قراءات ودراسات

تجدد الأسطورة في رواية “حياة.. حينانا”

 أحمد غانم عبد الجليل

“أنا حياة، ولست إنانا” ص 354

تصر بطلة رواية “حياة.. حينانا” الصادرة عن (دار فضاءات، عمان 2021) للأديب العراقي حسين السكاف، على إنها ليست تجسيدًا لشخصية عشتار الراسخة في الميثولوجيا العراقية، معلنةً تمردها مرة تلو الأخرى على ما يرسمه الآخرون لها كإطار عليها الخضوع إلى مساحته الضيقة ضمن التقاليد والأعراف والضغوط الاجتماعية… تمرد أعلن عن نفسه بوضوح، منذ أن كانت صبية وقد تفتح وعيها على “لعبة الجنس السرية” بين والديها، لتبدأ رحلتها الطويلة والشاقة في البحث عن سر السعادة لفتاة شبّت مع بدء الحرب الطويلة مع الدولة الجارة (إيران) وما فرضته من تغيرات حافلة، ألقت بتداعياتها على تفاصيل حياتية نلمسها داخل أحداث الرواية منذ البداية.

حين صارت الحرب “تُهدي” بسخاء بطون المدن القلقة برائحة البارود صناديق الجثث، ومع ارتباك البنية الاجتماعية وتخلخلها بوضوح مخيف… أينع صدر الفتاة، كنزها الثمين المتواري تحت “السوتيان” ليكون مصدر الغواية المنتشية التي تُفرحها كثيرًا وهي تلمحها في أعين الرجال، بحاسة الأنثى المتنامية بسرعة لافتة وصلت حد الاستفحال لتقصي روائح الشهوة المنبعثة من أجساد أسرى سحرها الفتي… من هنا ينبثق السؤال الذي صار يلح عليها كل حين لتتيقن من إجابته من أحد أولئك المفتونين وإن حاولوا مداراة عيون الشهوة عنها قدر المستطاع في مجتمعٍ تسخر من ازدواجيته المتزايدة وسط صخب الخطابات المهللة بالانتصار دومًا.

“هل تعتقد إن لكل رجل رائحته الذكورية التي تميزه عن بقية الرجال، كما بصمة الإصبع؟” ص 71

رائحة الاشتهاء الرجولية، المقترنة في ذهن “حياة” بتفصيلات يومية محببة أو منفرة، وظفها المؤلف بسخرية لا تنقصها المتعة… رائحة ” الحطب اليابس… الخبز الساخن… الرز المبزول… الحرب البعيدة… الكرز… التمر المكبوس… كعكة عيد الميلاد…” وروائح أخرى، تتنقل بينها بطلة الرواية ضمن مفارقات وشهوات ومغامرات تقود إحداها إلى الأخرى في حالة ارتباك أكثر مما هي خيارات عن اقتناع حر، تعكس على الدوام حالة عدم الاستقرار النفسي خلال حربٍ تتطلب المزيد من الأرواح وقودًا يدعم استمراريتها عند خطوط القتال، في حين تجد الفتاة في المرآة التي تتخذها صديقةً ومكمن أسرارها، شاشة عرضٍ تطلق أمامها شهواتها المتصاعدة مع تصاعد وتيرة الموت في الجبهات البعيدة.

“كلما كبرتُ كانت الحرب تكبر… كلما اكتنز جسدي شباباً وحيوية، كانت الأرض تكتنز شباباً أيضاً، ولكن بصورة جثث اغتيلت أحلامها” ص 72

ضمن إيقاع منتظم تمضي بنا صفحات الرواية عبر شخصياتها ومشاهدها المكثفة نحو عالم أكثر تعقيدًا تطأه “حياة – إنانا”… الحروب والنشوة، الأسواق المركزية، التجارة في السوق السوداء، هوس السيد اللواء، المطربة المعتزلة قهراً، ومدير البنك الهائم بالجسد متقد الشهوة… وصولاً إلى الانعزال المتراكم عن جو العائلة والبراءة التي كانت. نفور متعاظم يفرز المزيد من الضياع الذي سرعان ما يلتقطه رجال السلطة الأمنية، خلال عقد الثمانينيات خاصة، من أجل استثماره لحماية النظام الديكتاتوري عبر تقديم المغريات المادية والسلطوية المُلغية للعقل والمنطق، إذ تجد “حياة” نفسها تتصرف كالإنسان الآلي المبرمج بعيدًا عن المشاعر التي توجب الالتزام الأخلاقي من أجل خدمة السلطة، من ناحية أخرى تبقى “حياة” فياضة الحنان تجاه من يمر بحياتها، ولو من دون سابق معرفة، ضمن ازدواجية مركبة تأخذنا في حبكة سردية متداخلة تغور في كواليس بلادٍ صارت مثل جبال الجليد، يحرص الكاتب على عدم ذكر اسمها أو اسم أي من مدنها، لتأخذ الأسطورة بعدًا أكثر، لا تحتجزها حدود وطن بعينه، وبهذا يتجنب الكاتب ذكر الكثير من التفاصيل التي يمكن أن تثقل السرد المندفع نحو الأمام وفق بناء سردي يستمر في تشعبه بانتظام مدروس، مع دقة الانتباه لنقل المشاعر والتفاصيل بما لها من مؤثرات يتحسسها القارئ ولو عبر إشارات تحدد أجواء الأماكن على تنوعها داخل وخارج الوطن، حيث تجد بطلة الرواية نفسها تحلّق بعيدًا إلى أرضٍ غريبة وبعيدة، هناك تخبر نوعًا جديدًا من الحياة والعلاقات، والاستلاب أيضًا، بينما يدخل وطنها نفقًا من الاغتراب… ورغم أنها تدخِر خطة متكاملة لحياتها الجديدة رسمتها لها جهة أمنية مخفية عن العيون، تتعلم خلالها لغة العصافير الحرة، لا المدجنة على كتابة التقارير وفضح الخبايا، وتلفيق التهم إن لزم الأمر.

“صار “الوحش” برائحة البيرة يقبّل جيدي ويمص حلمة أذني اليمنى، وفي لحظة شعرتُ بحرارة حارقة مصحوبة بلذة لم أعرفها من قبل… صرختُ دون إرادتي، ثم همدت أنفاسي، لأسمع صوت المذيع معلناً احتلال حرس “بطل الحروب” الجمهوري، دولة صغيرة تحد بلدي جنوباً.” ص 302

هي ذاتها صارت، دون دراية منها، مرآةً تعكس الجنون السلطوي الذي ظلت تعمل لأجله حتى وهي تتذوق حقيقة الحب أخيرًا، حب يتعانق فيه الجسد مع الروح، دون اعتراف بالضوابط التي فرّت منها مبكرًا، وهي ترسم لنا صورة الأم “والدتها” كرمز للتسلط الذي خلفته وراء ظهرها، رغم أنها تجاوزت مرحلة المراهقة ونزقها وصارت شخصية مستقلة مسؤولة عن نفسها ولها الحرية أن تفعل ما تشاء، ففي بلاد المهجر تنقطع صلتها بعائلتها تمامًا سوى اتصال هاتفي كل فترة، هدفه الأساس تمشية بعض الأمور، حتى الأب الذي كان يمثل لها الحب والحنو الذي يجذب الفتاة نحو أبيها، كأفضل رجلٍ في العالم ولا توجد امرأة تستحقه أو تستحق حبه، صار بمثابة رمز للطبقة الوسطى المثقفة، إذ يعمل أستاذًا جامعيًا، كما صار أيضاً بمثابة الصوت الذي يظهر الحقيقة للقارئ، حقيقة الانحدار الذي آلت إليه “حياة” وهو يراها تبتعد عن صفوف الدراسة وتخرج وتدخل دون الالتزام بضوابط الوقت، أو بحججٍ واهية ليس له سوى تصديقها ولو عن غير اقتناع، فيعطينا صورة عن انقلاب الموازين والمفاهيم الاجتماعية التي جعلت من ابنته الكبرى سيدة أعمال وسلطة، ومن ثم تسافر للاقتران بشخصٍ لم يره حتى، وتلك إشارة دلالية تستبق سنوات الحصار، فالمجتمع العراقي بدأ حصاره، غير المعلن، قبل ذلك بسنوات، حصار داخلي عمل على تغييب، أو على الأقل تهميش، تلك الطبقة، التي أطلق عليها، ككثيرين، مصطلح “رمانة الميزان”، بكل ما تتضمنه من ثقافة ورؤى ومطامح يمكن أن تكون مصدر قلق لأي نظام ديكتاتوري تجسدت صورته الشوهاء عبر كل الشخصيات دون استثناء.

“ست سنوات كانت كافية لجمع هذا المبلغ من عملي… بالإضافة إلى بعض الأموال التي أتتني نتيجة تمشية معاملات بعض الأشخاص اعتماداً على خبرتي القانونية… انهمرت دمعتان من عينيّ أبي بصمت قاتل…” ص 277

في السويد ترتحل بالأسطورة التي تتلبسها، دون قصد منها، إلى منحى جديد يمثل طورًا مختلفًا عن الأطوار التي عبرتها لتصل إلى وهج الالتقاء بين التناقضات التي تتحكم في شخصيتها وتدفعها جهة بلوغ الحكاية أوجها، تتجلى إشكالياتها من خلال علاقتها بالروائي والصحفي “المنفي” المستهدف من قبَل الجهاز الأمني الذي أوفدها إلى الخارج كي تندس بين شخصيات وأحزاب المعارضة الفاعلة ضد النظام، مما يعطينا صورة عامة عن الملابسات التي تكتنف الصورة السياسية الآخذة في التعقيد حينًا بعد حين والذي يجسدها الكاتب حسين السكاف من خلال انفعالات الشخصية المحورية، سيدة العشق والغواية، دفق الحياة واستمراريتها، وغموضها وغدرها في ذات الوقت.

في المشهد الدرامي الأخير للرواية، تحتفل “حياة” أو “حينانا” كما صار يسميها حبيبها الكاتب والصحفي، احتفالاً افتراضياً، حيث جمعت أهم الرجال الذين مرّوا بحياتها على شكل صور شخصية ألصقتها على الكراسي، فأنشدت كلماتها بزهو واضح: “أحتفل اليوم بصحبة أصدقائي، أصدقاء الذكريات والحياة الضبابية غير الواضحة، أصدقاء لم يجدوا فيّ إلا فاكهة شهية يجب قطفها والتلذذ بطعمها، منكم من تلذذ بخياله، ومنكم من ذاق حلاوة “قشرة” فاكهتي، ومنكم من ذاقها كما يجب وغص متلذذاً برحيقها…” ص 401

ولأن ثنائية الحياة والموت حاضرة بقوة في الميثولوجيا العراقية فقد وجدت “حياة” خطر الموت يكمن في نشوة الحياة المفترشة صدرها، رمز أنوثتها الذي كان دومًا مرمى العيون التي تعرف كيف تُسَخِّر أصحابها لما تريد هي، “حينانا” الفتاة المتشوقة لحكاية غرام لا تتخفى خلف الأبواب المغلقة، تفتح أبواب عالم حريتها لتنطلق نحو عالم آخر، لا أحد يعرفه، ليخلّف اختفاؤها لغز الوجود وسحر الحكاية في نهايةٍ مفتوحة تهب النص أكثر من تأويل يتداخل فيه التحليق الأسطوري مع تجليات الواقع.

“الحب صورة مفرحة لا ينقصها الجمال، لكن، عالمنا يفتقر إلى جدار ٍ نَظِيف، جدير باحتضانها…”

ص 385

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق