ثقافة المقال

جنون عسل الشامل

قراءة في رواية الجنون للدكتور عبد الرحمن عسل

د. احمد الباسوسي
 
الدكتور عبد الرحمن عسل في روايته القصيرة “الجنون” ، اقتحم عالم مرض الفصام بجرأة الطبيب النفساني المتخصص، وجرأة الكاتب المبدع الذي ينشد ترك أثر ما لدى قرائه فور فراغهم من قراءة النص، وجرأة الفيلسوف الذي اراد خلق بنيان فلسفي/ نفسي/ اجتماعي لواقع الانسان المعاصر الذي تفككت احلامه وآماله، وتبدد كل شيء كان يتوقعه في سياق واقع مفكك من الاساس. ان عنوان النص ” الجنون” ، وكذلك المقدمة التي استهل بها الكاتب نصه يعكسان بجلاء ما يريد الافصاح عنه خلال ما يسمى “عتبة النص”، وما ينوي الكاتب شرحه خلال تلك المنظومة المبتكرة من الالفاظ والأفكار التي شكلت بمجملها نسقا سرديا لابأس به. الكاتب وضع القارئ في سباق جري عنيف، يظل يجري للحاق بذلك البطل “الفصامي” الذي لايكف عن العدو ولا عن التفكير ولا عن تحطيم كل ما هو منطقي وسائد في الوجود والواقع وفي التاريخ أيضا. يظل القارئ يلهث وراء السراب حتى تنقطع انفاسه ويكتشف في نهاية المشوار ان الجنون متربص بالجميع، وان الجنون لايتمثل في يونس فقط “بطل النص المريض بالفصام “، بل يسري في خلايا الجميع حاكمين ومحكومين. بداية يتحدى الكاتب الجميع حينما يهدى روايته القصيرة الى ” السادة العقلاء المجانين/واصدقائي المجانين العقلاء”. من خلال هذا الاهداء “الخبيث”، وفي هذا اشارة الى ان الجنون يسكن داخل كل منا من دون استثناء. يفصح الكاتب عن نيته فيما هو قادم من أهوال متحدية لارادة القراء في نصه. ان السادة العقلاء المجانين هم بالطبع زمرة القراء وجميع المنتمين الى الى ما اصطلح على تسميتهم “بالطبيعيين” المتوافقين بطريقة أو بأخرى مع واقعهم المعاش بما فيهم المؤلف نفسه، لكنه يصر على وسمهم بالمجانين أيضا رغم نعتهم بالعقلاء أو يعتقدون ذلك في أنفسهم على الأقل، لكن يبدو ان المؤلف لايملك دليلا مؤكدا على ذلك وهذا ما سوف تكشفه أحداث الرواية اللاحقة من مواقف وتداعيات. ان مفردة “الجنون” التي اعتبرها المؤلف عنوان الرواية أو عتبة النص شائعة بين الناس في مختلف الثقافات ويفهمونها على اعتبار انها حالة من الاضطراب أو التشوش تنتاب الفرد وتفقده القدرة على السيطرة أو التوافق مع الواقع المحيط، الأمر الذي يترتب عليه انحراف الفرد أو خروجه عما رسمته أعراف وتقاليد وأخلاقيات هذا الواقع. وان للجنون مستويات تتباين من حيث شدة تأثير هذا الاضطراب على قدرات هذا الفرد العقلية (التركيز/الانتباه/ الذاكرة/ التفكير) والانفعالية حيث يتعلق الأمر بالخوف والغضب والقلق وكذلك النواحي السلوكية من حيث توافقها مع المعايير السائدة في المجتمع. ومن المعروف ان الناس اعتادت على وصف الفرد الذي ينحرف ولو قليلا عن المعايير السلوكية/الفكرية وحتى الانفعالية، عما رسمه الواقع المجتمعي من سلوكيات وأفكار وانفعالات بالشخص المجنون!، لذلك التصق هذا الوصف بالكثير من المبدعين والمفكرين والعباقرة الذين حاولوا الخروج عن كل ما هو سائد ومألوف من قيم وأفكار مجتمعاتهم أثناء بحثهم عن طرائق أو اساليب جديدة مبتكرة لتسهيل الحياة على الناس وقراءة الكون والواقع بصورة جديدة، والنتيجة كانت اقتران الابداع أو العبقرية بالجنون، ظل هذا الأمر سائدا طوال فترات العصور الوسطى قبل ان تطيح البحوث العلمية اللاحقة الخاصة بسيكلوجية الابداع بكل تلك الافتراضات غير العلمية والتي ملكت اذهان الناس ردحا كبيرا من الزمان. وعلى الرغم من ان كلمة “الجنون” اقرب ما تكون الى كونها مصطلح ادبي أو روائي وليس مصطلح علمي حيث لايوجد في كل المعاجم والقواميس مرادف لكلمة جنون كما يذكر المفكر ورجل الدين الانجليزي جوناثان سويفت(1667-1745) فيبدو ان الكاتب استهل بها نصه حتى يلج القارئ سريعا داخل عالمه المثير المنبني على الدهشة والسخرية من واقع نعيشه ربما يكون أقرب الى الواقع الافتراضي من كونه واقع حقيقي. الكتاب يضم بين دفتيه تسعة فصول وخاتمة تبدأ بفصل القتل. حيث نكتشف اننا أمام “أب” قاس، تتضح صورته في نظر ولده القاتل على هذا النحو ” ظل نهج أبيه في تدريسه لمادة الرياضيات هو نهج التربية الذي إلتزمه في بيته، يتصف بالحزم والقسوة، وشغله الشاغل الأرقام الصحيحة و الضرب والجمع، ويعشق الزوايا القائمة والحادة، والأرقام الأحادية، والخطوط المستقيمة، أما الكسور، والطرح، والجبر، و التفاضل والتكامل، فلا مكان لهم”. ان تلك الصورة المدهشة التي رسمها المؤلف للأب في عيني ولده رقيق المشاعر رهيف الاحساس والذي اصبح لاحقا كاتبا متميز ربما تصلح ان تكون مبررا معتبرا لجريمة قتله على يد هذا الولد الفنان، الذي لم يتحمل مبلغ التشوه الحاصل لصورة والده داخله، ويذهب المحللون النفسيون في هذا الصدد مذهبا خاصا. صورة الوالد داخل الابن الفنان رقيق المشاعر لم تعد هي ذاتها صورة الوالد مصدر الحماية والأمان والقوة والحنان، فقد تحولت بفعل ممارسات الوالد الحقيقي الى مصدر للخوف والرعب والتهديد والانتقادات المستمرة للابن المسكين، والنتيجة ان الأب الواقعي أصبح في نظر ولده مجرد وحش كاسر ينبغي التخلص منه. انتهز الابن فرصة تفككه النفسي بعد ان زالت جميع الحواجز الملزمة بالمنطق العادي والحفاظ على كل ما هو مألوف من قيم وأفكار وسلوكيات سائدة ليواجه هذا الوحش الذي هو داخله وأصبح مزعجا، ويقتله. انها لعبة نفسية يألفها اختصاصيو التحليل النفسي لكن للمحاكمة وللمحكمة رأي آخر، لم يتقبلوا فكرة “الأب الوحش الكاسر” وأرسلوه الى السجن على الرغم من جنونه الذي ازعج زملائه المساجين “الطبيعيين”!. الفصل يحمل تطورا “طبنفسيا” لمراحل تطور الجنون داخل الطفل المسكين التائه حتى مرحلة الازدهار في عنفوان مراهقته في المرحلة الثانوية وبشائر التفكك في الشخصية في مقابل استبسال “الوالد” العنيد وانكاره لكل تلك البشائر والضغط بقوة على المسكين المفكوك حتى يصير متفوقا وروائيا شهيرا مثل عمه. وبغض النظر عن الجانب التعليمي المباشر لمنطق السرد الروائي على مدى فصول الرواية مجتمعة والذي يشعرك في بعض اللحظات انك بصدد محاضرة تعليمية عن مرض الفصام الأمر الذي يتسبب في حدوث ارتباك ربما بشأن تصنيف النص بين الاجناس الادبية المختلفة خاصة حينما تتوالى فصول الرواية وينهال السرد بمسمياتها على غرار القاتل الشكاك، المخدرات القاتلة وجنون الحب. الرواية في مجملها تحمل رؤية فلسفية لعالم مجنون يعيش على اختلاق اسباب للحروب والصراعات من أجل السيطرة على مصادر الثروات والنفوذ والسيادة، وان الجنون لايمكن اختزاله في تلك الحالة النفسية الخاصة التي تتلبس الشخص وتبعده عن ادراك الزمان والمكان وملازمة اشخاص افتراضيون من داخل عالمه الخاص والتصرف بتلقائية أكثر مما ينبغي لدرجة تتعارض مع السلوكيات والقيم والاعراف السائدة في المجتمع. بل الجنون حالة عامة ملازمة للانسان في مختلف تجليات حياته وحتى مماته، يمارسها باطراد وقتما يريد، وان أخطر انواع هذا الجنون ذلك ما يسمى بالجنون الجمعي الذي من توابعه فناء الملايين من البشر في الحروب المجنونة، واختلاق الذرائع لزرع حالات من الفوضى المجتمعية بين الافراد وبعضهم وبين المجتمعات وبعضها واشاعة أجواء من عدم الاستقرار والتوتر والخوف من دون أسباب واضحة. مؤكد هذا هو الجنون الحقيقي، وهذا ربما ما اراد المؤلف ايصاله من رسالة ومعنى في باكورة انتاجه الروائي المهم جدا.
 
سبتمبر 2021

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق