ثقافة السرد

المذبحة

للكاتب الأميركي اللاتيني: بليك سانز**  ترجمة: أحمد ضحية

أخبرني والدي المحتضر وصديقه فيسينتي، رئيس البلدية السابق، أنني إذا أرَدت الكتابة عن قصص المذبحة، فعلي إذن أن أتعقب قصة أحد المزارعين؛ يعيش في قرّية ساحلية.. ومن ثم قادنا فيسينتي، في سيارته الفولكس فاجن؛ البيتلز الخضراء القديمة، إلى لاكوستا إزميرالدا.
كان والدي يتنفس في مقعد الراكب المجاور لمقعد السائق. فيما كنت أنا أجلس على المقعد الخلفي.
في الطريق كنت أفكر؛ في سيرّة حيّاة هذا المزارع؛ التي كنا نلاحقها.. كان في شرطة مكافحة الشغب، في لانوش دي تلاتيلولكو، عندما وقعت المذبحة؛ خلال دورّة الألعاب الأولمبية، في مكسيكو سيتي عام ١٩٦٨. قال فيسينتي، باقتضاب:
“سن دودا”
فقلت:
“لقد قتل الكثير من الناس في ذلك اليوم. إنه مزارع عجوز جداً الآن يا عمي”.
التفت أبي نحوي، وقد ارتفع حاجباه ثم ابتسم، فتساءلت ترى هل هو متحمس حقاً لهذه التفاصيل؟!..
منذ أن فقد أبي وظيفته، وأصبح بلا مأوى، كنت لا ألتقيه إلا عندما يجتمع الأقارب. ورغم أنه كان مؤذياً عكسنا أنا وأمي، إلا أن تعابيره؛ التي كانت تُفصح عن استعداد دائم للمغامرّة، جعلتني أشعر شعوراً كاذباً؛ بأنني أشبهه كثيراً.
خلال كل تلك السنوات، التي أنفقتها والدتي في تربيتي، ثم عملي بعد ذلك في لويزيانا، بالكاد عرفت هذا الرّجل، لكن قيل لي الكثير عنه، وعن روح المغامرّة التي تتملكه. والتي كانت هي الشيء الوحيد، الذي تمنيت أن يربطنا معاً، لكن ذلك لم يحدث أبداً!
دلفنا من الغابة القريبة من الساحل، إلى بلدة صغيرّة تسمى كازنس. كانت الكلاب الضالة بأضلاعها البارزة، تتجول على الطريق، والمنازل المهدمة، المبنية من الطوب؛ قد انخفضت تحت الوزن الخفيف، الذي ناءت تحته؛ أسقفها المصنوعة من الصفيح، والنساء اللواتي يرتدين فساتين طويلة وكن يحملن السلال، وهن ينظرن إلينا بلا مبالاة ونحن نمر! فيما كف الأطفال الحُفاة، عن ركل كرّة القدم، وتوقفوا ليشاهدونا، كما لو كنا موكب جنازة؛ يحمل بعض القتلى المشهورين في شوارعهم!
رفع أحدهم يده في مواجهة فيسينتي، فتراجع الأخير بالعربة إلى الوراء.. انتشرت الحفر على الطريق الترابية، التي تلتقي بالشاطئ؛ كحرف تي الانجليزي، وانجرف البحر البُني على الصخور التي تجاورّه.. كان يوماً بارداً، من أيام ديسمبر، جعلته الغيوم المتكاثفة أكثر برودة.
انعطف فيسينتي انعطافة حادة إلى اليمين! حتى بدا أننا قد نصطدم بالأمواج.. نظرت خلال الفراغ بين رأسه ورأس أبي، خلال الزجاج الأمامي.. رأيت اللون الرّمادي للسماء، والتل المرتفع المكسو باللون الأخضر والصخري، بجانب الخط الساحلي..
مررنا بفندق مهجور، أفسد الزّمن والإهمال جماله، كانت ساحته لا تزال مليئة بالكرّاسي والطاولات البلاستيكية! بعد ذلك، صادفنا رّاعي غنم؛ وبوابة محلية الصنع.
أوقف فيسينتي العربة وخرج. التفت والدي يسألني عن رأيي في كل هذا، وأعجبني سؤاله الذي جعل من عمليتنا الصغيرّة، تبدو وكأنها تواطؤ.. قال:
“لن نقول لهذا الرّجل العجوز إنك صحفي”.
“سندعوه فقط لتناول الغداء، ونجعله يسكر. ثم سيبدأ في الحديث”.
قادنا فيسنتي عبر البوابة المفتوحة، في مسار موحل مرتفع. مع الارتفاع المتزايد، أصبح البحر الرّمادي خلفنا أكثر اتساعاً! وعندما استدرت مرّةً أخرى، رأيت حقلاً مفتوحاً، ورجل عجوز، يرتدي حذاء عمل وبذلة قفز، كان يلوح بمجرفة، ويطوّح بالتراب؛ ليحفر حفرّة لعمود سياج.
في البدء لم يشعر الرجل العجوز بوجودنا، لكن عندما توقف فيسينتي؛ وأغلقنا أبواب السيارّة، التفت نحونا. ووقف مثل ثور! كانت تعابير وجهه جامدة؛ غير قابلة للاختراق!.. لوهلة فكرت أن فكرة المجيء إلى هنا؛ كانت فكرة سيئة! لوّح له فيسينتي بيده وهتف:
“تيو!”
تقدم الرّجل العجوز نحونا، وهو لا يزال يحمل الجرّافة. أصبحت عيناه مقروءة. كان رأسه ممتلئاً بالشيب، والتجاعيد قد حفرت أخاديد وجهه حتى العظم، كاشفةً عن شعور عميق بالإحباط. لقد كان عاملاً مجتهداً، وكان ذلك أمراً عاديًا بالنسبة لمن هم مثله!
“تيو هذا هيكتور!”
قال فيسنتي وهما يتعانقان. نظر هيكتور إلى والدي وإليّ. ثم قال:
“معذرّة يا عمي هذا مانويل، صديقي. كان من المتظاهرين في لانوش دي تلاتيلولكو، ألا يعني لك هذا شيئاً؟.. وهذا ابنه مانويل. إنه صحفي. يريد أن يسألك بعض الأسئلة عن الأيام الخوالي. كما تعلم، أعمال الشغب القديمّة تلك.. وأولئك الذين عملت معهم في المزارع كرامي بذور.. كانت تلك حيّاة أخرى منذ وقت طويل، أليس كذلك؟”
نظرت إلى والدي. رأيت في عينيه، أقل بكثير مما أدركته للتو عن فيسنتي. حدّق هيكتور في وجهي ولم يقل شيئاً. قالت عيناه كل شيء. حاولت معالجة الموقف، الذي وضعنا فيه فيسنتي بتعريفه لي كصحفي، فعرضت على هيكتور بكثير من الذوق:
“ما حدث—”..
لكن هيكتور لم يتركني أكمل. همس لتيو ابن أخيه لحظتها. ثم همس لفيسنتي.. ثم اعتذر قائلاً إنه يريد التحقق من دجاجاته، لكننا كنا نعلم أنه يريد أن يختلي ليتخذ قراراً!
عندما ابتعد عن الأنظار خلف منزل المزرعة خاصته، نظرت إلى والدي لاستكشاف إحساسه باللحظة. كان ينظر إلى فيسنتي. وكان الاثنان على وشك الانفجار بالضحك، لكنهما لم يفعلا ذلك على الإطلاق؛ تفادياً لإثارة حفيظتي. قال فيسينتي:
“أعلم أنني أخطأت بتعريفك كصحفي”.
ألقى كلماته هكذا بلا مبالاة وبطريقةٍ عابرّة، كما لو كان الأمر مجرد مزحة.. قلت:
“ربما يجب علينا أن نغادر قبل أن يعود”.
“لا!”
رد فيسنتي. ثم أضاف وهو يشير الى أبي:
“سنفعل كما قال مانويل، سنأخذه لتناول الغداء، ونجعله في حالة سُكر، وبعدها سيبدأ الحديث وحده.. (لم يحدث شيء يا مانويل).. قال عبارته الأخيرّة بالاسبانية..
قال والدي:
“حسناً، على أية حال.. لم يكن هذا هو المكان المناسب تماماً لمثل هذا الحديث”
عاد هيكتور مرتدياً قبعة رُّعاة بقر دالاس، بعد أن نزع قفازات عمله.. ثم نظر إلي:
“إذن، أنت تريد أن تسمع عن المجزرّة؟.. دعونا نأكل أولاً..”
وبينما كان يسير باتجاه السيارّة، فتح فيسينتي الباب أمامه. وجلس معه.. كنت في الخلف اشعر بالكتف حذو الكتف، هذا القاتل أمامنا نحن؛ أنا وأبي وفيسنتي رئيس البلدية السابق!..
وصلنا إلى التل، والبحر البارد بزبده الأبيض أمامنا، ثم مررنا عبر البوابة المفتوحة. خرج فيسينتي ليغلقها، لكنه لم يستطع معرفة المزلاج. انضم إليه والدي ولكن دون جدوى!
تخبطا دون أن يفلح الأمر، فيما بقيت جالساً كتفاً بكتف مع هيكتور القاتل، الذي كان مستمتعاً بمشاهدتهم وهما يكافحان. كانت تفوح منه رّائحة العرّق والطيور والسماد، وبدا لي أنه مستفز من رائحتي اللطيفة، كأنها إهانة لمهنته التي زاولها طوال حياته كمزارع، وتمنيت ألا توغر رائحتي صدره ضدي!
كان والدي وفسينتي لا يزالان يعبثان بالمزلاج، وشعرت أنه يتعين عليّ كسر هذا الصمت المرعب. قلت بلغتي الإسبانية المتواضعة وأنا أشير إليهما:
“إنهما ليسا من المزارعين”.
ضحك. الشئ الذي جعلني أشعر ببعض الرّاحة.
قال:
“لا؛ فيسينتي، كان دائماً مثل والدته.. ذكي جداً، ذلك المخلوق.. لكنه ضعيف جداً”.
لا يزال هناك المزيد من الوقت لملء الفراغ:
“كم بقرّة لديك؟”
سألت القاتل فرد:
“ثلاثة.. هناك واحدة لا يمكنك رؤيتها، خلف المنزل. إنها الأجمل”.
“كيف يكون الطقس في مثل هذا الوقت من العام؟”
قبل أن يتمكن من الإجابة، عاد الثنائي المتلعثم. هتف فيسينتي بارتياح:
“لقد نجحنا”.
أجاب هيكتور:
“عمل جيد” ،
ثم التفت إلي وهو يغمز. أثناء سيرّنا، تلاشت مزرعته في المنظر الخلفي. فيما كان فيسنتي ينطلق بنا إلى الفندق المهجور، في الحقيقة لم يكن مهجوراً. أوقفنا العربة في الفناء الخلفي، في موقف مرصوف بالحصى، حيث ظهرّت امرأة عجوز. لوّحت مرحبة بفيسنتي، ولوّح لها هو الآخر.
عندما نزلنا من السيارّة، تقدمت وعانقت هيكتور. ثم تقدم ثلاثتنا: فيسينتي ووالدي وأنا، جلسنا على الكرّاسي البلاستيكية، على مسافة أقل من مرّمى حجر من البحر الهائج. ولأن الجو كان شديد البرودة، أحضرت لنا المرأة جميع الجاكيتات التي لديها لنرتديها، باستثناء هيكتور، الذي ظلت ذراعاه عاريتان. قالت:
“سأحضر لك شيئًا لتأكله وتشربه”.
بعد فترّة وجيزّة، عادت ومعها جمبري مشوّي وقهوّة، وجلست بجانب هيكتور. وسالت:
“ما هي المناسبة؟”.
همهم فيسنتي:
“حسناً”..
كان كل منا، قد استقر على لعب دور مختلف.. لكن فيسنتي هو المحك.. ابن أخ في منتصف العمر، لديه القدرّة على ربط الغرّباء بالعائلة. المرأة العجوز، هي أخت هيكتور، كما اتضح لنا مع استمرار المحادثة، كانت المربية ذات الملابس المحتشمّة، والطاهية المطيعة، التي أطعمتنا واهتمت براحتنا.
فيما كان والدي يؤكد لي سمعته كساحر في ماضيه المخزّي، إذ بدا محاوراً فضولياً لطيفاً، ساعده أسلوبه المختلف في الأيام الخوالي، على إقامة علاقة سريعة الآن مع هيكتور. وكنت المستمع الذي أوعز لوالدي بالأسئلة مثار اهتمامي. وكان هيكتور، راوي قصص بارع.. فقد رّوى العديد من القصص، التي تصلح أي واحدة منها، أن تجعل منه كاتباً يسعد بسمعته:
قصص عن بائعات هوى؛ يحاكمن مع أوكتافيو باز؛ في قصر عملاق، قبالة باسيو دي ماليكون في فيراكروز!.. قصص عن قنابل يدوية؛ مخبأة في فصل مدرسة إعدادية في أدغال غيريرو؛ خلال المواجهة بين الثوار والجيش، الذي بسبب أوامر سرّية؛ أعطيت له من وراء الكواليس، ارتكب المذبحة، التي كنت قد قمت برحلة إلى المكسيك، لأكتب عنها!..
نّوع من القصص، التي لا تنسى! النّوع الذي فشلت في العثور عليه حتى الآن، في مسيرّة كتاباتي المتواضعة.. النّوع الذي يشعرك بالألم، في الأوقات التي تريد فيها دفن حياتك بعيداً.. النّوع الذي تتمنى أن يكون ملكك أنت فقط، إذا كان بإمكانك الحصول عليه؛ وتعيش الألم الكامن وراءه، دون أن تعيشه فعلاً كتجربة حيّة!
كانت هناك قصة واحدة رواها، من خلال حث والدي له على الحكّي، قصة أعلم أنني وأبي نعتز بها بنفس الطريقة، على الرّغم من أننا لم نتحدث عنها أبداً.
لم أر والدي مرّة أخرى بعد تلك الرّحلة. وعندما أفكر فيه الآن، تخطر على بالي هذه القصة، التي ساعدتني على رؤية أنه، على الأقل في اللحظات العرّضية، يمكن أن يكون أبي مانويل، حقاً هو الرّجل الذي طالما حلمت بأبوته لي.
في عام ١٩٥٦، كان هيكتور يبلغ من العمر ثماني سنوات. كان هذا في توكسبان، حيث نشأ على بُعد بضعة كيلومترات من مكان جلوسنا؛ في تلك الرّحلة..
في ماضيه؛ كان هيكتور وأصدقاؤه، يعزفون على الجيتار، ويغنون الأغاني عند الجسر؛ الذي يربط البلدة بالمدينة، حيث يتوقف في بعض الأحيان، السائحون الذين يسافرون على الشواطئ، ويطلبون أغنية الابن جاروتشو، وكان الأطفال يلعبون أغنية كهذه، مقابل بيزو أو اثنين.. كان هيكتور وقتها على ما يرام مع الجيتار، إذ كان ذلك بمثابة مصدر من مصادر الدخل!
ذات يوم عبر رجل غريب الجسر؛ مشياً على الأقدام. لم يروا من أين أتى. كان لديه لكنة أجنبية، سأل الأطفال:
“هل ترغبون في كسب بعض المال؟”.
فردوا:
“بالتأكيد”.
“حسنا إذاً. تعالوا الأسبوع القادم؛ في هذا الوقت بالضبط، إذا كنتم هنا، سأعرف أنكم جادين، وسأسألكم مرّة أخرى”.
لم يفكر الأطفال بأي شيء في ذلك الوقت. جاء الكثير من المسافرين المجانين؛ ومع ذلك، فقد حرصوا على اللعب في الجسر، الأسبوع المقبل في نفس الوقت!
ومرّة أخرى، جاء الرّجل نفسه، هذه المرّة يقود سيارّة. كاديلاك. ويرتدي قميصاً مضغوطاً من الكتّان.. ونظارّة شمسية داكنة. ابتسم مثل الثعلب، وبدا أنه يعرف ما كان يفعله، سألهم مرةً أخرى:
“هل ما زلتم تريدون كسب بعض المال؟”..
فردوا مرّةً أخرى:
“بالتأكيد”.
“حسنا إذاً. ليس بعيداً عن هنا، يوجد حقل مفتوح.. مرعى أبقار مثلث؛ يحده البحر من جانبين، ومن الجانب الثالث يحده الطرّيق. اتبعوا هذا المسار بجانب الجسر لمسافة كيلومترين، وانظروا إلى يمينكم. هذا هو المكان. هل تعرفونه؟ “
فأومأوا:
“بنعم”.
“حسناً إذاً.. قابلوني هناك يوم السبت المقبل، وإذا فعلتم ما أقوله لكم، فسأعطي كل منكم ٨٠٠٠ بيزو”.
تركهم الغرّيب عند الجسر، فقفزوا بحماس. كان ذلك في عام ١٩٥٦، وكان ٨٠٠٠ بيزو مبلغاً كبيراً جداً..
“حسناً”.
قال هيكتور؛ وهو يفكر فيما كان يمكن أن يفعله هؤلاء الأطفال بهذه الأموال!.. كانوا سيصبحون أغنياء. لقد أمضوا ذلك الأسبوع، منغمسين في حلم ترك عائلاتهم ورائهم، والهروب من توكسبان إلى الأبد، سعياً وراء مغامرات رائعة.
يوم السبت التالي، ذهبوا إلى ذلك المكان. كان الغرّيب هناك. قال:
“حسناً.. هذا ما سيحدث.. في غضون ثلاثين دقيقة، ستحلق طائرات صاخبة، وعلى ارتفاع منخفض جداً عن الأرض.. سوف تقوم من عنابر بضائعها، بإسقاط صناديق خشبية بمظلات. وسوف تهبط هذه الصناديق في هذا المكان.. ستكون ثقيلة.. عندما تهبط التقطوها.. انقلوها إلى المنزل على قمة التل”.
وأشار الغرّيب إلى قمّة التل. تعرف هيكتور على المنزل بعد ذلك، وهو المنزل الذي يوجد بجانبه القارب.. أضاف الغرّيب:
“عندما تنتهون من إحضار جميع الصناديق إلى أعلى التل، قابلوني بجوار…”
لكن هيكتور توقف عن الاستماع، بمجرد أن رأى المنزل؛ وتذكر القارب الذي رّحل به بعيداً. كل شخص في المدينة يعرف ذلك. كان المنزل أعلى التل مقراً لفيدل كاسترو، المنزل الذي كان يخطط ويستعد منه.. وهذه الصناديق ستمتلئ بالبنادق والذخيرّة، التي سيستخدمها بمجرد وصوله إلى كوبا!
هؤلاء الأطفال، بمن فيهم هيكتور، لم يتوقفوا ليقولوا: “لا شكرًا”؛ ولم يتوقفوا عن الجري حتى وصلوا إلى منازلهم، حيث أمهاتهم وآبائهم. اختبأوا في الداخل لمدّة شهر، ثم لفترّة أطول، حتى ذهب ذلك القارب ومعه فيدل، وحتى أصبح من الآمن؛ العودة إلى كونهم الأطفال، الذين كانوا من قبل: الأطفال الذين يلعبون دور البالغين، ويقلقون أبائهم عليهم.. والأطفال الذين يعزفون الجيتار على جانب الجسر، ويسعدهم الاعتقاد بأن الأشخاص الذين مروا بحياتهم، لم يكونوا سوى غرباء طيبين، كأمهاتهم وآبائهم، ولا يتخيلون نوعاً آخراً من الناس.. ناس طيبين يشفقون على الأولاد المحليين، ولا يوعزون لهم سوى بالأغاني البريئة، الخالية من لفح الثورّة، وتلميحات العنف أو الأذى، الذي يلوح حتى الآن في أعينهم!
صمت هيكتور. لقد صُدم لأنه روى القصة مثل أي منا، باستثناء والدي، الذي لم يصدم، فقد كان حطام أب منتفخ، وبلا مأوى، و سيموت بعد أسابيع قليلة.
كان أبي يعرف عن ماذا يسأل. ومتى يلتزم الصمت. وما هو التعبير؛ الذي يجب عليه تقديمه؛ في أي لحظات من لحظات الحكي، ومتى يعطي أرق الضحكات.. هذا هو أبي الآن؛ مجرد زفير وشهيق!
في غمرّة الأمواج؛ وهدوء المائدة بجانب البحر.. البحر نفسه الذي واجهه كاسترو قبل ستين عاماً، رفع والدي حاجبيه مبتسماً، هو يسرق نظرّة عابرّة إليّ، فيما كان الرّجل العجوز؛ يشير إلى المحكمة.. التقطت شبح ابتسامة أبي الناعمة كالمطر، والتي لم تدم أكثر من نصف ثانية..
هامش:
*نشرت هذه القصة في أميركان شورت فيكشن بتاريخ ١٧ يونيو ٢٠٢١؛ بعنوان: ,2016 Cazones
**تم اختيار مجموعة قصص بليك سانز (حدود مسكنهم) التي تحتوي على هذه القصة، من قبل براندون تايلور للفوز بجائزة أيوا للقصة القصيرّة للعام ٢٠٢١ وكانت قد نُشرّت في أكتوبر الماضي.
ظهرت رواياته في مجلات ايكوتون وبويرتو ديل سول والأربعاء الخامس ومجلات أدبية أميريكية ولاتينية أخرى. يُدرس بليك سانز الكتابة في دنفر بولاية كولورادو الأميريكية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق