ثقافة المقال

الزمن الجميل…؟!

بلقم: منير مزليني

في الأصل هذه الاضاءة هي مقدمة لمقال أوسع وأشمل كنت قد أعددته لأمر لاحق، ولكني رايتها تصلح لأن تكون إضاءة منفصلة وخفيفة، قد تضيء لنا بعض الجوانب التي أراها مهمة في حياتنا جميعا.. حيث أن هذه العبارة ” الزمن الجميل” تتداولها الأجيال جيلا بعد جيل وكأنها لازمة جيلية خالدة، فلا يخلو منها لسان ولا تنعدم منها ثقافة! لكن المفارقة فيها أننا نجهل كنهها وأبعادها الدلالية، حيث إذا أمعنا في العبارة سوف نكتشف أن الزمن أزمنة وأن الجميل جَمالات. وأن الزمن الجميل بالنسبة إلى جيل معين هو زمن الرداءة بالنسبة لجيل سابق، وهكذا.. كل يدعى أن زمنه هو الأجمل! فما حقيقة الزمن الجميل؟ وأي الأجيال أحق وأصدق؟
الزمن الجميل.. عبارة أو حكم معياري يطلقه الناس عادة على الفترة الزاهية من حياتهم، كمرحلة الطفولة أو الشباب، وهي حكم ذاتي لاشعوري أكثر منه عقلي إرادي، إذ الجميع حينما يكبر ويتقدم به السن يتولد لديه الحنين والحب لمرحلة الطفولة والشباب، فيرى فيها أزهى المراحل وأجملها مهما كانت أوضاعها وأحوالها وكيفما كان شكلها ومستواها! ولذا من الصعب الأخذ بهذا الحكم المعياري التفاضلي كمرجع أساسي للتمييز بين الأجيال أو الحكم على أيها الأفضل أو الأحسن.
هذا بشكل عام، أما إذا حاولنا أن نخصص الحكم ونسقط العبارة على فئة معينة، مثل فئة المثقفين والمبدعين من الكتاب والفنانين في مختلف الألوان والأنواع. فإن الأمر سوف يصبح أكثر تعقيدا وأشد تدقيقا. لأننا بذلك نكون قد حددنا مجالا معينا ولم نترك الأمر على عوانه مفتوحا على الاحتمالات، لأن التعميم يتنافى مع الحكم العلمي الدقيق. وعليه وجب تحويل العبارة ـ الزمن الجميل ـ إلى فرضية نتحقق منها من خلال اخضاعها للتجربة المخبرية والتحاليل النقدية الخاصة، ثم بعد ذلك نتوصل فيها إلى حكم ليصبح نظرية قائمة بذاتها، تماما كما يستوجب الأمر والمنطق العلمي. فمثلا، كثيرا ما نسمع عبارة (الزمن الجميل) تتداول بين فئة الفنانين في مجال الموسيقى والغناء، فتطلق على فترة منتصف القرن العشرين بحسبان ما قبل وما بعد بقليل، أينما كانت تصدح أم كلثوم بإبداعاتها الغنائية من مثل: الأطلال، رباعيات الخيام، أغدا ألقاء، وغيرها. أو ما كانت تترنم به اسمهان شدوا خالدا بصوتها الشجي الصادح من مثل: يا ورد مين يشتريك، ليال الأنس، يا طيور، وغيرها. أو ما تغنى به ولحن محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش، وما أدى عبد الحليم حافظ، ووردة الجزائرية، ونجاة الصغيرة، وغيرهم من المطربين والملحنين، في المشرق العربي. أما عندنا في الجزائر وبمقاييسنا المحلية يمكن أن نذكر أحمد وهبي، بلاوي الهواري، رابح درياسة، نورة، دحمان الحراشي، قروابي، الحاج الفرقان وغيرهم.. إلا أن هذا الحكم ومهما حددت فيه المقاييس والمعايير النقدية تبقى أحكامه نسبية ومتغيرة شأنه شأن أي قاعدة نظرية في مجال العلوم الإنسانية فما بالك بالمجالات الأدبية والفنية التي تخضع للذوق والاستجابة الشخصية أكثر ما تخضع للمنطق العقلي والتنظير العلمي. فنجد عندنا مثلا في الجيل الجديد من يفضل: الشاب بلال والشاب حسني وغيرهما.. عن المطرب بلاوي الهواري أو الحاج الفرقاني، تماما مثلما هو ملموس لدى فئة الجيل الجديد في المشرق والذين يفضلون: عمر دياب، اليسا، تامر، و، و، على أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش وغيرهم. إذا المسألة ما تنفك تنتهي حتى تبدأ من جديد مع كل جيل وفي كل فترة. كما أنها تمس كل الجوانب الحياتية ومختلف الفئات المجتمعية. لأنها تتعلق بالأجيال المتلاحقة والمتعايشة أو المجايلة لبعضها البعض. وهي تعتمد على الجانب التواصلي أكثر مما تعتمد على أي جانب آخر، إلا أن هذا الأخير في حدّ ذاته يحتاج إلى مجموعة من العلوم أو العوالم المتداخلة الاجتماعية والثقافية والفلسفية وغيرها.. وربما أكثر ما يكون هذا التواصل مع أبنائنا أو الرعيل الذي هو في الأصل أمانة بين أيدينا، حيث أن هذه العلاقة التواصلية لا تأخذ أكثر من احتمالين، إما علاقة حوار وتكامل بين هذه الأجيال المتعاقبة أو علاقة صراع وتنافر. وهذا الأمر من الخطورة بمكان لأنه يحدد سيمة وطبيعة المجتمع ويبين تماسكه من انحلاله. إذ نجد هذا العلاقة في كل الفئات والأوساط الاجتماعية المختلفة، السياسية منها أو الثقافية أو الاقتصادية أو غيرها.
حيث كثيرا ما تأخذ هذه العلاقة صفة الصراع بدل الحوار، وقد يشتد إلى أشكال وصور صراعية خطيرة لاسيما في الدول الأقل حظا من التقدم والتطور والرقي حتى لا أقول المتخلفة التي تعبنا منها كثيرا.
والسبب في ذلك أننا لا نعرف كيف نبني علاقة حوارية ولو حتى في الأشياء والأمور الجميلة مثل الفن والأدب والغناء والموسيقى واللباس وطريقة الحديث والتعامل وما إلى ذلك من الأمور الثقافية والأخلاقيات السلوكية.
فكل جيل نجده ينحاز أو يتحيز لفئته أو جيله فالسابق يؤيد السابق ويعارض اللاحق لأنه تعود على أشياء يظن أنها الصحيحة والجميلة والأفضل، وكذلك الجيل اللاحق يفعل، اعتقادا منه أنه على صواب وعلى حق. مبتعدين بذلك عن جادة الموضوعية وآلياتها النقدية.
وهنا لابد أن نشير إلى مسألة مهمة، وهي الثابت والمتحول فيما يتعلق بتلك المسائل، إذ ليست كل الأمور ثابتة لا تتغير ولا تتطور، كما أنه ليست كل الأمور متغيرة ومتحولة. وقد نأخذ من قانون الطبيعة درسا لنا نتأمل فيه، فالشمس منذ أن خلق هذا الكون وهي تشرق من الشرق وتغرب من الغرب وهي ثابتة على هذا الحال منذ ذلك التاريخ إلى يوم الناس هذا ولسوف تستمر إلى ما يشاء لها خالق هذا الكون. ولم ينقص منها هذا الثبات شيئا لا في جانبها الجمالي ولا في مجالها الفلكي العلمي ولا فيما يتعلق بدورها الحياتي ولا في تأثيرها الاجتماعي والنفسي، هذا لأنها ثابتة بالجوهر. بخلاف الجو الذي هو متغير وتلك هي طبيعته وأهميته ولم ينقص تغيره وتحوله ذاك من أهميته أو دوره شيئا، ذلك لأنه في جوهره متغير. كذلك الأمور بالنسبة للمجالات الأخرى التي تسير حياتنا اليومية ونعترضها في حياتنا العامة. فلابد لنا من البحث عن الجوهر الثابت فيها والمتغير منها. نعلم أن الأمر ليس بالهين البسيط ولكنه ممكن لو أردنا لأنفسنا الخير والعيش بسلام. فالأخلاق الحميدة مثل الصدقة وحسن معاملة الغير مطلوبة ومستحبة لدى كل جيل وفي كل عصر، وكذلك العواطف الصادقة مثل الحب والسلام فهي ضرورية لكل الناس مهما كان عصرهم أو اختلف مصرهم، أيضا العلم والفكر والبحث والنقد مفيد لكل جيل ولا فرق فيه للاحق أو سابق … وعليه من الضروري والواجب علينا البحث عن تلك الثوابت والقواسم المشتركة في كل لون حتى نعيش بسلام وتوافق مع أبنائنا وأصدقائنا واخواننا من كل فئات المجتمع.
الخميس: 21/10/2021

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق