ثقافة السرد

ضائعٌ بين أقرانه (6)

رشيد مصباح (فوزي)

(6)

لم أكن أعرف من اللّغة الفرنسية، قبل أن انتقل إلى السنة الثّالثة ابتدائي، سوى كلمة: “فيان إيسي”، التي أنادي بها على الكلب. أو: “فا تون” حين أقوم بطرده. وفي السّنة المذكورة، رحلنا إلى مدرسة جديدة، تبعد مئات الأمتار عن التي أمضينا فيها العامين.
دخلتُ السنة الثالثة، وبدأتُ في تعلّم كتابة الحروف باللاّتينية، وكنتُ أحاول أن ألفظها بطريقة صحيحة، وعلى النّحو الذي يرضي (سيدي سليمان). وكان كلّما فرغ معلّمي هذا – رحمة الله عليه -، من الدّرس، يردّد الأغاني عن طريق التّصفير، ويجوب القسم طولا وعرضا ولا يجلس في مكتبه إلاّ قليلا. فتأثّرتُ به أيّما تأثير، ورحتُ أقلّده. فكنتُ كلّما عدتُ إلى البيت أصفّر مثله، فتنزعج والدتي وتنهاني بدعوى أنّه تطيّر من عمل الشّيطان. فأردّ عليها بالقول: ” وهل تعرفين أكثر من سيدي سليمان ؟”.
ودرستُ اللّغة العربية عند معلم مصري، نسيت اسمه، ولكن صورته لاتزال قدّامي؛ كان غليظ الصّوت، قويّ البنية. وكان يحبّني كثيرا، حتّى إنّه حملني فوق رأسه ذات يوم، وذهب بي إلى الصف الرّابع، بالقسم المجاور أين يدرّس نفس المادّة، وقال لتلامذته: “مكان هذا النّجيب يجب أن يكون هنا بينكم”.
وانتقلتُ إلى الرّابعة، ثمّ الخامسة، وكنتُ أدرس عند نفس المعلّمين تقريبا. والحقيقة أنّني لم أعد أتذكّر كثيرا من الأشياء والأمور التي مرّت بي خلال تلك السنتين (1971 ) و(1972).
لكن في المقابل، كان هناك عرس، ليس كل الأعراس مثله. أقامه عمّي الأكبر، (الحاج)؛ الوصي على “الفيرمة” وما فيها من عباد وعتاد. بدوار مشتى(العين البيضاء) بمناسبة زواج ابنه بابنة أخته المرحومة عمّتنا المتوفّاة، والتي تسكن أمامنا بالقرية.
كان الفرسان يتداولون في الرّكوب، صالوا وجالوا. وتعالت أصوات نساء المحفل بالزّغاريد، وتناثر مسك قلائد السُّخب في الأجواء… لكن الفرحة لم تدم كثيرا، فقد تُوفِّيتِ الابنة الوحيدة لعمّي (الحاج) بسبب الحمل، ولم يدم على زواجها من ابن خال أبيها سوى أشهر قليلة. فأفسدت علينا فرحتنا الكبرى تلك الفاجعة الأليمة.
حين سمعتْ والدني بوفاة الرّئيس (جمال عبد النّاصر)، ترجّتني أن أذهب إلى مقهى من المقاهي التي تعودّتُ الذهاب إليها وتتوفّر على شاشة لمتابعة مشاهد الصوّر التي أراها، ثم أعود بسرعة لأروي لها ما رأيته، وكان الظلام قد بسط أجنحته في كل الأنحاء والأرجاء، فنسيتُها. وكما نسيتُ نفسي أيضا ولستُ أدري أين قادتني خطواتي حينها، ولم أتذكّر إلاّ عند عودتي إلى البيت في ساعة متأخّرة من اللّيل البهيم. لكن ما إن فتحتُ عينيّ في الصباح حتّى وجدتُها أمامي تنتظرني لتسألني عمّا طلبَتْه منّي. فاختلقتُ لها رواية لا يصدّقها مجنون فما بالك بعاقل، ورحتُ أنسج خيوطها الواهية بالقول:
– لفُّوه في أشرطة القماش الأبيض، وقاموا بإنزاله من نافذة أعلى طابق في العمارة الكبيرة، وتدلّى والناس من تحت يحاولون الامساك به مخافة أن يقع؛ (ويبدو أنّني كنتُ متأثّرا جدّا بما أشاهده في أفلام الكرتون التي أتابعها في شاشة التلفزيون).
لم أجد تفسيرا لهذا الحزن الذي كانت والدتي تحاول إظهاره، ولم تكن سوى البدوية التي لا علاقة لها بعبد النّاصر ولا بأمثاله. وما كان ينبغي للمسكينة أن تحزن على (جمال عبد النّاصر) ولا على غيره من الذين لم ولن يكونوا في مرتبة عمّها ورجل خالتها: “الشّايب لخضر” -رحمة الله الواسعة عليه-؛ الرّجل الذي حين تغضب تجده أمامها. ولن يكونوا في مرتبة ابنة عمّي الأوسط -جزاها الله عنّي وعنها كل خير-؛ البنت المؤدّبة التي كانت تخدمها ليل نهار. ولن يكونوا حتى في مرتبة العمّة “خدوجة”؛ العجوز التي لطالما وجدتْ فيها أُنْسها وسَلْوتها. ولن ووو… فلماذا تحزن أمّي لموت شخص مثل (جمال عبد النّاصر)؟
لذلك، “تغيضني” المسكينة حين تتألّم، ويكبر حزنها. وحين تهجر البيت، أتشوّق إلى رؤيتها. ثم لا ألبث أن أنسى المشاكل التي لا ذنب لي فيها. تنسيني فيها الأفراح التي كانت تقام في دوّار مشتى (العين البيضاء). ينسيني فيها الانفراد بالأخوال في لحظة سمر. ينسيني فيها الجري وراء كرة “البف”، ولعبة “الغمّايضة” مع أبناء العم. وهناك أيضا أشياء أخرى تنسيني فيها؛ انشغالي بالدّروس. الڨانيا وما فيها. مباريات الفريق المحلّي لكرة القدم في نهاية كل أسبوع، بالرّغم من صعوبة تسوّر جدران الملعب لمشاهدة المقابلة ببلاش. الاستعراضات التي تقوم بها الكشّافة هنا وهناك، الحفلات التي تحييها البلدية في المناسبات، التظاهرات الثقافية في المدينة الأثرية (مادور)، وحتى المظاهرات السياسيّة وأنا صغير؛ كتلك التي قادها (الهادف) المدعو: (كوميدي-نخّال)، وكان يتقدّم الجمع الغفير وينادي بأعلى صوته: “تسقط تسقط أمريكا الامبريالية”. فتردّد الحناجر معه نفس الكلام. وكنّا مجموعة من الأطفال، فلم نتردّد في الانضمام إليهم، من دون معرفة أسباب هذا الانفعال. ولا عن الامبريالية التي خرجوا ضدّها، بالرغم من خطاب الرّئيس (هواري بومدين) الشّهير الذي ما إن انتهى منه، حتّى خرجت الجموع تهتف بحياته وتندّد بالامبريالية العالمية، وعلى رأسها أمريكا.
كم كانت الحياة سهلة وبسيطة في ذلك الزّمن الجميل، ربما لأننا كنا صغارا أبرياء، ولم تكن لدينا فكرة عن مدى أهميّة وخطورة المسئولية؛ أذكر أنّني حين أريد ارضاء بعض رفاقي، أقوم باختلاس دفتر “الكريدي”، وأذهب إلى العم (أحمد) البقّال، أقترض منه فاكهة من الفواكه ثم أعود مسرعا، ليس إلى البيت، بل إلى الرّفاق الذين تركتهم في الانتظار جنب حائط الملعب البلدي. قمتُ بذلك مرارا وتكرارا دون علم والدتي، ولا والدي الذي لم يفتح دفتر “الكريدي” ويسألني عمّا فيه ولو مرّة واحدة.
لم أعرف عن والدي أنّه بذلك القدر وتلك الدرجة من الطّيبة واللّطافة، إلاّ بعدما غيّبته المنيّة عنّا. وكل من عرفه شهد له بذلك. و”فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ يُفْتَقَدُ البَدْرُ” كما قال (أبو فراس).
لكن غاب عن هذا الوالد اللّطيف الطيّب أن يكون كذلك مع المرحومة والدتي التي لم تتحمّل طول جفائه وكثرة عراكِه وخصامه، فخرجتْ من البيت، وطلبتْ منه الطّلاق، من دون أن تأخذ أو تحصل على شيء، ولو حتّى على أبسط حقّ من حقوقها، وبقيتْ معلّقة؛ لأنّ والدي استحى من الذّهاب إلى المحكمة والوقوف أمام القاضي، ولأنّني أقنعتُها بأن حقّها عند الذي لاتضيع عنده الودائع، ولا يعزب عنه مثقال ذرّة. فقد كانت رحمة الله عليها ترفع أكُفَّها إلى السّماء وتتوسّل إلى الله بقولها: – حقّي راهو عندك يا الله.
بينما عرفتْ زوجة أبي كيف تصطاد والدي “الشرطي المتقاعد” بحنكتها وبقليل من الدّهاء. “اصطياد الغزال فوق البهيم” -مثل شائع-؛ فعندما ضمِنتْ دخولها إلى البيت “سيّبتْ عروڨـها”- كما يُقال -.
وفتحتِ الباب على مصراعيه لكلّ من هبَّ ودبَّ، وراحت تتزلّف إلى الجيران وبعض من الأقارب الذين “باعوا الدّم باللُّڨم”؛ كما قالت عنهم أختي حين رأتْ منهم الجفاء الذي لم يدّخروا جهدا في إبدائه لوالدتنا الكريمة، التي لطالما سعتْ إلى إرضائهم بكلّ الوسائل. لكنّهم، ولسبب من الأسباب التي نجهلها لحد الآن، نسوا، أو تناسوا، العِشْرة البريئة التي كانت تربطهم بوالدتي، واستخفّوا بها، بل واستبدلوها بأخرى مصطنعة ومزيّفة. واستطاعت زوجة أبي أن تصنع لها مكانة ولقبا في هذا المجتمع المزيّف، والحاشية المتزلّفة، فصاروا ينادونها: “لالاّ”.
يتبع…/…

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق