ثقافة السرد

مسائل عائلية

عبد العزيز دياب
 
مرة واحدة حدث الزلزال وتناحرت حجرات بيتنا الخمس، كانت الجدران تروح وتجيء، ترقص، تميل وتعتدل، كانت أشياء تسقط من السقف، وأنا أبسمل، أقرأ الفاتحة وأية الكرسي…
كانت حجرتان مسالمتان في مواجهة ثلاث حجرات شرسات، لكن ثمة خيانة قد حدثت- ليس هذا مجال الحديث عنها- كان نتيجتها أن أصبحت حجرة واحدة مسالمة في مواجهة أربع حجرات. أربع حجرات شرسات مَعَهُنَّ آثَرَتْ بيوت الجيران السلامة، والسلامة تعنى أنه لا اقتراب، لا تدخل لتهدئة، الشوارع نفسها أفسحت المجال لمشاجرة شرسة فكانت تتسع. الحوانيت هي الأخرى بما هو معروف عنها بالإيجابية، لم تحرك ساكناً، بل تململت تاركة الساحة للعراك.
حجرتي تلقت دفعة قوية من أربع حجرات فانطرحت إلى جنبها، الغريب أنني لم أسقط من فوق سريري، كل ما حدث أن الأرض أصبحت في وضع رأسي وهى تحملني وتحمل سريري والكنبة البلدي، والطاولة وخزانة الملابس والسجادة. جربت المشي فمشيت، فيما كان جسدي في وضع أفقي، مشهد كرتوني أنا بداخله، أشارك في الخداع فلا أنزلق مرة واحدة إلى أسفل فتتكسر عظامي وتتهشم رأسي، أيضا كل أشياء الحجرة في مكانها لم تنزلق، لكن ما أحزنني أنني أصبحت أرى صورنا العائلية المعلقة بالجدار في موضع غير كريم : أبى وأمي. أخوتي وأعمامي. الكبراء .القدامى. الطرابيش. العباءات. الخيل المسومة، كلها تشاركني الخداع.
كل أفراد أسرتي انضموا إلى هذا المشهد الكرتوني، يشاركون نفس الخداع، أمي دخلت الحجرة، لملمت ملابسي المتسخة وانزلقت خارجة، أبى هو الآخر دخل يبحث بعصبية عن علبة التبغ وانزلق، أخوتي أيضاً دخلوا، مارسوا بعض صخبهم وانزلقوا.
أعجبني كثيراً الوضع الجديد، فاندفعت أجوب الحجرة ذهاباً وإياباً، أتأمل نفسي وأنا أبدو كأني معلق بالجدار، أرقص. أتشقلب، ينبغي أن أمارس هذه اللحظة جنوني، أتخيل البيوت. المساجد. الكنائس. الحدائق. المدارس. العمارات الشاهقة وهى تمارس نفس الخداع، هل الحياة بالخارج تشبه الحياة هنا بداخل حجرتي؟ ما أحلى أن التقى بكل أحبائي وأنا على هذه الحال، البنت التي كلما التقيت بها أجدها تأكل كشكول الرياضيات، ستنسى طعم الكتب، وطعم الطباشير، تنزلق معي على جدار هذا العالم، لابد أن السيارات الفاخرة تبدو وهى تبتعد كأنها تصعد إلى السماء، لا. لا. السماء تبدو كأنها على الجانب الآخر من هذا العالم.
عندما تناحرت- ذات مرة- عجول الزريبة حدثت خسائر فادحة، فرت كل البيوت التي بجوارنا عندما حدث الزلزال، لم يستطع عشرة رجال أشداء معالجة الموقف، فجلس أبى مُنَكَّس الرأس ينتظر النتيجة، أفواه الجيران والأقارب كانت تسرد بفصاحة: قُتِلَ ثلاثة عجول. بَقَرَ عجل بطن آخر. انهار جدار الزريبة الجنوبي. انكشفت عورة البيت.


أبى صبور، كان يعرف- عندما تناحر أثاث البيت هو الآخر- أن لعنة أصابت البيت، أمي كانت تصرخ فيما ارتحلت في الفضاء الأسِرَّة والدواليب وهى تتناطح، تبعها الكنب البلدي والطاولات والكومودينات ….، كل الأثاث انفلت خارجاً، لما رآه أبى يغادر فضاء البيت طلب من أمي أن تفسح أمامه الطريق، فلن يجدي شيء مع بيت يتناحر أثاثه وعجول زريبته …..
تراجعت أربع حجرات شرسات عن مهاجمة حجرة مسالمة، فاستعادت رباطة جأشها، اعتدلت عن جنبها، مالت أرضيتها رويداً. رويداً، عادت الأشياء إلى أماكنها الطبيعية: السرير. الكنبة البلدي عليها المساند والحشايا. الطاولة…….، عادت صورنا العائلية إلى موضع كريم، أنا أيضا عدت إلى وضعي القديم، انتهى المشهد الكرتوني الذي كنت أقوم فيه بدور البطل، لم أعد أنا ذلك الشخص الذي يمشى ويرقص على الجدار، أصبحت الأرض هي الأرض أمشى عليها مستقيماً.
كان أبى عند باب الحجرة يقول: كنت أعرف أنها ستغضب وتتناحر فيما بينها وبدأ في دهان جدران الحجرات الأربع، وتزيينها بالرسومات والضوء مثل حجرتي، يعتقد أنها بذلك سوف تكف عن التشاجر، يحلم بيوم يتوافد فيه أثاث البيت عبر الفضاء، يأتي ويحط كل في مكانه: الدواليب. الأسرة…..

مجموعته القصصية (ضرورة الساكسفون)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق