ثقافة السرد

جدليات (الحُلم والكابوس)، الهُوّية، الحنين، (الفناء والخلود).

في ذكرى رحيله، مفردات عالم القاص المصري، الأميركي الرّاحل إيهاب حسن: جدليات (الحُلم والكابوس)، الهُوّية، الحنين، (الفناء والخلود).

*مقدمة المترجم:
اختارت American short fiction في عددها ليوم ١ أكتوبر ٢٠١٥ تقديم القصص، التي ترجمناها هنا بتوطئة، تعبر عن حزنها البالغ، على رّحيل الأكاديمي والمثقف والقاص المصري/الأميركي، بروفيسور إيهاب حسن بقولها:
“نأسف بشدّة لوفاة إيهاب حسن، مؤلف كتابنا الحصرّي (ثلاثة)، على الويب لشهر أكتوبر (٢٠١٥)، بعد وقت قصير من قرارنا بنشرّه.
وإذ نُعبر عن امتناننا المتواضع لعائلته، نقدم من أعماله هنا، ثلاث نصوص قصيرّة. نأمل أن يجدوها، كما وجدناها: لحظات إنسانية تخطف الأنفاس.. ويقيننا أنها بدقتها المتناهية، ستبقى طويلاً في الذاكرّة الثقافية الإنسانية.
سننشر في منتصف أكتوبر القادم، حواراً مع زميله في جامعة ويسكنسن؛ بروفيسور ميلووكي، عن حيّاة القاص الرّاحل بروفيسور حسن، حيث كان حسن أستاذاً يحظى باحترام دولي، في الأدب المقارّن منذ عام ١٩٧٠”
***
ولد إيهاب حسن في مصر عام ١٩٢٥، وهاجر إلى أمريكا عام ١٩٤٦. وحصل على الدكتوراة في الأدب من جامعة بنسلفانيا عام ١٩٥٣، ودرّس في معهد “رينسيلار” للفنون التطبيقية وجامعة “ويسليان”.
في عام ١٩٧٠ أصبح أستاذاً لأبحاث (فيلاس) للأدب الإنجليزي والمقارّن، في جامعة “ويسكونسن”، حيث ظل هناك، حتى تقاعده في عام ١٩٩٩.
كتب بروفيسور إيهاب ١٥ كتاباً، وأكثر من ٣٠٠ مقالة حول الأدب والثقافة، ويُنسب إليه الفضل على نطاق واسع، في صياغة الاستخدام المعاصر لمصطلح “ما بعد الحداثة”. توفي بروفيسور حسن متأثراً بنوبة قلبية، في ١٠ سبتمبر ٢٠١٥.
***
آمل أن تكون ترجمتنا المتواضعة هذه، لثلاثةٍ من قصصه المكثفة، بمثابة استعادة لذكرى رموز، أسهموا في المجرى العام للثقافة الانسانية، دون أضواء أو مَّن. جاءوا إلى الحيّاة من غياهب صمت الرّحم بهدوء، ورّحلوا عنها في صمت رّحم العالم، المحتقن بالضجيج!
لبروفيسور حسن الرّحمة والمغفرّة، وحسن العزاء لأسرته الممتدة، وكل المهتمين بدور الثقافة والأدب، في تغيّير حيّاة الشعوب إلى الأفضل، وجبر الله كسر الجميع!
***
في القصة الأولى (Chestnuts، الكستناء) في لغة (الأصل) والتي ترجمناها، إلى معادل موضوعي في لغة (النقل) ب (اللُّبُّ)؛ والتي هي حُلم رجل غرّق في اللحظة الفاصلة؛ بين الحُلم والكابوس! نجد أن إيهاب مزّج الحُلم، بالحنين إلى عوالم مصر الشعبية، خلال صوّر مستعادّة من الحيّاة الواقعية، التي تنضح من الحافلة السفرية، وهي تقل هؤلاء البسطاء، بمقتنياتهم الفلاحية البسيطة، التي تكشف عن عوالمهم الغنية والثرّية، في واقع حياتهم اليوميّة.
وتتصل هذه المشاهد الحميمّة، بمشاهد أخرى كباعة اللُّبُّ، والشباب الذين يتنزّهون على الكورنيش، وضجيج الميناء والنّوارس المحلقة..
هذه العوالم الواقعية؛ المتجذرّة لمئات أو آلاف السنوات، في وجدان المكان. يكشف له الكابوس استحالة انتزاع نفسه منها! فيفيق؛ وقد وجد أن رحلته قد فاتته!..
وهكذا سيظل يتناهشه الحنين؛ إلى مسقط رأس أمه في (الأناضول)، ليستعيد عالماً مفقوداً، أو مستحيلاً يقضي عليه كابوس.. الكابوس قضى على حُلم هذا الرّجل الوحيد، بالرّحيل من وطنه الذي يعيش فيه دون أسرّة!
الحُلم في هذا النص يثير في وجدان بطله، انفعالات شتى؛ تتصل بالزّمان والمكان، والظروف التي عاشها، كالاحساس بالوحدة دون زوجة أو ابن.. دون عائلة، فنحن لا نعرف عن والده شيئاً يذكر، لكن نعرف أن أمه (تركية) من الأناضول، فعائلته الممتدة من جهتها ليست هنا، ومن هذا المدى الفاصل بين موطنه (مصر)، حيث ولد ونشأ وترّعرع؛ في زراعة الأرض، وتشبع بتاريخ شعبها؛ الذي يعود لآلاف السنوات.. وبين الأناضول البعيدة، التي لا يعرف شيئاً عن وجدانها الثقافي، لمعادلة وجدانه عميق الجذور في الأرض، التي ظل يفلحها طوال حياته.. من هذا المدى الفاصل بين (حقيقتين)، تتغذى أحلامه؛ محتقنةً بالخيبات والشعور بالوحدة واليتم!
الحُلم في السّرد؛ ينطوي على قُدرّات تقنّية وجمالية، تُثري النص بعناصر التساؤل والتشويق، وهنا في نص القاص الرّاحل إيهاب، يفضح الحُلم؛ التكوّين النفسي؛ عبر التكوّين السُلالي.
ويتصل الحُلم في هذا النص بالإلهام. والتعويض عن الواقع بواقع افتراضي، واستشرّاف المستقبل، والتحذير من مغبّة الرّحيل، وراء سرّاب الأناضول، كأم بديلة لأمه الأرض التي ظل يفلحها، وجمع مدخراتها ليرّحل!
فهذا الرّجل بوضعه الاجتماعي، بين غمار الشعب، وسوادهم الأعظم في السُلَّم الاجتماعي، هو مثل كل هؤلاء البسطاء، يعوض عن بؤس الواقع بالحُلم!.. واقع كونه يعاني الحرّمان من الأسرّة، وواقع كونه فلاحاً، خبر مشقَّة العمل في الأرض. فأحلامه بالرّحيل إلى جبال الأناضول البارّدة؛ المغطاة بالثلوج، بعيداً عن هذا الوطن الحار، بمثابة تعويض نفسي، عما يعيشه في الواقع!
وفي الوقت ذّاته يكشف الحُلم هنا، عن إزدواجية انطوائه ك(حُلُم) على (كابوس) إذا اعتبرنا أن الكابوس، بمثابة (رّسالة تحذيرّية) انطوى عليها الحُلُم نفسه!.. رّسالة تنبهه؛ من خطورّة الإقدام على خُطوّة الرّحيل، بتوظيف الحُلم كعامل تضييع للزّمن، ومن ثم الزّج بالكابوس؛ ليفيق الرّجل ويجد فعلاً، أن الباخرّة قد غادرّت منذ زّمن!
فثنائيات الحُلُم/الكابوس – القرد الماكر/المسخ كتهديد.. تلعب وظائف مختلفة، في هذا النّص القصير المكثف..
هذه القصة في أصلها الذي كتبت به (الإنجليزية) محتشدّة بالأفعال، التي نجد تأثيرها، على لُغَّة الترّجمة، في الجمل الفعلية؛ التي كشفت عن ديناميات حُلُم هذا الرّجل وكابوسه.
كذلك الجمل القصيرّة البسيطة، التي لا تخلو من شعرّية، إلى جانب الدقة في علامات الترقيم، في لغة النص الأصل (الإنجليزية).. كل ذلك في تقديري المتواضع، انعكس في النص الذي ترجمناه هنا، على إنسيابية الحُلُم ووضوحه؛ وإيحاءاته وإحالاته.
***
وفي قصته الثانية (The Bicycle، الدرّاجة) يستدعى ايهاب، مشاهد الفقر في نيودلهي خلال، حرّكة امرأتين غريبتين في الظلام، تتعرض إحداهما لحادث دراجة غير مؤكد، من قبل شخص مجهول؛ باغتها في عتمّة الطرّيق!
هذه اللحظة المباغتة؛ تستدعّى إلى سطح ذاكرتها، ذكريات عن ابنها؛ الذي مات في الحرب، وزوجها الذي جاء بها إلى هذه البلاد، لعلها تجد في استدعاء الذكريات إجابة، عن من هو هذا الرّجل، الذي حاول أن يصدمها بدراجته، وبالتالي يُغرقنا تساؤلها في تساؤل آخر: ومن هو (علي بابا) الذي لا تريد أن تتجادل معه، وهكذا يرمي النص بسؤاليه، دون أن نجد درباً يفضي لإجابات عنهما!
إذ يُلقي كلماته ويمضي، ليتركنا في حيرّة من استناجاتنا المتضارّبة، فايهاب هنا؛ لا يريد أن يحكي لنا حكاية، من المبتدأ إلى المنتهى.. لا يريد أن يقدم أحداث تفصيلية، تُقْنِعُ القارئ بصدق الحكاية التي يحكيها، ففي خاتمّة المطاف، القصة هي قصة، وليست هي الواقع الفعلي؛ الذي جرى ويجري! وعمل الحكي كعمل الذاكرة؛ ماكر ينتقي ما يروقه، ليعيد إنتاج ما حدث؛ لكنه ليس ما حدث تماماً، ولا هو مجموع زوايا النظر المختلفة للرّاوي والقراء، في رؤيتهم لما حدث! فهي مفارقة لزاوية نظر كل منهم على حدة!
لذلك عندما تقدم لنا قصة الدرّاجة بنهايتها المفتوحة سؤالين، فإنما يتم تقديم رؤية إلى الحدث والحالة موضوع الحكي، الذي ينهض في غياب يقين الإجابات المطلوبة، وبذلك تحاكي القصة، عالمنا المعاصر المفكك، الذي يخلو من كل يقين، أو أفق توقع! فأسئلة عالمنا تنطوي على اجاباتها داخلها! وربما إجاباتنا المختلفة عن بعضها البعض!
***
وفي القصة الثالثة والآخيرة (الفجوة، The Gap)، التي يُحيل عنوانها؛ إلى وقائع تارّيخية حقيقية، نجدها أيضاً تناصاً مع وقائع محددّة، جرّت في الحرب العالمية الأولى، فضلاً عن طرحها سؤال الهوية الإنسانية، الذي يتجاوز الأعراق خلال بطلها ألكس، الذي تتداخل حياته مع الحيّاة الحقيقية، التي عاشها آرثر مالكوم استيس، فألكس الذي ليست لديه هُوّية محددة، فهو جماع هُوّيات.. فحتى أنه بعد أن درس الطب، اتخذت هُوّيته طابع مهنته، وأصبح النّاس ينادونه بالدكتور.
الكس يفقد زوجته وابنه في حادث مروري، في أحد شوارع سيدني، تسببت فيه فجوّة على الطرّيق، فيصبح مشرداً كستيس؛ يخط على الأرصفة عبارّة من كلمتين: “انتبه للفجوّة”، حيث تتناص حياته هنا في تشرّده، مع حيّاة آرثر مالكولم ستيس، المعروف باسم السيد إترنتي، والذي كان جنديًا أُسترالياً. مدمناً على الكحول؛ منذ سنوات المرّاهقة، حتى أوائل الثلاثينيات من عمره، عندما اعتنق المسيحية وبدأ في نشر رّسالته، من خلال كتابة كلمة “الخلود”.
فستيس كان يكتب على الألواح النحاسية بالطباشير الأصفر، على ممرّات المشاة، عتبات الأبواب في سيدني وما حولها، من مارتن بليس إلى باراماتا، إلى أن توفي، وأصبح إلى حد كبير أسطورّة، في الفولكلور المحلي لسيدني!
وقد ألهمت قصة حياته، كُتاب كُثُر، ومعارض المتاحف والتماثيل، والأوبرا ومنتجي الأفلام. كما ألهمت إيهاب هذا النص، الذي يتناص أيضاً مع معركة ابرس Ypres الثانية، في الحرب العالمية الأولى ١٩١٥، وذلك عندما بدأت قوات من الجيش الألماني، بإطلاق الغاز، باتجاه القوّات الفرنسية في جرافنستافيل. وأخذت القوات الفرنسية تتراجع، بينما الجنود المصابون بالعمى انهاروا من الاختناق، وتلف أنسجة الرّئة.
كان الغاز أكثر كثافة من الهواء، فقد ملأ الخنادق والمناطق المنخفضة، مما أجبر الجنود الفرنسيين الناجين، على البقاء في الأماكن المفتوحة، حيث كانوا عرضة للنيران الألمانية، التي تمكنت في فترّة وجيزّة، من فتح فجوّة في خطوط الحلفاء، قتل نتيجة ذلك حوالي آلاف الجنود الفرنسيين بالغاز.
ثمّة إحالة مرجعية آخيرّة، يقدمها لنا نص الفجوّة، في إحتفائه بهارولد هارت كرين (١٨٩٩-١٩٣٢)، الشاعر الأميركي، الذي وجد الإلهام والإثارّة، في شعر تي. إس. إليوت، وكتب شعراً حداثياً صعباً ومنسقاً للغاية؛ وطموحاً جداً.
سعى كرين في أكثر أعماله طموحاً (الجسر) إلى كتابة قصيدة ملحمية؛ في وريد قصيدة الأرض اليباب The waste land، عبرّت عن وجهة نظر، أكثر تفاؤلاً بالثقافة الحضرّية الحديثة، من تلك التي عبرّت عنها قصيدة إليوت.
تم الاحتفاء بكرين من قبل النقاد بعد انتحاره، في سن الثانية والثلاثين، باعتباره واحداً من أكثر الشعراء تأثيراً في عصرّه.
وقصة الفجوّة؛ التي بمثابة مركز لتداول الرؤى، حول كل هذه التناصات؛ تحكي عن الكس المتحدر من أب تركي، وأم مصرّية هجرها؛ وهاجر إلى سيدني، هوس الكس بكتابة عبارّة: انتبه للفجوّة، هو هوس ستيس نفسه، وبالطرّيقة نفسها والشوارع نفسها، بكتابة كلمة الخلود عليها بالطباشير، فايهاب هنا يقدم لنا هذا التحذير من الفجوّة، مصدر (الفناء) كمعادل موضوعي للخلود!
ومثلما كرّس ستيس نفسه، للبحث عن الخلود؛ لإنقاذ العالم، الأمر الذي قاده إلى اللاهوت، يخوض الكس غمار كتابة لا هوادة فيها؛ محذراً من الفناء، فالفجوّة تسببت في الحادث المروري، الذي أفنى أسرّته، وربما أن بروفيسور ايهاب أستاذ الأدب المقارّن، يهيمن هنا على ايهاب القاص، ليحيلنا مصدر الفناء، الذي ترمز إليه الفجوّة، إلى فجوّة أخرى، فتحها الألمان في خطوط الحلفاء، نتج عنها فناء آلاف الجنود الفرنسيين اختناقاً بالغاز!
لتفضي بنا إحالات ايهاب، في رمزية ودلالات الفجوّة، إلى فناء اختياري آخر، لم تلعب فيه الفجوّة دوراً، كانتحار هارت كرين!
آمل أن تكون هذه المقدمة المتواضعة، قد تمكنت من إلقاء ضوء عام على هذه النصوص، خاصة نص الفجوّة، الذي يستحق أن يُحظى باهتمام النقاد- المترجم

Three, ثلاثة
إيهاب حسن
ترجمة: أحمد ضحية
اللُّبُّ
كان أرملاً ولم ينجب! وكان يتوق لزيارّة قرّية أمه في الأناضول. ستكون تلك رّحلته الأولى خارج مصر، المحاصرّة بين صحراوان. منذ فكر في هذه الرّحلة، أصبحت أحلامه مليئة بأشجار الصنوبر؛ المغطاة بالثلوج!
جمع مدخرّات عمله في زرّاعة الأرض طوال حياته، واستقل الحافلة المتجهة إلى الإسكندرية. بدت له الحافلة؛ التي قُيدت إلى سطحها الماعز وسلال القش، مكتظة كمصيدة جرذان.
في ميناء الإسكندرية القديم، قام بمسح البحر بعينيه.. رأى دخان السفن البعيدة في الأفق، ينعقد كبقع متقطعة..
وبدت له مكتبة الفرّاعنة القديمّة غرّيبة!.. هذه المكتبة، كانت تحتوي على أكثر من مليون مخطوطة، وتقف عالية بين عجائب الدنيا السبع، تحوّلت الآن، إلى أنقاضٍ متناثرّة؛ على أرضِ الميناء!..
في المساء؛ مضى للتنزّه على رّصيف البحر.. شاهد الأولاد والبنات؛ يمشون في مجموعاتٍ صغيرّة منفصلة، وهم يثرثرون، فيما يحلق فوقهم نعيق النّوارس.. كانت أمواج الشاطئ الآخر المتلاطمة تناديه!..
باعة اللُّبُّ المشوي على مواقد الجمر، الذين يقفون بشواياتهم على الشاطئ، يقدمونه ملفوفاً في قراطيس الورّق، فتتسرب رائحته المحترّقة الضعيفة خيالاته!
توقف عند أحدهم، واشترى دستة من القرّاطيس، التي كانت لا تزال ساخنة، ثم ما لبث أن شعر فجأة، بشئ ما يجره من مرفقه إلى الخلف، ويسحبه ثلاث مرّات، كل مرّة أقوّى من سابقتها، فتعثر وتبعثر اللُّبُّ على الرّصيف.
غمرّه الغضب، فالتفت ليرى هذا الشيء الذي يشدّه، فرأى مخلوقًا قزماً بدى كمسخٍ مشوّه! كان داكن الشعر، مكسور الأسنان، ومكسو بخرّق! كان أكثر دكنة ورّشاقة من قرد (الجيبون)..
تذكر أن بعض الوحوش الغامضة، لديها القُدرّة على التنبؤ؛ بما سيحدث في محيطها!
صرّخ البائع وهو يكيل الشتائم، ورفع ذراعه عالياً، هاماً بضرب المخلوق، الذي تراجع وهو ينتحب منكفئاً، على نحيب غرّيب! كما لو توحد لحظتها في ذاته! منطوياً على أسرار مهمته، على سطح هذا الكوكب، دون أن يفصح عنها!
في تلك الليلة، عاد ذلك الشيء إلى سرّير الرّجل، بعينين محتقنتان بالفحم واللُّبُّ.. همهم بكلمات؛ خرجت من فمه، الذي يشبه حفرّة صغيرّة، أشبه بقرقرّة سفينة غارّقة!
عندما استيقظ الرجل أخيراً وأفاق من حُلمه، شعر بشيء لطيف؛ مثل يدي والدته المتجعدتين، يضغط على قفصه الصدري، شيء ثقيل مثل الوحدة؛ التي ظل يعانيها طوال سنوات حياته. لم يستطع ارتداء ملابسه: كانت سفينته قد غادرّت!

الدرّاجة
خلف فندقهم الفاخر في نيودلهي، الذي تم تسويرّه بسياج من الخيزرّان طوله ١٢ قدماً، ينتشر البؤس في الليل؛ بين جنبات عشش صفيح “أوباريو” أو “بيدونفيل”، أو أياً كانت الأسماء العديدة، التي يطلقونها على هذه العشش!
كان المشردون يسكنون هناك بين الصناديق، وعُلب الصفيح، والأسقف القماشية الممزّقة، وبين مجاري البراز والحرّائق المنخفضة، والظلال الصامتة، التي تومض في الظلام، متجاهلةً تحذيرّات البواب بخنجره الزّائف، الذي يتدلى من حزّامه.
في المساء اقترّحت المرأة، المشي على الطرّيق الترابي؛ الذي يُحيط بالأحياءِ الفقيرّة.. “دعينا لا نتجادل مع علي بابا”، همست لرفيقتها.
وبينما كانوا يمشون؛ بالقرب من شجرّة “الأَثأَب” العملاقة، خرج من الظُلمة فجأة؛ شبح شخص يقود درّاجة! كان مكسواً بسوادٍ خالص، فلم تكن ركبتيه؛ ومرفقيه مرئيين تقريباً، باستثناء العروق الحمراء؛ النافرّة من عينيه.
نظر بحقد تجاه المرأة، التي كانت قد انحرّفت وتعثرّت.. وقبل أن يطوّح في الهواء، كان قد اندفع بسرعة، كما لو أنه يركض؛ ليرميها أرضاً. فيما مدّت رفيقتها ذراعيها؛ تمسك بها قبل أن تسقط؛ في حفرّة مليئة بالقاذورّات. وعلى الرُّغم من الطقس الحار، ارتجفت المرأة كالمقرورّة ببردٍ شديد.
حاول الرّجل بفظاظة؛ أن يطويها بين ذراعيه، فقفزت بعيداً. وقد غطس رأسها بين كتفيها المرتفعين، فيما كانت تندفع إلى الأمام، دون التفاتة!
في مكان ما في أعماق رأسها، صرّخ طائر ليلي، ما الذي جعل يد ذلك الشبح، توجه مقود الدرّاجة نحوها؟
تحت الأضواء الباهتة للشارّع القذر، رمقتها رفيقتها من الخلف؛ بنظرّة حزينة! كانت سيرّة حياتها لحظتها تمر من أمامها..
على مر السنين، كانا يحدقان في بعضهما البعض؛ في كل تلك اللحظات النادرّة: عندما استقلت الطائرة معه إلى هذا المكان، الذي حتى مياه حنفياته ملوّثة، وعندما سمعوا؛ أن ابنهم مات؛ في حربٍ بعيدّة، وصوته لا زال يناديهما من القبر، فيغوصان بحذر في دائرة وهمية رّهيبة من الذكريات!

الفجوَّة
كان والده ذو الشارّب المرتعش، من أهالي ثيسالونيك. تزوج والدته المصرّية في السويس، ثم تركها ورّحل إلى سيدني. ما الذي كانت تعنيه هذه الحقائق؟
دع خيالك يتغذى.. تخيل الصفائح الدّموية للحزن، تستقر في عروق أليكس. تخيل تصادم كروموسومات الفرّاعنة، البحارّة الفينيقيون، التجار اليونانيون، الصليبيون الغزّاة، الفلاحين السُّمر الخالدين كالنّيل!
كل هؤلاء تجرّي دمائهم في دمه. كأنها انحدار ضوء على الجانب المائل من الأرض، أنظر في الضوء عن كثب.. أنظر إلى الكس. هل تستطيع أن ترى الذكاء الدقيق، يترنح على حافةِ الأرض؟.. أو نقاط الاشتباك العصبي، الممزّقة داخل دماغه؟
درس الكس الطب، وأطلق عليه الجميع اسم (دوك)، وبعد وفاة زوجته وابنه في حادث مروع، على الرّصيف العلوي؛ للطريق الدائري، تشرّد في شوارع سيدني، وخط بالطباشير على الأرصفة كلمتين؛ في لوحة نحاسية أنيقة:
“انتبه للفجوّة”.
الطباشير في كل مكان، من باراماتا إلى خليج واتسون. قال كبار السن إن آرثر ستايس، كان يحاول إنقاذ العالم. فقال الشاب، الذي لم يسمع من قبل عن آرثر ستايس:
“ماذا؟”
لكن ستايس كان ثملاً ومتسكعاً، طويل القامة، منحنياً، وحذقاً.. كل شيء عن الإسكندر، كان حولنا.. كان أُميا مشاءاً في سبيل الله، استخدم الغاز في الحرب العالمية الأولى، في معركة ابرس Ypres كان بإمكانه كتابة الكلمة الوحيدة الرائعة: “الخلود” التي أضاءت المدينة، عشيّة الألفية الثالثة بأحرف، بارتفاع مائة قدم؛ عبر جسر هاربور.
تحوّلت الكلمة المبهِرّة ببطء، إلى نفث من الدخان. ومع ذلك؛ فإن القلة، الذين يعرّفون (دوك)، فهموا تفانيه اليائس، لسد كل ثغرّات الخلق!..
فهو الذي أغلق الفجوّة العظيمة، التي تفتح ميناء سيدني على المحيط الهادئ. (“غمزة الخلود الواسعة” كثيراً ما اقتبس أليكس من هارت كرين، الذي أغرق نفسه في بحر آخر).. سد حتى تلك الفجوّة في حيّاة الإسكندر، عندما أخرجوه من الماء، فمه مفتوحاً بصدمة لا هوّادة فيها.
_____

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق