور الصوتيُّ بدورٍ ما؛ إلا أنَّ ذلك لا يُمثِّلُ شيئًا يُذكر بجوار دور الصوت في تلاوات الصيِّيتة؛ لأنَّ الصوت في تلاوات الحَدْر أو التدوير يُمثِّل سِمَةً مُفْرَدة، في حين يُمثِّل الصوت في تلاوات الصيِّيتة سِمةً مُرَّكبة أو مُزدَوَجَة أو نامية، وهذا ما نحاول إثباته من خلال توضيح المنهج الصوتيِّ التَّطْرِيبي وسماته في مجالس الصيِّيتة.
من شروط الصيِّيت الأساسيَّة أن يكون حَسَنَ الصوت، في صوته عُذُوبة وشَجًى وشَجَن يأسر سامعَه؛ حتَّى يُقنع قلوب الحاضرين بالإنْصات إلى تلاوته، وهذا الجمال يُعَدُّ من أُولَى سُلْطات الصيِّيت لحُدُوث عمليات الإمتاع والتعليم والتلقِّي الحسن، إنَّها سُلْطة تَفُوقُ سُلطة الشاعر والناثر على السَّواء، بل تفوق كُلَّ سُلطة للفنون البشريَّة جميعًا؛ لأن هذه السُّلْطة تَجْمع في ذاتها بين عِدَّة سُلُطات أهمها سُلْطة النص(القرآن الكريم) وسُلطة الصيِّيت، وهذا الجمع يُحقِّقُ كثيرًا من أغراض الأداء أهمُّها التسليم النَّفسي والعقلي والجسْمي لهذا النص الإلهيِّ الخالد، ولولا هذا الجمع بين السُلْطتين السابقتين ما كُتب القبولُ والحُسن والرضا لطريقة الصيِّيتة في الأداء، وتأتي سُلطة النص من ارتباطه بالعقيدة الدينيَّة للمسلمين، ثم الاعتراف الجمْعي بوجوب احترام هذا النص المتلوِّ وتوقِيره، ثُمَّ جمال اللغة القُرآنية؛ لذا فإنَّ أيَّ إنسانٍ مَهْما امْتلك من جمال الصوت ـ كالمُغَنِّي مثلًا ـ فلن يصلَ إلى درجة قبول المتلقِّي وتسليمه ورضاه، كما يتحقَّق ذلك في أداء القُرَّاء الصيِّيتة على وجه العموم.
إنَّ أيَّ مُبْدعٍ مَهْما أُوتي مِن قوَّة النص الإبداعيَّة فإنَّه يخضع لإجراءات مُتعدِّدة قد تُفشلُ عمليَّة الخِطاب إلا في حالة المُبْدِع الصيِّيت. إذ إنَّ المُخاطَب في مجلس الصيِّيتة مَهْما أُوتِي مِن سُلطان أو مَال أو دِين…، لا يملك أن يُوقِفَ عملية الخطاب، حتَّى لو كان صوتُ القارئ رديئًا؛ لأنَّ الصيِّيت حينئذٍ يحتمي برُكْن أساس في الخطاب هو قولُ الله جلَّ وعلا ]وإذا قُرِئ القرآنُ فاسْتَمِعوا له وأنْصِتُوا لعلَّكم ترحمون[ .
ولجمال صوت الصيِّيت أكبرُ الأثر في انتشار سُمْعته في القُرى والمُدن المجاورة، وإن استطاع صوتُه المرور عبر الخطوط البشريَّة المتنوعة وصل إلى القاهرة المركز الأكبر والأهم في عالم الصيِّاتة؛ فيُصبحُ قريبًا من مراكز المال والجاه والسلطان، فيدعوه أصحاب المال والجاه والسلطان للتلاوة في مناسباتهم المختلفة، ثُم يأتي دَوْر الإذاعة المصـرية والتلْفَزَة، فينطلق صوتُه عَبْر الإذاعات والفضائيات العربيَّة والعالميَّة.
ومِن شروط الصيِّيت أيضاً قوَّة الصوت حتَّى يُسمعَ جميع الحاضرين، وقد كان الشيخ عبد الفتاح الشِّعشاعي ـ رحمه الله ـ يُسمِع المئات من مُسْتمعيه في المجلس الواحد. وبعد أن دخلت مكبِّرات الصوت عالم الأصوات أصبح الإبداعُ أيسرَ في حياة الصيِّيت؛ لأن بذل الصَّوْت للإسماع كان يستهلك جهدًا كبيرًا منه أثناء التلاوة، ويرتبط بقوَّة الصوت طولُ النَّفَس الصوتي الذي يُسِهم بدورٍ ما في مكانة الصيِّيت، ويُقْصَد بطولِ النَّفَس قُدْرةُ الصيِّيت على تلاوة أكبر عددٍ مِن المقاطع الصوتيَّة والآيات دون أن يسْتنشق هواءً .
ويعتمد الصيِّيتُ على تغيير نَبْرَة الصَّوْت مِن أجل الابتعاد بالتلاوة عن المَلَل الذي يُصِيبُ المُستمع أو المُتلقِّي، فالخطُّ الصوتيُّ الواحد أو المُمْتد غالبًا ما يَجْلِب الانشغال الذهنيَّ والهدوء والسكون المُفْضي إلى النوم، وهذا التغيير في نبرة الصوت له عِدَّة مُستويات، منها ما يكون على مستوى مَقْطع واحد أو آيةٍ واحدة أو عِدَّة آيات .
أما الجانب التطريبي فيمكن توضيح معناه إذا أدَّيْنا سورة من القرآن وكأنَّنا نقرأ مقالًا أو قصَّة أو رسالة.(القراءة الأولى).
ثم نُعيد أداءَها على طريقة القُرَّاء الآن كقراءةِ أحد أئمة الحَرَم المكِّيِّ كعبد الرحمن السُّديس أوسعود الشِّريم ، أو كقراءة الشيخ الحُذيفي، أو أحمد بن علي العَجَمي، أو محمد صديق المنشاوي، أو محمود علي البنا (تلك التلاوات تُسمَّى المُصحف المرتَّل)، أو كقراءة المصحف المجوَّد كما عند المنشاوي أو مصطفى إسماعيل أو عبد الباسط عبد الصمد …، أو حتَّى كقراءة أحد أئمة المساجد.(القراءة الثانية). ويكون الفرق بين الأداءين(القراءة الأولى والقراءة الثانية) هو ما نقصِد به التَّطْريب أو التنغيم أو الترنُّم. ويصل الأمر في هذا الفرق إلى أن يُعرف القرآن بهذا التطريب، فعامَّة الناس حين يسمعون كلام القرآن منغَّمًا يُدركون على الفَوْر أنَّ المقروءَ أو المتلوَّ قرآنٌ أو أنه كلام الله. وعلى العموم فهذه الطريقة “التنغيم” فريدة في شكلها ولونها، ويظنُّ الباحث أنها واردة ومتعلَّمة من أداء الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، وكان استخدامُها تمييزًا للنص الإلهي عن سائر النصوص البشـريَّة. وإذا نظرنا إلى تلاوة الصيِّيتة خاصة نَجِد سِمةَ التطريب أو التنغيم غالبةً أو مُميِّزة للتلاوة عن غيرها من طرق الأداء الأُخرى كالحَدْر والتدوير.
والتطريب (أو التَّرَنُّم) يعتمد على الجانب الصوتي؛ لأنَّ التطريب في عالم التلاوة يقوم على الصوت في المَقام الأول، فالصوت أو الحنجرة هي أداة الأداء الأساسيَّة للنُّطق والتوصيل والتَّفصيل والتَّحْقيق والتَّحْسين والتزيين.
وتعتمد مدرسة الصيِّيتة على عِدَّة نصوص وقف لها العلماء والباحثون بالشرح والتحليل، وبيان الكيفية التي يؤدَّى بها القرآن. ومن ذلك آيات بيِّنات وأحاديث نبويَّة شريفة، وكانت آراء العلماء ترى ضرورة تزيين الصوت عند الصَّدْح بالقرآن وتحسين الأداء، بما يجعل النفوس تشوق وتَتُوق إلى سماعه والإنصات له، وضرورة تناسق الأصوات عند التلاوة، وانسجامها حتَّى ترتاح النفس عند سماعها، وأن يُقرأ القرآن مُنغَّمًا بعيدًا عن ألحان الأغاني الهزليَّة والتَّرنُّم الكنائسي، ولا يُناح به نوحَ الرُّهبان، وأكثر العلماء والباحثين على ذلك، والأدلة في ذلك كثيرة جدًّا تستغرق صفحات لعرضها.
يقول جلال الحنفي البغدادي: “وقد كانت نغميَّة التجويد قد عُرفت في تلاوة القرآن الكريم مُنذ أبدٍ أبيد، وكان كثيرٌ من المشركين يُصغون إلى تلاوة القرآن فيُعجبَون بها أيَّما إعجاب، وكان فيهم مَن يَصرف القومَ عن الإصغاء إلى القرآن فرارًا من قوَّة تأثيره عليهم، لاسيَّما حين يكون تأثيره آتيًا من جوانب شتَّى مِن بينها حُسنُ أدائه وجماليَّة تلاوته”.
وطبيعة القرآن نفسُها ـ حروفًا وكلمات وفواصل ونظْمًا… ـ تساعد على إحداث التنغيم أو التطريب. فآياتُ القرآن فيها انسجام صوتِيٌّ بين الحروف والكلمات، كما تتَّسم لغة القرآن بالبساطة واليُسر والوضوح. وكأنَّ هذه اللغة هي خلاصة كلام العرب، ومن يُقارن بين لغة القرآن ولغة الشعر الجاهليِّ مثلًا يتأكَّد عنده ذلك، كما أنَّ الفواصل القرآنيَّة تنتهي بحروف مثل النون أو الميم، والعرب إذا تَرنَّموا ألحقوا الألف والياء والنون. لكنَّ التطريب لا يَحدُث إلا إذا سُبقت هذه الحروف بحرف مَدٍّ مثل الياء أو الألف أو الواو، كُلُّ ذلك يصنع تناسقًا صوتيًّا أو تلحينيًّا في الأداء.
هذا، إضافة إلى عوامل صوتيَّةٍ أخرى تُحقِّق التطريب كالمدِّ والغُنَّة والإدْغام والوصل والوقف، مع استشعار القارئ للآيات التي يَتْلُوها. ويكونُ الهدفُ من التطريب تناسقَ طريقةِ الأداء بين المقاطع الصوتيَّة التي يُؤدِّيها القارئ من ناحية، وتناسب طبقات الصوت مع المعاني التي تحملها الآيات الكريمة من ناحية ثانية.
يقول ابن خلدون عن لذَّة الاستماع: “والحُسْن في المَسْموع أن تكون الأصواتُ متناسبة لا مُتنافرة؛ وذلك أنَّ الأصوات لها كيفيَّات مِن الهَمْس والجهر والرَّخاوة والشِّدَّة والقَلْقلة والضَّغط وغير ذلك، والتَّناسب فيها هو الذي يُوجبُ لها الحُسن، فأوَّلًا ألا يخرج الصوتُ إلى ضِدِّه دُفْعة، بل يَتَدَرَّج …، وكثيرٌ مِن القُرَّاء بهذه المَثَابة …”.
ويمكن أن نُجمل فائدة التنغيم في الأمور الآتية:
1ـ ضبط مُستوى الصوت والتحكُّم فيه.
2ـ تحسين الصوت.
3ـ القُدرة على أداء الإدْغام والغُنَّة والمدِّ والأحكام الخاصَّة بتلاوة الذكر الحكيم .
4ـ التناسب الصوتيُّ بين المَعْنى واللفظ والصوت.
5 ـ التَّحزُّن والشَّجن. وهو السِّمة الغالبة على التطريب، فأصوات القرَّاء في التلاوة عامَّة والتجويد خاصَّة قائمة على هذه السِّمة، ويغلب التَّحزُّن لما في القرآن مِن آيات تخويفٍ وعذابٍ ودُعاءٍ واسْتغفارٍ وتوبةٍ ونداءٍ ورَجاءٍ … ، وكُلُّ ذلك لا يليق به إلا أسلوب التحزُّن، ويُعدُّ المصحف المرتَّل للشيخ محمود علي البنا والمصحف المرتَّل للشيخ محمد صِدِّيق المنشاوي من أفضل التلاوات التي يسيطر عليها سمة التَّحزُّن والشَّجن.
وكلمات التزيين والتجميل والتطريب والتَّنغيم كلُّها تعْني التغنِّي بالقرآن. وإنَّ محاولات بعض العلماء صرفَ معنى التَّغَنِّي أو التطريب أو التنغيم إلى معانٍ أُخرى كالاستغْناء مثلًا ـ لا تقْوَى أمام كلمات النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في تلك الأحاديث الكثيرة التي استشهد بها من أباح التطريب وحسَّنه؛ فتعبيرات نبويَّة مثل: “لنبيٍّ حسن الصوت” و”الرجل الحسن الصوت” و”لقد أوتيت مِزْمارًا من مزامير داود” و”لحبَّرْتُه لك” “زيِّنوا القرآن بأصواتكم” و”الصوت الحسن” و”ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن” و”إنَّ في المسجد لأحسن مَن سمعت صوتًا بالقرآن” و”فرجَّع فيها ” و”أحسن صوتًا” و”حسن الوجه حسن الصوت”و “بلحون العرب” ـ تفيد معنى التغنِّي والتطريب وتؤكِّده بلا شكٍّ أو مُنازعة.
ونخلُص من ذلك إلى رؤية ابن خلدون في التطريب في أداء القرآن إذ يقول: “وليس المُراد تلحين الموسيقى الصناعي، فإنَّه لا ينبغي أن يُختلف في حظره، إذْ صناعة الغناء مُباينة للقرآن بكلِّ وجه، لأنَّ القراءة والأداء تحتاج إلى مقدار من الصوت لتَعْيين أداء الحروف مِن حيث اتباع الحركات في موضعها ومقدار المَدِّ عند من يُطْلِقُه أو يُقصره وأمثال ذلك، والتلحين أيضًا يتعيَّن له مقدار من الصوت لا يتمُّ إلا به من أجل التناسب الذي قلناه في حقيقة التلحين، واعتبار أحدهما قد يُخِلُّ بالآخر إذا تعارضَا، وتقديم الرواية مُتعيَّن من تغيير الرواية المنقولة في القرآن، فلا يُمكن اجتماع التلحين والأداء المُعتَبر بوجه وإنما مرادُهم التلحين البسيط …”.
ويظهر أحيانًا أنَّ التطريب واحدٌ في القرآن والغناء. وهذا غلطٌ ووهمٌ كبير لا يقترب من الحقيقة قيد شعرة روَّجه بعضُ الجاهلين بالقرآن الكريم حين راحوا يُزيِّنون فكرة تلحين القرآن تلحيناً مُوسيقياً، ويُمكن في هذا البحث أن نُبيِّن خَطَأَ تلك الفكرة سريعًا على أن نتناولها في بحث مُستَقِلٍّ بعد ذلك إن شاء الله تعالى.
فرغم أن الهدف من تحسين الصوت والتطريب بالنصِّ (قرآن ـ غناء) التأثيرُ في المستمع وشَدِّه إلى ميدان النص ومعانيه وما يلزم هذه المعاني من أعمال أُخرى؛ فإنَّ الفرق بين التطريب في أداء القرآن ـ تحقيق أو تدوير أو حَدْر ـ وبين الغناء أو الطقوس الكنسيَّة فرقٌ شاسع، فأوَّل الفروق بينهما أنَّ التطريب القرآني يعتمد على صوت القارئ في حين يَعْتمد الغناء في جانبٍ كبيرٍ منه على الآلات الموسيقيَّة وبعض الوسائل الضوئيَّة والإلكترونيَّة من أجل الوصول إلى المشاهد أو المستمع .
يقول ابن خلدون عن الأصوات المصاحبة(الآلات) للغناء: “وقد يساوق ذلك التلحين في النَّغَمات بتقطيع أصوات أُخرى من الجمادات إمَّا بالقرْع أو النَّفخ في الآلات تُتَّخذ لذلك فتُرى لها لَذَّة عند السَّماع …”.
والفرق الثاني بين التطريب في التلاوة والتطريب في الغناء أنَّ الأوَّل يهدف إلى تحقيق السَّكينة والهُدوء والتدبُّر والتأمُّل والاعتبار والوقار والتحلِّي بالأدب والخشوع …، في حين يهدم التطريب في الغناء هذه الجوانب في المُتلقِّي. بل يبْني ما يُضادُها مِن الخفَّة والحَرَكة والهَرَج والضجيج والاهتزاز والرَّقص والخلاعة والمجون …
والفرق الثالث هو استحالة التوافقُ بين التلاوة القرآنية والمقامات الموسيقيَّة؛ لأنَّ للقرآن لفظَه وضَبْطَه، وقواعدَ تلاوته التي لا يُمكن تغييرُها للتوافق مع النَّغم أو المقام الموسيقي. ونحن نعرف أن التلحين أو التنغيم على حسب المقامات الموسيقية يتطلَّب إجراءَ كثير من الأمور التي تيسِّر عملية التلحين كتقديم وتأخير، وحذف، وفصْل ووصل، وتغيير في الضبط، ومدٍّ وتطويل، واختلاس، وكُلُّ ذلك مُمتنعٌ في الذكر الحكيم.
يقول جلال الحنفي: “وقارئ القرآن إنْ أراد أنْ يحكي قارئ المَقام وَجَب عليه أن يُفرِّط بقواعده، وفي هذا التفريط – إنْ وقع – خروج بالقراءة القرآنيَّة عن قرآنيَّتها، فإنْ ظلَّ قارئ القرآن ملتزمًا بقواعد التلاوة دون أن يُتابع قارئ المقام حَذْوَ القُذَّة بالقُذَّة فإنَّه لا يكون قد قرأَ المقام إلا بهَيئة غير هَيئة المقام…”.
ثالثًا: دور مجالس الصيِّيتة في التعليم:
قامت مجالس الصيِّيتة بأدوار مهمة، وسعت إلى تحقيق أهداف مُتعدِّدة، وقع أكثرُها في مجال نشر القرآن الكريم وتعليمه وتجويده وحفظه والإعلام بقراءاته، فضلًا عن دورها في مجال اللغة (نطقًا ونحوًا وصرفًا وتركيبًا وصياغة،…)، وقد توافقت وسائلها التي اتخَذَتها مع الأهداف المأمولة منها توافقًا عجيبًا.
ويشير السيوطي إلى أهمية طريقة التحقيق تعليميًّا وتربويًّا، فيراها ضروريَّة لترويض الألسِنة، وتقويم الألفاظ في السمع من خلال الأداء المُتكرِّر والتمَهُّل، يقول: “…وهو يكون لرياضةِ الألسُن وتقويم الألفاظ. ويُستحَبُّ الأخذُ به على المُتعلِّمين مِن غير أن يتجاوز فيه إلى حدِّ الإفراط بتوليد الحروف مِن الحركات، وتكرير الرَّاءات، وتحريك السَّواكن، وتطْنِين النُّونات بالمُبالغة في الغُنَّات …”.
ويقول عامر السيد عثمان عن الجمع بين القراءات في المجلس الواحد: “عدم الجمع بين القراءات المختلفة في التلاوة الواحدة وقصر ذلك على مقام التعليم”.
وما أشار إليه السيوطي وغيره من عيوب لا يقعُ في تلاوة الصيِّيتة في شيء إذا كانت تلاواتهم مُتْقنة؛ لأنَّ الأشياء المُشار إليها عيوب أو أخطاء في التلاوة يعرفُها أهلُ القراءات، بل عامَّة الناس، فيُحكم على الصيِّيت إذا وقع فيها بالخطأ، فتُردُّ قراءاته ولا يَستمع أحدٌ له.
يقول لبيب السعيد عن أداء القُرَّاء الصيِّيتة: “وهو أكثر المراتب اطمئنانًا، ويُؤْخذ في مقام التعليم، يُعْطي كلَّ حرفٍ حقَّه مِن إشباع المَدِّ، وتحقيق الهمزة، وإتمام الحركات، واعتماد الإظهار والتشْديدات، وبيان الحروف وتفكيكها، وإخراج بعضها من بعض …”.
ومن ناحية دور هذه المجالس في نشر القرآن فهذا أمر معروف ملموس ابتداءً من عصر النبوَّة إلى عصرنا الحالي، فقد قام النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بنشـر القرآن وتبليغه لأصحابه خاصَّة في مجالسه الخاصَّة، ثُمَّ تطوَّر نشاط مجالسه بعد الجهر بالدعوة، وقام صحابته رضوان الله عليهم بهذا الدور من بعده، وكانت مجالس الصيِّيتة صاحبة الدور الأوَّل في نشر القرآن وتعليمه، وإن كانت هذه المجالس قد أخذت أطوارًا وأشكالًا عبر القرون إلا أنَّ نشر القرآن وتبليغه كان هدفًا ساميًا لها، بل كانت هذه المجالس العدوَّ الأوَّل للجهل الذي خيَّم سنوات عديدة على بلاد الأمة الإسلامية.
وفي مجال حفظ القرآن الكريم فإنَّ هذه المجالس تعتمد منهجًا صوتيًّا يُركِّز على المقاطع الصوتيَّة ومخارجها. فإنْ جلستَ تستمع إلى “صيِّيت” مثلًا وهو يتلو قوله تعالى]ألهاكُم التَّكاثُر *حتَّى زُرْتم المَقابر[ تَجِدْه يُؤدِّيه على هيئة مقاطع صوتيَّة مُفصَّلة، يكون الحرف في أحيانٍ كثيرةٍ هو المقطع نفسه. وهذه المقاطع يُمْكن تقسيمُها وتفصيلُها سَمْعًا ونُطقًا على فترتها الزمنيَّة في التلاوة، وهذه الطريقة في الأداء تكون مِن أَبْيِن الطُّرق في التعليم لأنها تُؤمن بالضَّبط والشَّكْل والنُّطق. مع موافقة الصوت لأداء الصيِّيت الذي تُؤدِّيه ـ على أكمل وَجْه ـ الشِّفاهُ وحركةُ الرأس والعينان وأصابع اليد، وهنا تجتمع أفضلُ الوسائل حيويَّة وحضورًا وتأثيرًا وتثبيتًا بتكامل الجانب النظريِّ مع الجانب العمليِّ.
وإذا كانت مدارس التحفيظ تُركِّز على الحفظ من خلال الكلمة أو الآية أو السورة؛ فإنَّ هذه الطريقة تَصل في اهتمامها إلى مرحلةِ ما قَبْل الكلمة، حيث تهتم بمرحلة الحرف وما أصغر منه كأصوات المَدَّة، فضلاً عن تركيب الحرف الواحد في أكثر مِن مقطع صوتي، ومع الإعادة والمَدِّ وتغيير القراءة ـ مِن حَفص مثلاً إلى الكسائي إلى ابن عامر ـ لا يُمكن بأيَّ حال مِن الأحوال أنْ تَتَزَحْزح حركةٌ مِن مكانها أو مَدَّة أو سكونٌ، فضلاً عن الحروف والكلمات والآيات.
ومن ناحية الإعلام بالقراءات فقد كانت مجالسُ الصيِّيتة هي المخرج الحيُّ الذي سلكَتْه القراءات للخُروج من صفحات الكُتب الصمَّاء إلى صَفْحات الحياة الواقعية الحيَّة. بل إنَّ هذه المجالس كانت المَظهر الوحيد الذي ظلَّ حيَّاً في عالم القراءات عبرَ أربعةَ عشرَ قَرْنًا مِن الزمان في المشرق والمغرب، لِمَا تُمثِّلُه القراءات مِن أهمية في فهم النص والمقاصد الشـرعية وأمور الفقه. وبلغتْ هذه الطريقة في التعليم والأداء قوَّةً حيثُ تخطَّت حدود طلاب العلم ووَصلتْ إلى عامَّة الناس، فأصبح عامة النَّاس يُردِّدون تلك التلاوات بقراءاتها المختلفة دون معرفة علميَّة بها.
ومن ناحية تعليم اللغة نحوًا وصرفًا فقد كانت تلك المجالس مجالًا خصبًا للتطبيق المباشر والعمليِّ لآراء النُّحاة في مدرستي البصـرة والكوفة على وجه الخصوص، فعن طريق هذه المجالس انتشرت قواعد النحو العربي إضافةً إلى آراء العلماء في الجائز والمقبول والشَّاذ، فمِن المعروف أنَّه عن طريق القراءات تولَّدت قواعد جديدة للنحو العربي وعن طريقها أيضاً أُيِّدَت قواعد نحويَّة أخرى، ورُدَّت ثالثة، وترتَّب على ذلك وجودُ عِدَّة وجوهٍ إعرابيَّة في الآية القرآنيَّة الواحدة.
أما وسائل تحقيق هذه الأهداف فهي متنوعِّة ، لكنَّها جميعًا تقوم على المُشَافَهة أو التلقِّي المباشر، ففيها تُقدَّم القاعدة التعليميَّة مشفُوعة بالتطبيق العمليِّ، فالقرآن نصٌّ لُغوي يتم تعلُّمُه بالنُّطق أو القراءة الصوتيَّة المسمُوعة؛ لأن كثيرًا من كلمات القرآن وقواعد التلاوة والتجويد التي وضعها العلماء لا يَتِمُّ تعلُّمُها أو التدريب عليها إلا بمنهج صوتيٍّ يعتمد على المُشافهة والتلقِّي المُباشر.
وعلى سبيل المثال فإنَّ الحروف المقطَّعة في فواتح السور مثل: “ألم” أو “ن” أو “ألمص” أو “كهيعص” أو “ألر” أو “ق” …، كل هذه وغيرها لا يمكن قراءتها إلا بالمشافهة أو التلقي المباشر، أمَّا علامات ضَبط التلاوة فلا يمكن استخدامُها أبدًا إلا بتدريب صوتيِّ مكثَّف، لهذا فإنَّ بعض كلمات القرآن إذا قُرئت دون معلم مباشر فإنَّ لفظ “ألم” في أوَّل سورة البقرة سيُقرأ خطأ كذا “أَلَم” على هيئة الاستفهام المنفي. والصواب أن تقرأ حروفًا مقطَّعة صوتيًّا كذا “ألف لام ميم”. وعلى العكس من ذلك فإن لفظ “ألم” في أول سورة الشرح قد يقرأ خطأ على هيئة حروف مقطَّعة. والصواب أن يقرأ لفظًا واحدًا كذا”ألم” لأنه استفهام منفي.
يقول ابن الجزري: “ولا أعلمُ لبلوغ النهاية في التَّجويد مثل رياضة الألسُن والتكرار على اللَّفظ المُتَلقَّى مِن فَمِ المُحْسن، وقاعدتُه ترجع إلى كيفيَّة الوقف والإمالة والإدغام وأحكام الهَمْز والترقيق والتفخيم ومخارج الحروف …” .
ومن الوسائل التي يستعين بها الصيِّيتة في تحقيق أهدافهم وسيلةُ التكرار، فالصيِّيت يتلو بعض آية، ثُمَّ يُعيد هذا البعض ضِمن الآيةِ كُلِّها، ثُمَّ يُعيد الآية مع التي تَلِيها، ثُمَّ يُعيد الآيتين مع الثالثة، دون اشتراط لذلك، وقد يقرأ الآية مرَّة واحدة .
وهكذا تتكرَّر الكلمات على السَّمع مرَّاتٍ ومَرَّات، ليس هَذا فحَسْب، بل إنَّ القارئ بعد تمام تلاوة الآيات بطريقة ما تجِدُه يُعيد القدْر السابق بِقراءةٍ أُخرى؛ حتَّى تستقرَّ الآيات في قلب سامِعِها، والقارئ المُتمكِّن مِن القراءات السَّبْع وغيرِها قارئٌ له مكانة كبيرة بين عامَّة المستمعين وخاصَّة القُرَّاء، فالعارف بالقراءات العالم بها يُسجِّل نقطة إيجابيَّة في سِباق طلب الصيِّيت في المناسبات المختلفة .
ومن الوسائل كذلك معرفة “الوقف والوصل” . وهما يخضعان لمؤثِّرات عديدة ، منها رسم المصحف، ومنها ما قاله علماء القراءات وطبَّقَه الصيِّيتة تطبيقًا حرفيًّا، ومنها ما زاده الصيِّيتة من عند أنْفُسِهم لما فيه من معنىً بديع، فتوقَّفوا أو وصلوا لزيادة معنى أو لدفع لبس. وهذا الأمر يَرجعُ إلى قُدرة الصيِّيت على اكتشاف المعاني وتمييزها ولمح أدبيَّتها، بما يتوافق مع الشَّرع الحنيف، وهذا باب كبير يُسمِّيه علماء القراءات “الوقف والابتداء” ، وليس مِن باب المغالاة قولنا إنَّ الوقف والابتداء في أداء الصيِّيتة يُمثِّل فِقْه التلاوة، ولولا هذا ما اهتمَّ به القدماء مِن العلماء وجعلوه مِن أهم أبواب علوم القرآن، فابتداء المقطع وإنهاؤه له دور بارز في جمال الأداء، وعلى ذلك يحدث بعض التفضيل بين قارئ وقارئ.
يقول لبيب السعيد: “وعندنا أنَّ سلامة الوقف والابتداء في قراءة القرآن، وصِحَّة التفخيم في تلاوته، والنشاط القلبي للقارئ، وفِقْهه للمواقف، ومُسايرة صوتِه للمعاني القرآنية …، كُلُّ ذلك هو مِن أهم وسائل “التلحين الخاص” التي تجلو المعاني القرآنيَّة، وتكْفُل بلوغها إلى العقول والقلوب”.
رابعًا: حقول التلقِّي في مجالس الصيِّيتة:
تقوم مجالس الصيِّيتة على عدَّة عناصر باعتبارها خطابًا إلهيًّا، ويقوم الصيَّيت بدور ما في هذا الخطاب(الأداءً)، ويقوم المستمعون بدور المتلقِّي، وتكون مادة الخطاب حينئذٍ هي النص القرآنيُّ، وبذلك تكتمل عناصر الخطاب الثلاثة: مخاطِب ـ متلقٍّ ـ نص. ويضاف إلى ذلك عوامل أخرى تصنع من عمليَّة الخِطاب نجاحًا أو فشلًا، ويهمنا في هذه النقطة توضيح موقف المتلقِّي (المستمعين) في إيجاز واختصار.
وقبل أن أعرض لموقف المُتلقِّي من هذه التلاوات في مجالس الصيِّيتة أعرض ما قاله الزَّرْكَشي لما ينبغي أن يكون عليه حال القارئ ـ والسامع ـ عندما يتلو آيات الذكر الحكيم.
يقول الزَّرْكشي: “وينبغي أنْ يَشغل قلبَه في التفكُّر في معنى ما يلفُظ بلسانه، فيعرِفُ مِن كُلِّ آيةٍ معناها ولا يُجاوزُها إلى غيرها حتَّى يعرف معناها، فإذا مَرَّ به آيةُ رحمة وَقَفَ عندها وفَرِحَ بما وعده الله تعالى منها، واستبشَرَ إلى ذلك وسَأل الله برحمته الجَنَّة، وإنْ قرأ آيةَ عذاب وَقَفَ عندها وتأمَّل معناها، فإنْ كانت في الكافرين اعترَفَ بالإيمان فقال: آمنا بالله وحْدَه وعَرَفَ مَوضِعَ التَّخْويف، ثُمَّ سأل الله تعالى أن يُعيذَه من النَّار، وإنْ هو مَرَّ بآية فيها نداءُ للذين آمنوا فقال: “يأيُّها الذين آمنوا” وقَفَ عندها، وقد كان بعضهم يقول: لبَّيْك وسَعْديك …”.
ومن يتابع كلام الزَّرْكشي في البرهان (فَصْل :” آداب تلاوته وتالِيه وكيفيَّة تلاوته ورعاية حقِّ المصحف الكريم) يَجدْ أن رَدَّ فعل المُتلقِّي سواءً أكان قارئًا أم سامعًا لا يقتصر على التدبُّر والتأمُّل …، وإنَّما يتعدَّى إلى مظاهر فعليَّة عديدة وكثيرة تصلُ إلى قطع التلاوة، ومُمارسة أفعال حركيَّة أو دَعَويَّة ووعظيَّة، بناءً على إنصاته واستماعه لهذه الآيات.
وتتمُّ عمليَّة التلقِّي في مجالس الصيِّيتة على أعلى مستوىً من الترتيب والتنسيق والفهم والتحليل والعُمق. وإذا لاحظنا حركة الصيِّيت مع حركة المُتلقِّين في تلك المجالس يُمْكننا القول بأنَّ الأداء مع التَّلقِّي يتوافقان توافقًا تامًّا: أداءً وكلمة وحرفًا وحركة، وينمو التلقِّي ليصل إلى أعلى ذِروة ممكنة من التمثُّل إقبالًا وانصرافًا، ورغبةً ورهبةً، وخوفًا وطمعًا …، ومن مظاهر عملية التلقِّي النَّامي أنه ما من آية نفاقٍ تمُرُّ على المتلقِّي إلا ويُفتِّش عمَّا يَتوفَّر في نفسه من نفاق، وما مِن آيةِ رحمة إلا ويُفَتِّش في نفسه عمَّا يَستوجِب الرَّحْمة من الله، وما من آيةِ عذاب تسوقُ عذابًا إلا ورآها تستهدِفُه لِمَا بَدَرَ منه من آثام. ويظلُّ المُتلقِّي يحيا مِن أوَّل التلاوة إلى آخرِها حالاتٍ مُتعددة مِن الإماتة والإحْياء والتَّطْهير والتهذيب إلى أن يقول القارئ: “صدق الله العظيم” مُعلنًا نهاية التلاوة.
وإنْ كانت نظريَّة التلقِّي “نَبَذَت ما هو مُحدَّد سَلفًا لا لرغبة في المغايرة مجرَّدة، وإنما لأنَّ الأمر مُرتبط بفلسفتها الرامية إلى نبذِ المعرفة المُتَّصلة بالذِّهن سلفًا والتعويض عنها بعلاقة حواريَّة تهدف إلى استقراء ما يحدثُ للقارئ وهو يتلقَّى النص وكيف يصلُ بنفسه إلى حلقات المعرفة وطبقاتها”، فإنَّ المتلقِّي في مجالس الصيِّيتة يَجْمع بين ما هو مُحدَّد سلفًا، وما يتمُّ تحصيله أو استقراؤه في أثناء التلاوة، ويكون ما هو معلوم أو مُحدَّد سَلفًا مُوجِّهًا لما يُكوِّنه المُتلقِّي أثناء الخطاب؛ فيأمَن بذلك مِن الوهْم وسوء الفهم والتِّيه والتخبُّط والتأويل اللانهائي.
وطالما كان الصيِّيت تاليًا فإنَّ المُستمعين سُكُوتٌ وإنْصات واعتبارٌ وتأمُّل وتدبُّر وتفكُّر. فإذا ما انتهى الصيِّيت من أداء الآية أو الآيات بدأت عمليَّات التلقِّي في الاندفاع لتُعبِّر عن جمال الأداء وعُمق التأثُّر بجمال التلاوة أداء ومعنى.
وتنقسم مظاهر التلقِّي إلى عِدَّة حُقول لفظيَّة يمكن تقسيمها إلى ثلاثة حقول كما يأتي:
1 ـ حقل الآية (النص المَتْلُوُّ): وفيه يُعبِّر المُتلقِّي عن تأثير النصِّ المَقْروء عليه، فتنطَلِق جُملٌ تُعبِّر عن ذلك مثل عبارات التَّسْبيح والتهليل والتكبير، فيقول مثلاً: “سُبحان مَن هذا كلامه” أو “لا إله إلا الله” أو “الله” أو “تَجَلِّي” أو “الله أكبر” أو “اللهُمَّ صلِّ على النبيِّ” أو “صَلِّي على مُحمَّد”. وفي كُلِّ التسجيلات التي يُقدِّمُها الصيِّيتة لا تجد أكثر من كلمة “الله ” بعد كُلِّ أداء صوتيٍّ، مَرَّة أو مرتين أو ثلاثة، وهي الصوت الغالب أو الجماعي، وما دون ذلك فاجتهادات فرديَّة مِن المُتلقِّين، وتشعُر إذا كنتَ جالسًا في الحفل بعد نُطْق المتلقين بكلمة “الله” أنَّ المجلس كُلَّه مع الله قلبًا وقالباً.
2ـ حقل الصيِّيت: وفيه يُعبِّر المُتلقِّي عن سعادته بأداء الشيخ أو القارئ، وغالبًا ما تأتي كلمات هذا الحقل بعد الكلمة الجَمْعيَّة “الله” التي تعدُّ أساسًا في الحقل الأوَّل، وأغلب جُمل حقل الصيِّيت يَصدُر مِن المقرَّبين للصيِّيت أو تلامذته ومُلازميه أو محبِّيه، وغالبًا ما يقوم هؤلاء بإبراز عبارات العَظَمَة في الأداء والجَمال والتَّمَكُّن والاقتدار، أو الدُّعاء للصيِّيت، وكُلُّ ذلك يَصُبُّ في حقل التشهير بالصيِّيت وإظهار مكانته. فتسمعَهُم يقولون “الله يا أستاذ” أو “الله عليك” أو “يا أُستاذ الكُلِّ” أو “الله يزيدك” أو “الله يرضى عليك” أو “الله يفتح عليك”…
3ـ حقل المُتلقِّي (المستمع): وفيه عبارات الدُّعاء سواء أكانت طلبًا للخير أم استعاذة من الشَّرِّ، كرجاء الجنَّة أو الاستعاذة من النار، ويكثر ذلك عند سماع آياتِ وَعد أو وَعِيد، وما أكثر ذلك في آيات القرآن الكريم. وهذا الإطار أو الحقل ممتد زمانيًّا مع كل استماع يلي المجلس، فكل من يستمع إلى تسجيلات الحفل أو المجلس يدخل في هذا الإطار ولو بعد مئات السنين.
حين يسمع المُتلقِّي الصيِّيت وهو يتلو مثل قوله تعالى:﴿ربَّنا هب لنا من أزواجنا وذُرِّياتنا قُرَّةَ أعيُن واجْعلنا للمُتَّقين إمامًا﴾ أو ﴿إنَّ الذين سَبَقَت لهُم منَّا الحُسْنى أولئك عنها مُبْعدون﴾ أو﴿رَبَّنا اغْفِرْ لي ولوالديَّ وللمؤمنين يومَ يقوم الحساب﴾ ترى ردَّ المُتلقِّي ما بين “آمين” أو “اوْعِدْنا” أو “يارب”…
فإذا قرَأ الصيِّيت مثل قوله تعالى:﴿واقترب الوعْدُ الحقُّ فإذا هي شاخصةٌ أبصارٌ الذين كفروا يا ويلنا قد كُنَّا في غفلة مِن هَذا بل كُنَّا ظالمين﴾ أو﴿يأيُّها الناس اتَّقُوا ربَّكم إنَّ زلزلة الساعةِ شيءٌ عظيم﴾ أو﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهُدى فما ربِحَت تجارتُهم وما كانوا مُهتدين﴾ أو﴿إن المُنافقين في الدَّرْك الأسفل مِن النار ولَن تَجِدَ لهم نصيراً﴾؛ لا تسمع إلا الاستغاثة أو الاستعاذة أو الاستعانة بمثل قولهم: “أعوذ بالله” أو”نجِّنا يا رب” أو “غِثْنا يا كريم” أو “اللهُمَّ جنبنا النار”.
أما إذا سُمِعت آيات العبر والقصص مثل قوله تعالى في آيات سورة القَصَص عند الحديث عن قارون:﴿إنَّ قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم …فخَسَفنا به وبداره الأرض فما كان له مِن فئةٍ ينصرونه من دون الله وما كان من المُنتصـرين﴾؛ لا تسمع إلا كلمات التعجُّب والدهشة والندم مثل قولهم: “لا حول ولا قوة إلا بالله” أو قولهم “سبحان الله”، ورُبَّما يتلو القارئ قوله تعالى: ﴿كُلُّ من عليها فان *ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾، أو قوله تعالى:﴿كُلُّ شيء هالكٌ إلا وَجْهَهُ له الحكم وإليه تُرجعون﴾ فتجد الأفواه تُردِّد “سبحانه وتعالى” أو “سبحان مَن له الدوام”.
خاتمــــــــة:
ـ وأخيرًا، إلى أين تتجه مجالس الصيِّيتة ؟
وصلت فكرة الصيِّيتة في الآونة الأخيرة إلى طريق ضيِّق؛ نظرًا لما يحدث في ساحتها من إسفاف ومغالاة وتمثيل وبهرجة؛ إذ تحوَّلت بعض هذه المجالس عن طريقها وهدفها، وكان هذا التحوُّل بفعل المقرَّبين الذين يُؤثرون مصالح أُخرى غير التلاوة والإمتاع والإبداع. فتسمع من هؤلاء عبارات الإعجاب المتوالية بالصيِّيت، وقد يتحوَّل الأمر إلى ضجيج وفساد وهرج ممقوت، إذ يقف البعض ويرفع يديه ويصيح. وقد يكون الصيِّيت ضعيف الأداء، قبيح الصوت، غير مُلتزم بآداب التلاوة ، ومع ذلك ترتفع الأصوات تحاول خداعك! لكن الذوق العام يرفض ذلك كلَّه، وللأسف يُشكل هذه الصورة بعض الجَهلة الذين لا يدرون أنَّ للقرآن آدابًا، ولا يعرفون أنَّ للتلقي أسباباً، فضعفت الفكرة ولاقت صدودًا من المثقَّفين والمتديِّنين وبعض العلماء، وراح الجميع يبحث عن التسجيلات القديمة التي انطلقت من بدايات القرن الرابع عشر الهجري إلى نهايته.
يقول جلال الحنفي البغدادي: “…ومسألة التلاوة المنغَّمة مسألة مفروغ من الكلام على ثبُوتها، وما ورد من تحريم ذلك إنَّما أُريد به إنكار مُجاوَزة الحد في التنغيم، والخروج من إطار العبادة إلى التطريب، فلقد وجدنا في أيَّام زماننا من يفعل ذلك، فتبدو التلاوة على لسانه وكأنَّها نُزع منها الوقار بالمرَّة”.

نتائج البحث:
من العناصر البحثيَّة السابقة تبيَّن لنا أنَّ مدرسة يمكن أن نُطلق عليها “مدرسة النغم، أو مدرسة الصوت الجميل”، وقد نمت هذه المدرسة وترعرعت مع بداية الدعوة الإسلاميَّة وتَنزُّل الوحي. وتعدَّدت صور الأداء في هذه المدرسة بين شرق العالم الإسلامي وغربه، وكان من ثمارها في تطور تاريخيِّ ما يسمى “مجالس الصيِّيتة” ، تلك التي اتخذت لنفسها صورة ما تؤدي من خلالها الذكر الحكيم، في أداء صحيح وصوت عذب جميل، وترنم شجيٍّ يصل بآي القرآن إلى وجدان الأمة في يُسرٍ وجمال وخشوع .
ومدرسة “الصيِّيتة” هي الأخرى مرَّت بتطورات متعاقبة وتأثَّرت بمؤثِّرات دينيَّة وسياسيَّة واجتماعيَّة عديدة، حتى وصلت إلى صورتها المكتملة في بدايات القرن الرابع عشر الهجري (العشرين الميلادي). وقامت هذه المدرسة عبر تاريخها بدور فاعل ومؤثِّر في خدمة القرآن الكريم وعلومه المختلفة، وعلى رأس تلك العلوم “علم التجويد”، بل امتدت إلى علوم عربيَّة أخرى كعلم النحو على سبيل المثال.
ومن هنا يمكن أن نجيب على سؤال البحث أو مشكلته فنقول: إنَّ مجالس الصيِّيتة لم تكن عبئًا أبدًا على عصورها الثقافيَّة التي نَمَت فيها، بل كانت تمارس دورًا ثقافيًّا إعلاميًّا من أعلى الأدوار التي يمكن أن يقوم بها نشاط اجتماعي آخر، بل نافست وقاومت نشاطًا اجتماعيًّا هدَّامًا في كثير من صوره هو نشاط الغناء ولوازمه من موسيقى ورقص ومجون.
يقول جلال الحنفي البغدادي عن المصحف المرتَّل “التلاوة المُرسَلة” وتغليبه على طريقة الصيِّيتة في الأداء “المنغَّم”: “غير أن تغليب هذه الطريقة في التلاوة على التلاوات المنغَّمة أمر يجب التنبُّه له والحيلولة دون إقراره، فإنَّه لو أُقِرَّ لأضعنا به ثروة عُظمى من النَّغم الذي ترعرع في محافل التلاوة ومحاريبها مئات السنين”.
وأخيرًا، فهذه الدراسة لَبِنة أولى في دراسة هذه الظاهرة “مجالس الصيِّيتة”، تلك التي لم يلتفت إليها أحدٌ من الباحثين – على حد بحثي – دراسة وتأريخًا، خاصة علماء الصوتيَّات واللغويات الذين يلهث بعضهم وراء نفايات غربيَّة لا تُسْمن ولا تُغني من جُوع، وإذا تَمَّ جمع التراث الصوتيِّ للقرَّاء الصيِّيتة وخاصَّة في بيئات أُخرى جديدة لم يتطرَّق إليها البحث كالعراق واليمن والمغرب، فإنَّ لبنات ولبنات سوف تُوضع في هذا البناء الشامخ، الذي يُمثل رُكنًا أساسًا في علوم القرآن الكريم، وأخصُّ بالأهمية الجانب الصوتيَّ لهذه الظاهرة، فقد قام بدور ثقافي بارز في عصور مختلفة من تاريخ الأمَّة الإسلاميَّة.

28

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق