ثقافة المقال

العنوان في القصص الشعبي

داود سلمان الشويلي

قدمت الدراسات التطبيقية في تحليل الأدب العنوان في النص بشكل بارز، وعدته، الدراسات السيموطيقيا، أحد عتبات النص التي يدخل منها القاريء الى النص، فلا غنى عنه. إذ ان العنوان للقصص الفني، معروف المؤلف، أو لأي كتاب، أومؤلَف، كالاسم للشيء، به يعرف، وبه يتداول بين الناس، ويعدّ سيموطيقا الاتصال الأدبي، وهو ضرورة كتابية لا يستغني عنها القصص الفني، وغيره من المؤلفات، وملازما لهما، وهذا أحد الفوارق ما بينه وبين الأدب المنطوق، أي الشفاهي، ولكننا أزاء القصص الشعبي، وكذلك الاسطورة، أي النتاج الشعبي المتداول على ألسنة الناس، أو المكتوب نقلا عن أفواههم، فاننا نراه شيئا منسيا، وغير معني به، كالشعر العربي القديم المستغني عنه، وفي الوقت نفسه نجد لأي نص من تلك الآثار أكثر من اسم، وعنوان، لأن كل مجتمع، ومهما صغر، يطلق على ذلك النص اسم معين يستله من داخل النص، كأن يكون اسم احدى الشخصيات، أوصفاتها، أو أي شيء آخر مميز فيه.
ومنذ أن عرف الانسان القص، فكل القصص الشعبي رويت دون عنوان يميزها، اللهم إلّا العنوان الذي وضع لها أخيرا من قبل شخص غير معروف فضلّت مساحة تداوله غير عريضة. فالقاص الشعبي “س” يقول لمستمعية، الصغار أو الكبار: سأقص عليكم حكاية فلان، أو حكاية الحصان الطائر، أو حكاية الاقزام السبعة. فيما يأتي القاص الشعبي الآخر فيقول سأقص لكم حكاية “فلان” ويأتي بإسم آخر غير الأول على نفس الحكاية عند الراوي”س”، وهكذا تتغير العناوين لأنها غير أصلية، أي انها لم توضع أول مرة، لكون الحكاية قصة شعبية غير معروفة المؤلف.
وتداولية القص، الحكي، بين الناس، لا يتطلب عنوانا ما في الكثير من الأحيان، بل ان القصة الشعبية، تعرف بشيء قد تعارف علية ذلك المجتمع الصغير، “العائلة”، أو مجموعة من الناس، ويمكن أن يوضع أكثر من عنوان لقصة واحدة في ذلك المجتمع.
ولما كان القصص الشعبي يقوم على ركيزتين هما: الاجتماعية، والجمالية، فان هاتين الركيزتين لا يمكنهما الانفصال بتاتا، وانما يحافظن على ارتباطهما الأبدي، إذ لا وجود للاجتماعي فقط، ولا وجود للجمالي فقط، بل انهما مترابطان، ولما كانا كذلك، فان العنوان في الحالة هذه يكون شيئا زائدا، وغير ذي فائدة للقصص الشعبي، انه من باب الترف الذهني، وغير مفكر فيه في الكثير من الأحيان.
انصب اهتمام القاص الشعبي “الراوي”، وكذلك المتلقي، بالرسالة دون عنوانها، وان مثلث الارسال لياكبسون ينطبق عليها، فالضلع الأوّل يمثل المرسل، وهو القاص الشعبي، والضلع الثاني يمثل الرسالة، وهي النص “الحكاية”، والضلع الثالث يمثل المستقبل “المروي له”، وهو المتلقي، هذه الأركان الثلاثة لا تحتاج إلى شيء ما، كالعنوان مثلا، لأن الرسالة ستصل حتما للمستقبل الذي ينتظرها بأحرّ من الجمر شئنا أم أبينا.
العنوان في الدراسات الحديثة يعدّ بالنسبة للنص الفني، معروف المؤلف، ضرورة كتابية، ودلالية، ومعرفية.
وأيضا، فانه يعدّ نصا من خلاله يمكن الدخول في متن النص الأصلي، أي انه عتبة، كعتبة باب الدار، والقصص الشعبي لا يحتاج إلى مثل هذه العتبة النصية، انما يحتاج إلى كلية الحدث، وما يجري فيه.
ولما كان من وظائف العنوان في الفنون السردية الفنية انه دال على العمل، بينما المتلقي، لا يحتاج لذلك الدال، انما يحتاج للعمل الحكائي الكلي، لهذا فانه يعتبر زائدة لغوية ومعنوية غير مؤثرة.
***
ولو نظرنا للقصص الشعبي العربي لتبيّن بوضوح هذا الذي قلناه عن تغيّر العنوان، فيما المتن باق كما هو.
في كتابنا (القصص الشعبي العراقي – دراسات وتحليل)، وفي الفصل الرابع منه “وحدة التراث الشعبي العربي- مدخل تاريخي للوحدة العربية من خلال القصص الشعبي العربي” نجد ذلك جليا، وهذه عناوين بعض نصوصه:
أولا: في مبحث “النظرة الايجابية للمرأة”:
نجد النصوص التالية ذات المضمون الواحد سوى بعض الاختلافات الطفيفة فيها ثلاث عناوين:
1 – النص العراقي “حسن آكل قشور الباقلاء”. عنوانها اسم الشخصية المركزية.
2 – النص الفلسطيني”المرأة سبب كل شيء”. عنوانها جواب البنت الصغرى.
3 – النص السوري” من المعطي؟”. عنوانها سؤال الأب لبناته.
ثانيا/ آ: الوجه الأول”المرأة الشيطان” من مبحث “النظرة السلبية للمرأة”:
نجد نصوصه متشابهة، هي:
1 – النص العراقي “العجوز والشيطان”. عنوانها أبطال الحكاية الرئيسيين.
2 – النص المصري “بلا عنوان”. لم يضع لها عنوانا.
3 – النص السوري “العجوز والشيطان”. عنوانها أبطال الحكاية الرئيسيين.
4 – النص الفلسطيني “العجوز أقوى من إبليس”. عنوانها غاية الحكاية.
ب – الوجه الثاني:”المرأة والخيانة الزوجية”:
نجد نصوصه متشابهة، هي:
1 – النص العراقي “زوجة الصياد”. عنوانها زوجة الصياد.
2 – النص المصري “بلا عنوان”. لم يضع لها عنوانا.
++3 – النص السوداني “زواج البكر”. عنوانها من فعل في الحكاية.
4 – النص المغربي “بلا عنوان”. لم يضع لها عنوانا.
هذه أمثلة عن وضع أكثر من عنوان لنص واحد للقصص الشعبي المتداول في الأقطار العربية. أما على مستوى العراق، فهنالك نصوصا كثيرة يختلف فيها العنوان، ويتماثل المتن إلى حد التطابق.
* فهذا نص حكاية “حسن آكل قشور الباقلاء” يختلف في العنوان ويتماثل في المتن مع بعض صوره، أو نسخه، مثل النص الذي ترويه الباحثة الألمانية “سلمى الأزهرية جان” في كتابها “حكايات شعبية” الذي نشرته في برلين عام 1970، والحكاية تحت رقم “38” بعنوان “الله يرزقهم” تختلف عن هذا النص ببعض الأمور التي لا تؤثر على المضمون الرئيس، حيث تكون البداية عن بنت السلطان التي لا تحب الفقراء والشحاذين، فيزوجها والدها من أحدهم. ومن ثم يلتقي هذان النصان في باقي المضمون العام.
* وكذلك نص حكاية “الأمير نور الدين والأميرة فتيت الرمان” مع نص دونه العلامة انستاس ماري الكرملي (1866 – 1947) في كتابه المخطوط “ديوان التفتاف”، محفوظ في مكتبة المتحف العراقي برقم 937 وهي تحمل الرقم (13) وقد نشرها الاستاذ عزيز الحجية في كتابه “بغداديات – ج3” ص 175.
* وحكاية “الملك وأولاه الثلاثة” مع نص آخر يشبهها، نشر في مجلة التراث الشعبي – ع 1/ س7/ 1976 وقد سجلها كاتب هذه السطور تحت عنوان “الأخوة الثلاثة” تختلف عن هذا النص ببعض الجزئيات. وأيضاً هناك نص ثالث تركماني سجله الاستاذ مولود طه قاياجي تحت عنوان “الأخوة الثلاثة” ونشر في المجلة المذكورة في ع7 / س6 / 1975. وراجع أيضاً حكاية “أبناء العم الثلاثة” المصرية في كتاب الدكتورة نبيلة ابراهيم “قصصنا الشعبي من الرومانسية إلى الواقعية – ص 71”. وكذلك حكاية “الخلخال” السودانية، التي سجلها الدكتور عز الدين اسماعيل في كتابه “القصص الشعبي في السودان”.
* وحكاية “العصا السحرية” والنص المذكور في مجلة التراث الشعبي – ع10/1972. وقد جاء على ثلاث جزئيات:
1 – والدان فقيران يتركان أولادهما في الغابة.
2 – بفضل شطارة الصغير يقضون على عفريت ويغنمون كنزاً.
3 – يعودون إلى والدهم.
أما بين القصص العربي والقصص الأجنبي فهناك الكثير من اختلافات في عنوان حكاية واحدة متشابهة المتن. فالحكاية السلوفاكية “بيرونا الحسناء” تشبه حكاية الملك وأولاده الثلاثة، سوى بعض الاختلافات الطفيفة.
و الحكاية السلوفاكية “الأشقاء الاثنا عشر” تتشابه في أكثر من نص وحكايات عراقية، مثل حكاية “تضحية أخت” التي تشبه هذه الحكاية من ناحية الموضوع العام وحتى أبسط جزئياتها، ما عدا بعض الإختلافات البسيطة التي لا تؤثر في المسار العام لها.
فالعنوان في كلتا الحكايتين السلوفاكيتين يختلف عنه في الحكاية العراقية.
***
من أعلاه، يمكن القول ان العنوان في القصص الشعبي الشفاهي خاصة، وغير المدون، ليس بذات أهمية عند الراوي الشعبي، أو المتلقي، ولا يشكّل أي شيء بالنسبة لمتن الحكاية المروية، وكذلك لو دونت وقيدت في الكتب.
***
المصادر:
1- القصص الشعبي العربي – دراسات وتحليل – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد – 2020.
2 – قصصنا الشعبي من الرومانسية إلى الواقعية – د. نبيلة ابراهيم – دار العودة – بيروت – 1974.
3 – القصص الشعبي في السودان – د. عز الدين اسماعيل – القاهرة – 1971.
4 – القصر المسحور “حكايات سلوفاكية “- بافول دوبشنسكي – تر:خير الدين عبد الحميد – منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي – دمشق – 1976.
5 – بغداديات ج2– عزيز الحجية – بغداد – 1973.
6 – أعداد متفرقة من مجلة التراث الشعبي العراقية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “العنوان في القصص الشعبي”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق