ثقافة المقال

حاجتنا إلى “الكيمياء الخضراء”

حاتم السروي

من المعروف أن الكيمياء عامةً لا غنى عنها لعملية التصنيع التي هي العمود الفقري للحضارة الحديثة في الدول المتقدمة، ومن بين مجالات الكيمياء المتعددة تطل علينا “الكيمياء الخضراء” التي تسعى إلى منع الانبعاثات الناتجة عن عمليات التصنيع الكيميائية أو تقليلها قدر الممكن، وبهذا يصبح الهدف الأول والرئيسي لهذا النوع من الكيمياء هو جعل البيئة نظيفة وخالية من الملوثات بكافة صورها وأشكالها.
ولقد ظهر مصطلح “الكيمياء الخضراء” في الولايات المتحدة، أو بالتحديد ظهر معناه عام 1962م عندما نشرت عالمة البيولوجيا الشهيرة “راشيل كارسون” كتابها “الربيع الصامت” وفيه ألقت الضوء على الكوارث التي سببها الاستخدام المفرط للمبيدات الحشرية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولفتت “راشيل” انتباه الحكومات واستحثتها لإحداث تغييرات جذرية في تعاملها مع البيئة.
على أن البداية الحقيقية للكيمياء الخضراء جاءت بعد الشروع في ممارسة تطبيقاتها بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1990م؛ حيث تم تطبيقها بالفعل في صناعات مهمة، نذكر منها على سبيل المثال: تطوير دهانات بديلة غير تلك المعتمدة في أساسها على المذيبات السامة، وكذلك تطوير منظفات آمنة وصديقة للبيئة من أصول نباتية، ومرجع هذا إلى أن الكيمياء الخضراء تهدف إلى ابتكار مواد كيميائية جديدة غير المواد المعمول بها حاليًا والتي تؤدي عمليات تصنيعها إلى نتائج سلبية على البيئة والإنسان، وأيضًا تعمل الكيمياء الخضراء على إنتاج بدائل فعالة عِوَضًا عن المواد المستخلصة من الأنواع الحية المهددة بالانقراض مثل “الزيوت الكَبِدية” المستخلصة من الحيتان وأسماك القرش والتي يلاحقها خطر الانقراض، وربما انتهى وجودها بعد عقود قليلة.
ومما سبق يتبين لنا أن الكيمياء الخضراء هي مجال علمي يقع بين الكيمياء العامة والهندسة الكيماوية؛ حيث تهتم بتصميم منتجات أو إيجاد عمليات تصنيع تقلل استخدام المواد الخطرة أو إنتاجها، والفرق بينها وبين “الكيمياء البيئية” أن الأخيرة ينحصر اهتمامها في الآثار الناتجة عن الملوثات الكيميائية على الطبيعة؛ أما الكيمياء الخضراء فتركيزها يكون على النهج التكنولوجي للوصول إلى منع التلوث وتقليل استهلاك المصادر غير المتجددة.
ومما تجدر الإشارة إليه أن الكيمياء الخضراء دخلت في حيز الممارسة منذ 31 عامًا في الولايات المتحدة بعد التوقيع على قانون “منع التلوث” والذي يهدف إلى حماية البيئة عن طريق خفض الانبعاثات الضارة من مصدرها نفسه، وبموجب هذا القانون قامت حكومة الولايات المتحدة بتقديم “مِنَح” للمعاهد العلمية والجامعات من أجل تطوير المنتجات الكيميائية لتقليل مخاطر الانبعاثات، وتطورت أهداف المنح إلى عمل معادلة مع المواد الضارة وإنتاج بدائل مناسبة لهذه المواد؛ فالكيمياء الخضراء هدفها جعل علم الكيمياء علمًا متكاملاً عن طريق تقليل ما يسببه التصنيع الكيميائي المهم في الصناعات الصيدلانية أو البترولية وصناعات البلاستيك من أضرار يعاني منها الإنسان المعاصر، وهذا يكون بمنع التلوث قدر الممكن من مصدره الأول.
ويرتبط تطور الكيمياء الخضراء في الولايات المتحدة والدول الأوروبية بتطور في استراتيجيات حل المشاكل البيئية؛ حيث عملت الحكومات في إطار اهتمامها المتزايد بمشاكل التلوث واستنفاد الموارد على التوجه نحو “الوقاية الفاعلة” من التلوث، وذلك من خلال التصميم المبتكر لتكنولوجيات الإنتاج، وقد أصبح لمصطلح “الكيمياء الخضراء” الأولوية والصدارة؛ بحيث غلب على مصطلحات أخرى تم وضعها للتعبير عن هذا المجال الحيوي، مثل: “الكيمياء المستدامة” أو “الكيمياء النظيفة”.
وفي الولايات المتحدة أدت “وكالة حماية البيئة الأمريكية” دورًا ملموسًا في دعم الكيمياء الخضراء من خلال برامجها للوقاية من التلوث، وكذلك بالتمويل والتنسيق المهني، كما أسهم باحثون في “جامعة يورك البريطانية” في تأسيس “شبكة الكيمياء الخضراء” ضمن “الجمعية الملكية للكيمياء” وإنشاء مجلة خاصة للكيمياء الخضراء.
ولعلم “الكيمياء الخضراء” أسس يقوم عليها؛ فقد أصدرت جامعة “أوكسفورد” عام 1998م كتابًا بعنوان “الكيمياء الخضراء..النظرية والممارسة” ويحتوي على 12 مبدأً لمساعدة العلماء والباحثين على تفعيل دور الكيمياء الخضراء، ومن ذلك مثلاً: تحديد مواد آمنة يمكن استخدامها لصنع منتج مرغوب فيه، واستعمال مواد من مصادر متجددة مثل المواد المستخلصة من النباتات بدلاً من الاعتماد على منتجات البترول والغاز الطبيعي، وأيضًا استعمال مذيبات آمنة، مع العمل على تخفيف نسبة المذيبات السامة في التفاعلات، وتعمل الكيمياء الخضراء إلى جانب ما سبق على تصميم كيماويات لها القدرة على التحلل بحيث لا تبقى لمدة طويلة في البيئة عند نهاية وظيفتها، ومن الممكن أن تتحول أيضًا إلى منتج غير ضار.
ومن وظائف الكيمياء الخضراء العمل على الوقاية من الحوادث الكيميائية المحتملة كالانفجارات والحرائق، وذلك بتطوير عمليات كيميائية أكثر أمانًا. ويعد اختراع “عملية التحول” من أهم الاختراعات التي أصبحت لها تطبيقات واسعة في عالم الصناعات الكيمائية، وهي العملية التي تتحول من خلالها المواد الكربونية السامة إلى مواد أقل سُمِّيَّة وأبعد عن تلويث البيئة، وتتميز هذه العملية باستهلاكها كميات أقل من الطاقة والوقود، بالإضافة إلى دورها الكبير في تقليل انبعاثات الغازات الضارة والمسببة للاحتباس الحراري الذي أدى إلى ارتفاع حرارة الجو في كثير من دول العالم وبقاء فصل الصيف مدة طويلة من السنة؛ ومن المعروف أن غاز “ثاني أوكسيد الكربون” من أهم أسباب هذا الانقلاب المناخي.
وقد حصلت شركة “إليفانس للعلوم المتجددة” عام 2012 على “الجائزة الرئاسية” في مجال تحديات الكيمياء الخضراء، وذلك لاستخدامها عملية التحول في تكسير الزيوت الطبيعية وإعادة تجميع أجزائها بهدف إنتاج كيماويات عالية الأداء، كما نجحت الكيمياء الخضراء في تطوير طريقة جديدة ومختلفة لتصنيع شرائح الحاسوب باستخدام “ثاني أوكسيد الكربون” في حالته السائلة بالغة الحرج خلال إحدى خطوات التصنيع، ونجحت هذه الطريقة بالفعل في تقليل كميات الكيماويات والطاقة والمياه المستخدمة لإنتاج شرائح الحاسوب، والفضل في استحداث هذه الطريقة يرجع إلى مجموعة من العلماء في “المعمل القومي بمدينة لوس آلاموس” وبفضلهم تم تقليل حجم المياه والوقود المستخدم في صناعة الشرائح والذي كان يُقَدَّر سابقًا بـ “630 مرة قدر وزن شريحة الحاسوب”!.
بل واستطاع الرئيس السابق لبرنامج “المُرَكَّبات ميسورة التكلفة من مصادر الطاقة المتجددة التابع لجامعة (ديلوار)” واسمه “ريتشارد وول” من خلال دراسة أجراها، أن يتوصل إلى طريقة يُستَخْدَم فيها “ريش الدجاج” لصناعة شرائح الحاسوب! حيث يحتوي ريش الدجاج على مادة “كرياتين” البروتينية، ومع شيء من تعديلها تم إنتاج نسيج خفيف الوزن وفي الوقت نفسه يتمتع بصلابة عالية بحيث يستطيع تحمل الضغوطات الميكانيكية والحرارية، وبهذا يعود الفضل إلى “رتشارد وول” في إنتاج شرائح حاسوبية حديثة تعمل بكفاءة أكثر مرتين من الشرائح القديمة.
ولأن مواد الطلاء الزيتية تطلق الكثير من المُرَكَّبَات العضوية الطيارة، والتي تتبخر من الطلاء أثناء جفافه بما يؤثر سلبًا على البيئة، عملت شركة “شيروين ويليامز الأمريكية” وهي شركة كبرى تعمل في إنتاج مواد البناء، على تطوير مواد إكريليكية للطلاء مصنوعة من “الماء” وتحتوي على كميات قليلة من المواد العضوية الطيارة، والتي يمكن تصنيعها بسهولة مع استخدام زجاجات مياه غازية من البلاستيك بعد إعادة تدويرها، بالإضافة إلى “فول الصويا” ومواد إكريليكية، ويمتاز هذا النوع من الطلاء بالجمع بين فوائد الدهان التقليدي مع كمية أقل من المركبات العضوية الطيارة.
كما توصل بعض العلماء إلى ابتكار طريقة جديدة لتحويل “النوشادر” المستخلص من “الذُّرَة” إلى “مادة صمغية صلبة” عن طريق استخدام أنواع خاصة من الكائنات الدقيقة؛ بحيث تكون المادة الصمغية الصلبة بديلاً صديقًا للبيئة عن البلاستيك المصنوع من المواد البترولية، وتمتاز المادة الصمغية بكونها أكثر صلابة من البلاستيك، كما تم العمل على تحويل المخلفات الزراعية إلى مصادر للمواد خام، وتهتم بعض الشركات بإنتاج أنواع متجددة من البلاستيك تتميز بقابليتها للتحلل بشكل طبيعي وغير ضار للبيئة والإنسان.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق