ثقافة السرد

السؤال الناقص

 ناجي ظاهر

– نعم سيدي الأديب المحترم.
يتخذ الأديب المحترم مجلسه قبالة المذيع التلفزيوني. المذيع يهيئ نفسه للبدء في طرح الأسئلة، فيما يحاول الأديب المحافظة على العلاقة البصرية به، كي يكون التواصل بينهما قويًا كما اقنع نفسه بعد أن قرأ مقالة حول هذا الموضوع.
يتوجه المذيع إليه سائلًا إياه:
– لنبدأ الأسئلة، كيف تنظر إلى الأدب الفلسطيني اليوم، بعد كل ما حصل من متغيرات فيه وفي العالم المحيط به ؟
يتحرّك الكاتب في مقعده:
– اعتقد أن هذا الأدب يشهد حاليًا فترة غير مسبوقة من الازدهار، وان فترة تبعيته للسياسة انتهت، قارئ هذا الأدب شرع اليوم يطالب بأدب حقيقي يوقظ الإنسان في داخله، قارئ هذا الأدب لم يعد يكتفي بالشعارات، كما حصل في العقود الماضية، وبات الكاتب أمام واحد من تحديين إما أن يكتب عن إنسانيته، معاناته اليومية، ما يفرحه وما يحزنه فيها، وإما يلم أوراقه ويركن إلى الراحة. الأدب الفلسطيني في الفترة الماضية آثر أن يكون تابعًا للقرار السياسي، لهذا لم ينتج قصة وشعرًا ذا بال، ومن أراد الإبداع فيه، تحوّل فيما بعد عن تبعيته هذه وتمرد عليها، وانصرف إلى الإنتاج الحافل بالحس الإنساني. اعتقد أننا يجب أن نولي هذا الحس ما هو جدير به من اهتمام، لأنه هو ما يساهم في التطور الأدبي والمجتمعي. أنا مثلًا من قرية مهجّرة إلا أنني كنت واعيًا منذ البداية إلى أن للسياسة رجالها وللأدب رجاله، لهذا لم اكتب أدبًا سياسيًا مباشرًا، وأنتجت منذ البداية مثل هذا الأدب. أنا مثلًا…
يقاطعه المذيع:
– فيما بعد، فيما بعد نتحدث عن تجربتك الشخصية، الآن أريد أن أسالك هل كان الأدب الفلسطيني كله مسيّسًا في الفترة السابقة؟
– كلا ، بالطبع كان هناك مبدعون آثروا أن يكونوا أدباء، يكتبون أدبًا إنسانيًا إلا أن هؤلاء كانوا قلة واستثناء، أما الكثرة فقد فضلت أن تستفيد من سطوة الأحزاب لهذا تم تسليط الضوء عليها وتم تجاهل الشريحة الحقيقية في مجال الإبداع، ربما لهذا بات من الواجب علينا أن نعيد تقييم أدبنا شعرًا ونثرًا.
– الم يجمع البعض بين الإبداعين السياسيي والأدبي؟
– كانت هناك محاولات، إلا أن السياسة كانت هي الطاغية، وأنا لا أنكر أن انتهاج ادبائنا للسياسة أحسن للقضية والوجود الفلسطيني في البلاد، إلا انه بقدر ما أحسن، أساء، لقد أحسن على المدى القريب، في توصيل قضيتنا إلى العالم، إلا أنه تجاهل بهذا، الدور الذي يقوم به الأدب ويؤديه في الحياة وهو اغناء الروح الإنساني، عبر نقله للتجارب الحقيقية.
المذيع مقاطعًا:
– وما هي هذه القضايا؟.
– إنها قضايا تتعلّق بالمشاعر تجاه ما يدور في مجتمعنا من قضايا، قضية العنف في الأسرة، قضية المرأة، قضايا القوانين التي تفرضها السلطة الإسرائيلية عالمنا كمجتمع ما زال اقرب إلى ألفلاحي في عقليته منه إلى المديني، أنا مثلا أثرت في كتاباتي معاناتي..
المذيع مقاطعًا:
– فيما بعد نتحدث عن تجربتك الشخصية. نحن نعرف انك صاحب تجربة غنية وخاصة، فيما بعد نتحدّث. الآن أريد أن أسالك عن استقبال القارئ لهذا الأدب.
يتأفف الكاتب في مقعده:
– القارئ عادة ما يستقبل ما يُقدم إليه بحسن نية. في الفترة السابقة انجرف هذا القارئ مع الجو العام الذي فرضته الأحزاب السياسية بتشنجاتها، أما في الفترة الراهنة، فترة الفضائيات فان هذا القارئ بات أكثر حرية في الاختيار، فهو يجلس في بيته ليقرأ ما يشاء وليشاهد ما يروق له، دون أي حسابات خارجية كما حصل في الفترة السابقة.
المذيع:
– لكن يوجد هناك من ما زال يحن إلى الفترة السابقة ويرى أن كتابها أنتجوا أفضل مما أنتج كتاب هذه الفترة المتصفة بالتشتت كما يرون.
الكاتب:
– من هم هؤلاء؟ لقد قرأت ما كتبه بعضهم، هو من بقايا الفترة الماضية، وما زال يؤمن بقيمها، ولا يستطيع أن يتأقلم مع الفترة الجديدة لأنه غريب عنها. ما كتبه هذا أو ذاك في هذا المجال لا يعدو كونه حنينًا إلى الماضي، لا يرى أصحابه الواقع كما ينبغي. هؤلاء لا يعرفون أن القضايا المجتمعية باتت هي الأشد إلحاحًا، أنا مثلًا كتبت عن قضية…
المذيع:
– فيما بعد فيما بعد نتحدث عن تجربتك الشخصية وعمّا كتبته. لقد انتهى وقت البرنامج، هل تريد أن تقول كلمة خلال ثانية هي المتبقية من وقت البرنامج؟
الكاتب:
– فيما بعد.. فيما بعد.. نتحدث.
يغادر الكاتب الأستوديو، يضرب في الشوارع على غير هدى، يُلح عليه ما جرى في المقابلة، هو تحدث عن العديد من القضايا، عن معظم القضايا تقريبًا، إلا عن قضية واحدة هي قضيته الشخصية، قضيته الحارقة مع زوجته ومجتمعه، يرسل الكاتب نظره إلى الأفق العيد، ما هذا الفراغ؟

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق