قراءات ودراسات

مقاربة نقدية في الملحمة الروائية (آخر أخبار الجنة)

للشاعر والكاتب والمفكر حزين عمر.

بقلم / مجدي جعفر

( 1 )
” آخر أخبار الجنة ” هي الملحمة الروائية الشعرية الأولى للشاعر والكاتب والمفكر حزين عمر، وإذا كان شعر التفعيلة قد خطا خطوات واسعة بالمسرح على يد صلاح عبدالصبور وعبدالرحمن الشرقاوي وغيرهما، فإنه قادر أيضا على خوض غمار الرواية، والإضافة إليها، ولم تأت هذه الرواية الشعرية من قبيل المغامرة أوالتجريب، بقدر ما جاءت لأسباب موضوعية وضرورات جمالية وفنية ملحة، فاستخدم الكاتب ” الفنتازيا ” كأداة أو كوسيلة فنية لا غاية في حد ذاتها، كما استفاد من تجارب العبث، وأثرى تجربته الروائية برؤى من الواقعية السحرية، والشاعر الكاتب أو الكاتب الشاعر حزين عمر، قادر على الإمساك بتلابيب الحكاية، التي هي الوجه الرئيس للرواية، وبالشخصيات، وبالحوادث، والصراع، والزمان، والمكان، وبكل عناصر العمل الروائي وقد صاغ كل هذا شعرا، ليؤكد أن شعر التفعيلة الذي أفاد المسرح، قادر على أن يفيد الرواية هي الأخرى ويثريها فنيا، والرواية من المرونة بحيث تستوعب الشعر وخصائصه الفنية، وفي نفس الوقت قادرة على الحفاظ على خصائصها وطبيعتها.
الرواية صدرت في ( 160 ) صفحة من القطع المتوسط، عن مكتبة جزيرة الورد، في غلاف أنيق، وجه الغلاف لوحة تخيلية للجنة، وعلى ظهر الغلاف مقطع شعري استفاد فيه من تجارب العبث :
” قط أخضر يهبط حالا وسط الجلسة
في إحدى عينيه الشمسْ
وفي الأخرى أسرارُ القادمِ
تاريخُ الأمسْ
قد سُطِرتْ في العين اليسرى
كلُّ دفاترِ وتراتيلِ وكُتبِ اللهِ
إلى الناسْ
آلافٌ من آلاء التقديسْ
وصيغتْ بالذهب، الياقوت، الماسْ
لوَّحَ هذا القطُّ بذيلٍ ذي سبعة ألوانٍ
فانتثرَ العطرُ بكل الأرجاء ، وقال :
إني قطُّ الجدِّ الأكبر إدريسْ “
وتضم الرواية ( 14 ) فصلا أو أنشودة، تتراوح بين الطول والقصر، فأقصرها جاء في أقل من نصف الصفحة بعنوان ” الصدق “، وأطولها احتل ( 62 ) صفحة بعنوان ” تحقيق عن الجنس “.
…..
( 2 )
الإهداء
يستهل الروائي الشاعر روايته بهذا الإهداء :
( إلي : المصري القديم ،
أبي العلاء المعري ،
دانتي اليجييري ،
وكل من تجسسوا علي
الآخرة وهم مازالوا أحياء!!! )
وكأنه أراد أن يؤكد من البداية، أنه ليس أول من تجسس على الآخرة، فهناك من سبقوه في التجسس عليها، ومنهم المصري القديم وأبي العلاء ودانتي، وإذا كان دانتي قاده ” فيرجل ” في رحلة غرائبية ومثيرة إلى الجحيم ومن الجحيم إلى المطهر، ويختفي بعدها لتقوده ” بياتريش ” إلى الفردوس، وينقل لنا دانتي مشاهداته وحوارته مع من صادفهم في الجحيم وفي المطهر وفي الفردوس، وإذا كان المعري قام بدور الراوي متخذا من ابن القارح بطلا ليحاور الشعراء ويصف أحوالهم، القابع منهم في الجحيم والمخلد منهم في النعيم في الجنة، فإن حزين عمر يتخذ مجموعة من الصحفيين، ليعيشوا في الجنة بعض الوقت متوسلا بالفنتازيا كأداة فنية، ويلتقون هناك بالمئات ممن أثروا الإنسانية، وأضافوا إليها في العلم والسياسة والأخلاق والدين والفلسفة والأدب والفن وكل صنوف المعارف، ويذهبوا إلى القابعين في اللاجنة أيضا وهم بالمئات، وينقلون لنا أخبارهم، وهؤلاء الصحفيين يقررون اصدار جريدتهم لأهل الجنة بعد أن أحكم رجالات السياسة وأهل المال ورجال الدين الخناق حولهم وحول جريدتهم في الدنيا التي كانت صوت الصدق، وتنطق بالحق، وسرعان ما تفتأ الأسئلة تنخر كالسوس في ذهن المتلقي، هل تتماس جنة حزين عمر مع جنة المصري القديم مثلا أو تتقاطع معها أم تختلف عنها، وأيضا هل يتقاطع أو يتماس مع أبي العلاء في أرائه أم يختلف معه، ونفس الحال مع دانتي، وما أوجه التشابه إذا وجد وما أوجه الاختلاف؟.. ويجد المتلقي نفسه محاصرا بأسئلة أخرى كثيرة تتعلق بالموت، والبعث، والخلود، وبالجنة وبالنار، …أسئلة تتعلق بالوجود ذاته وتبحث عن إجابة، وتتوارد على ذهن المتلقي صور الجنة التي وردت عند المسلمين وعند النصارى وعند اليهود، بل لا يكتفي المتلقي بتخيل صورة الجنة في الديانات السماوية، بل يذهب خياله لأقصى مدى لاستقصائها في الديانات الأرضية هي الأخرى، فالكاتب يذكر الكثير من أسماء المؤسسين العظماء لهذه الديانات في رحلتهم إلى الجنة، فهي رواية تثير الدهشة، وتثير الأسئلة، كما تثير الخيال، وتدفع المتلقي إلى البحث والاستقصاء والاطلاع.
( 3 )
يُصدّر الروائي الشاعر روايته بهذا المشهد، وهو بمثابة الفصل الأول، أو الأنشودة الأولى، ويمثل قيمة أخلاقية عظمى نفتقدها في هذا الزمن، وهي قيمة الصدق، والصدق عند كاتبنا الشاعر تعني الحق، فيقول :
” إصدار صحفيّ فاشلْ
يخلو من “ساسبنس” الفن
وعريِّ الرقاصاتِ
ومانشتات الكورة
ومقالات البصاصين الأفّاقين المرتزقة
جـــادُّ في زمن الهزل !! “
وأشار من البداية إلى أزمة الصحيفة، والتي تحمل نفس العنوان، ” الصدق “، ولا يقدم لنا الصدق كقيمة أخلاقية كإنشاء أجوف، وشعارات تصك مثل شعارات المعلمين وأئمة المساجد، ولكنه يقدم لنا قيمة الصدق من خلال ممارستها كقيمة أخلاقية على أرض الواقع، فالصحيفة التي تبنت قيمة الصدق، فشلت، وأسباب فشلها أنها تخلو من ” ساسبنس ” الفن، فالصحيفة خلت صفحاتها من ( عري الرقاصات / ومانشتات الكورة ) وخلت أيضا من ( مقالات البصاصين الأفاقين المرتزقة )، فهذا الاصدار الصحفي فشل لأنه ( جاد في زمن الهزل ).
وبهذا التصدير يكون قد هيأ القارئ تماما للدخول في أجواء روايته، ولعلنا نلاحظ أنه استفاد من خاصية التكثيف في الشعر، وجاءت روايته وكأنها منزوعة المقدمة، وهي سمة العمل الجيد كما يقول أنطون تيشكوف، ففي أبيات قليلة قدم لنا أزمة الصحيفة، وينقلنا بعدها إلى ( اجتماع مجلس التحرير ) وهو اجتماع طارئ يناقش الأزمة وأسبابها، والبحث عن طرق الخروج من هذه الأزمة، وهو ما يعني الدخول في الحدث مباشرة.
والاجتماع يضم ( رئيس التحرير، مدير التحرير، محرر الثقافة، محرر صفحة الرأي، محرر التحقيقات. ) ولا يوجد محرر الرياضة ولا محرر الفن، لأن الصحيفة خلت من صفحتي الرياضة والفن، ولا يذكر لنا الأسماء، أسماء الشخصيات، ولكنه يؤكد على الصفة الوظيفية لهم، فقدم لنا توصيفا وظيفيا دقيقا لعمل كل من بالجريدة، من خلال الحوار، وإذا كان لم يهتم بذكر الأسماء مكتفيا بالصفة الوظيفية، فإنه لم يهتم أيضا برسم البُعد الخارجي للشخصية كلون الوجه ولون الشعر ولون العينين، وهل هو طويل أم قصير، سمين أم نحيف، أم .. أم …، والشاعر هنا يبدو متأثرا بالقصة القرآنية، فالقرآن لا يهتم بهذا الجانب، ونعني به الجانب الخارجي للشخصية، و يركز القرآن بصورة أكبر على وصف الشخصية من الداخل مبينا أحوالها الداخلية وحالاتها الفكرية، وانفعالاتها النفسية، ويرصد سلوكياتها وأفعالها وردود أفعالها من خلال المواقف التي تمر بها الشخصية، ويهتم القرآن أيضا برصد حركة الشخصية في محيطها الاجتماعي، ومن ثم لم ترد آية في القرآن الكريم تشير إلى أبعاد أو ملامح الشخصية الخارجية، ولكن هناك رصد دقيق للأبعاد النفسية والفكرية والاجتماعية، من خلال الصراع بين النبي أو الرسول مثلا وبين قومه، وهو في الحقيقة صراع قوي وشرس وعنيف، صراع بين الخير والشر، بين الإيمان والكفر، ونتكشف من خلال هذا الصراع شخصية النبي أو الرسول، وسلوكياته، وتصرفاته، وهذا ما فعله حزين عمر تماما مع شخصياته، فهي شخصيات بلا أسماء، وبلا وصف ظاهري، والكاتب لاينشغل كثيرا بالتفاصيل الصغيرة، وفصل ( اجتماع مجلس التحرير ) قائم من أوله إلى آخره على الحوار، والكاتب أفاد في كتابة روايته من تقنية المسرح أيضا، وهو بالأساس من كُتّاب المسرح، وله تجارب عديدة في المسرح الشعري، فزاوج بذكاء وبوعي شديد بين المسرح الشعري والرواية، والرواية تحتمل الحوار المطول، بشرط أن يكشف عن ملمح من ملامح الشخصية، أو ينمي الحدث ويدفع به إلى ألأمام، وهذا ما فعله الحوار عند حزين عمرالذي احتل المساحة الأكبر في هذه الرواية.
ويلاحظ القارئ أن السرد يتضاءل ويتراجع ويفسح المجال للحوار، حوار الشخصيات، فتظل الشخصية كما يقول النقاد مجهولة للمتلقي حتى تتكلم، فعندما تتكلم الشخصية نبدأ في التعرف على أنماط وأساليب تفكيرها، ورؤاها وتطلعاتها، تبثنا همومها وأفراحها، ونتعاطف معها أو ننقم عليها وننفر منها، فآثر الكاتب والشاعر أن يجعل الشخصية تقدم لنا نفسها وتعبر عن داخلها، وما تحس به، بدلا من أن يتكفل هو كسارد أن ينوب عنها في التعبير، وهذا ما يفسر لنا الظهور القليل للسارد، وقلة الجمل السردية في هذه الرواية.
وأزمة الجريدة، يلخصها رئبس التحرير :
(ينخرُ فينا إهمالُ القراء
وبخلُ الإعلانات
وبطش الدولة
ما منا إلّا معتقلُ, مسجون ،مطحون،
متهم بمعاداةِ الواقع
وبفضحِ فسادِ الأرواح
الحال الآن تميل علينا :
توزيعُ جريدتنا عدةُ أصفارٍ
كلّ صباحْ !! )
فأسباب الأزمة لخصها في :
1 – اهمال القراء.
2 – بطش السلطة.
3 – قلة الاعلانات.
…..
1 – اهمال القراء :
ويلفت الكاتب الشاعر الأنظار إلى قضية في غاية الخطورة، وهي انصراف القراء عنهم وعن جريدتهم التي تبنت الدفاع عنهم وعن همومهم وأحزانهم، والدفاع عن قضاياهم، قضايا البسطاء والمهمشين، قضايا الفقراء والمعدمين، يطالبون بحقوقهم المشروعة في العيش في كرامة إنسانية ويناضلون من أجل نيل حقوقهم التي تم استلابها، وتبقى المشكلة أنهم يعانون الجهل والفقر، وتم تغيبهم عمدا وحرمانهم من التعليم حتى تضيع حقوقهم، وربما هذه مشكلة كبرى يعاني منها كل الكُتّاب والمفكرين والمصلحين الذين يعيشون قي دول العالم الثالث، الذين يتبنون قضايا هؤلاء ويدفعون أثمان غالية في سبيل الدفاع عنها تصل إلى السجن وأحيانا إلى النفي أو إلى الإعدام، دون أن يدري هؤلاء الفقراء الذين يعيشون على هامش الحياة، وإن كنا نلتمس لهم القليل من الأعذار، لأن السلطة الغاشمة جعلتهم يوازنون بين شراء رغيف الخبز وشراء الجريدة، فينتصرون لرغيف الخبز، فالجريدة بالنسبة لهم في هذه الحالة ترف.
(علي صفحات جريدتنا :
كونوا يا قراءً معنا
شوفوا انفسَكم فينا
محرر التحقيقات : انت كشفتَ السرَّ
نعوّل فيما نكتبُ، ننشر،
أن نستدعيَ همَّ الناس
وننبش في كبت الأيام
لأحلام الأميين
المنعدمين الممنوعين من الرفق
رئيس التحرير : أميون..وممنوعون..ومنعدمون
لا يدرون بأنّا منهم
لا يشرون ويطَّلعون )
2 – بطش السلطة :
وهؤلاء الذين تبنوا قضايا المعدمين والفقراء، أصبحوا في نظر السلطة من المارقين، والسلطة تتعامل دائما مع المثقف بسياسة الجزرة والعصا، وللأسف يلهث أغلب المثقفين وراء السلطة، وينضوون طوعا تحت جناحها، ويزينون للعامة بطشها، طمعا في ذهب المعز!، ولكن هؤلاء الذين آمنوا بقضايا الفقراء والوطن، وكانوا صادقين، ويعاديهم : رجال السلطة، وأهل المال، وتجار الدين، فالحاكم يلتف حوله رجال الأعمال ورجال الدين، وهؤلاء هم السادة وكل الخلق بعدهم خدم وعبيد.
(مدير التحرير: ….فنحاربُ في وهمٍ وجنون!!!!
ويعادينا أهلُ المال،
تجار السلطة والدين!!
محرر الثقافة: فعلا..كلّ يتفقون!!
رئيس التحرير : ويرشون مفاسدهم ورشاواهم
سنطاً, حلفاءَ
بكلِّ طريقٍ نسلكه
للطبع وللنشر وللتوزيعْ
محرر التحقيقات : ..كيما نستسلمَ ونمدَّ الأيدي
نستجدي
فيفيضون علينا بالمال الأسود
يتسلل في دمنا
دولارا وريالا مسموما
حتى ندمنه فنضيعْ!! )
3 – قلة الاعلانات :
وبعد فشل كل محاولات السلطة لرشوتهم بالمال، للتخلي عن تبني قضايا الفقراء والمعدمين، لجأوا إلى الحيل الشيطانية الخبيثة، لغلق الجريدة، والتي هي صوتهم، صوت الصدق، وهذا الصوت رغم أنه لا يصل إلى المفروض أن يصل إليهم وهم الفقراء والمهمشين، ولكنه يزعج السلطة، فالجهر بالحق جعلهم يتفننون في كتم هذا الصوت، بإغلاق الجريدة، ولكن هذه المرة يأتي الإغلاق بمكر ودهاء، وهو حرمان الجريدة من الإعلانات، والإعلانات هي شريان الحياة بالنسبة للجريدة التي لا توزع، فتصبح الجريدة مُدانة، ومن ثم يتم غلقها، واقتيادهم إلى السجن!.
(رئيس التحرير : مازال التهويم يقود الجلسة
والدَّين سوارٌ من نار يلتفُّ علينا
أثمان الأوراق، الطبع، أجور الصحفيين، العمال
فإمَّا ندفعُ
أو نُدْفَع للسجن بدون جريرةْ )
………

( 4 )
الهجرة :
” ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟! ” وهل هي هجرة مثل هجرة الصادق الأمين؟ أم مثل هجرة أهل الكهف؟.
يحتل السرد أكثر من نصف هذا الفصل، والسارد يصف لنا هجرة هؤلاء،
(يُفلت من أيدٍ تتكالبُ تطلب دمَهم
وتُريقُ كرامتهم في زنزانات الجهل
وفي سجن البلهاءْ )
ويعلن الكاتب :
( انهزم الفكرُ : الوعي : الصدق :
الحكمة والوطنية
وانهزم الإنسانْ )
ومكان الهجرة :
(الهجرة في الصحراء تجاه جبال البحر الأحمر
حيث الكونُ هناك فراغٌ من شرِّ الإنسانْ )
ويذكر معاناتهم في هذه الرحلة :
( حملوا خيمتهم وحقائبهم
ركبوا سياراتٍ وقطاراتٍ
ثم جمالا وحميرا والأقدام!!
أيامٌ جرَّت أياما من أشداق الأيامْ
صحفيو (الصدق) يسيرون،
يحطُّون، ينامون ببيدٍ وهضابٍ
وصخورٍ ورمال
لا يشغلهم ليلٌ أو صبحٌ )
وببراعة شديدة يُنشأ الشاعر كهفا، وكأنه المعادل الموضوعي للقبر، وحيل وآلاعيب الكهف تتشابه إلى حد بعيد مع حيل وآلاعيب القبر التي وردت في معظم الديانات، وخاصة عند المسلمين، فالقبر قد يتسع وقد يضيق، وهو إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار ..
فباب الكهف قريب منهم، بل أقرب إليهم من حبل الوريد، ولكنه – أي الباب – يخطو عكس مشيتهم!.
(الباب قريبٌ وبعيد !!
الباب يروغ !!
فإذا عزموا أن يسترخوا
واسترختْ أحبالُ الآمال بأرجلهم
نَطَّ البابُ إليهم
فيكادُ يلامسُ أيديهم !! )
ويصف بعض أحوالهم داخل القبر :
(حين دخولِ الصحفيين
متراً كانت ــ أو مترين ــ
أحكمَ هذا الكهف ظلامَهْ
سقطت أستارٌ حالكةٌ
هادرةٌ كجبالِ الموجْ
وانفجرَ سفيرٌ وهديرٌ
يصعقُ آفاقَ الأكوانْ
وكأن ملاكاً أطلقَها :
“المُلكُ اليومَ لمن كانْ؟!”
غشيَتهم غاشيةٌ عظمي
سقطوا في غفوٍ موصوووولْ )
……….
( 5 )
البعث :
إذا كان الكهف هو المعادل الموضوعي للقبر، ونوم الصحفيين بداخله أو غفوهم الموصول هو المعادل للموت، فمن البدهي باعتقاد الدينيين أن يأتي البعث، وحزين عمر يُدخل الصحفيين القائمين على جريدة الصدق الجنة مباشرة دون حساب، واختلف عن المصري القديم وعن دانتي وعن المفاهيم المستقرة عند المسلمين والنصارى وكل أصحاب الديانات السماوية والأرضية، من ضرورة الحساب، فكل الديانات الإبراهيمية أو غيرها، بعد الحساب العسير، أما إلى الجنة أو إلى النار، وحزين عمر ليس عنده الجحيم، ولكن عنده الجنة أو اللاجنة، واللاجنة عنده لا تُقارن بالجحيم الذي نقله لنا دانتي في رحلته الرهيبة إلى النار والذي مكث فيها ثلاثة أيام ينقل لنا ما شاهده وما رآه ولا بالجحيم الذي ينتظر العاصي والمارق والمخطئ والمفسد عند أصحاب الديانات، ويبدو أنه اكتفى بأن جعلهم يروا بأن قبرهم روضة من رياض الجنة، وكان هذا جواز مرورهم إلى الجنة :
( نحن جميعاً ملتئمون نحن كما نعرفنا دوماً
لكنَّا دون كآباتٍ وعبوس !!
ما هذا المتدلي فوق الرأسِ
وقُربَ القدمين ؟!
فاكهةٌ لا تشبهُ فاكهةَ الدنيا
ما لمحتْها عينٌ في الدنيا
هذي أشجارٌ لا تشبهُ أشجارَ العالمِ
كلُّ الأوراقِ عصافيرُ تزقزقُ
وتبصُّ إليكَ
توشوشُ لكْ
حين تبصُّ لأعلى ورقهْ
تهبطُ نحوكَ وتداعبُ أنفك
بعبيرٍ فتانْ
يا رزَّاقُ ويا حنَّان ْ!!
أَوَ هذي الأمكنةُ جِنانْ؟!
يهتفُ صوتٌ لا مصدرَ لهْ :
صوتٌ من ذبذبةِ كَمان ْ
ورحيقٍ وضياء ْ :
ــ سبُّوحٌ .. قدُّوسٌ .. منَّانْ
هذي الجنةُ يا إنسانْ )
…….
( 6 )
وقبل أن نستكشف الجنة واللاجنة عند حزين عمر، سنعرج سريعا على صورة الجنة والجحيم عند المصري القديم وأبي العلاء ودانتي وغيرهم، حتى يستطيع القارئ أن يقف معنا على أوجه التشابه والاختلاف.
1 – صورة الجنة عند المصري القديم :
على باب جنة أجدادنا الفراعين، يقف الإله ( حورس ) مسلحا بحربة سحرية في يده، استعدادا لمنع أي فرد من الدخول فيها، ومن تم حسابه وتبرئته، يسمح له بالدخول، وهذه الصورة تعتبر أقدم إشارة وردت بإحدى البرديات من كتاب ( متون الأهرام ) عن وجود حارس لباب الجنة، قبل أن تذكر ذلك الكتب السماوية!
ويرى سليم حسن أن الجنة التي وصفتها لنا ( متون الأهرام ) هي صورة من حياة الفرعون الدنيوية نقلت إلى عالم السماء لتمثل حياة ( رع ) في السماء، وهي الحياة التي كان يعيشها على الأرض قبل أن يرفع نفسه إلى السماء.
فنجد فيها – والكلام لسليم حسن – الإله الأعظم محاطا برجال بلاطه الذين يحملون ألقابا مثل الألقاب التي كانوا يحملونها في الحياة الدنيا، فيلبسون الأرجواني ( ولباسهم فيها حرير )، وطعامهم فيها التين، وشرابهم الخمر، وشذاهم العطور، ولا نزاع في أن هذه الصورة لها نظائرها في القرآن الكريم.
ويعتبر الفصل الخامس والعشرون بعد المائة من ( كتاب الموتى ) في تقدير العلامة سليم حسن الأساس الذي بُنيت عليه كل ديانات العالم التي أتت بعده، إذ نجد في كلمات هذا المتن أن المصري أخذ يشعر بحساب الآخرة بصورة تدل على نموه العقلي وانبثاق فجر الضمير في صدره.
ولكل امرئ حصته من الواجبات في الجنة، فيجب عليه أن يفلح الأرض، وأن يحصد الحب الذي ينمو بوفرة، والمحصول في الجنة لا يخيب أبدا، ولاتوجد مجاعات أو أحزان، ولا يوجد ما يكدر أو ما يعكر الصفو.
وعند أجدادنا الفراعين لا توجد النار، فمن يُدان عند ( أوزيريس ) بسبب الذنوب التي اقترفها على وجه الأرض، يتعرض للعذاب المريع، وبعد العذاب يتم إبادته من قبل المردة الذين يجلسون القرفصاء، في قاعة المحكمة الرهيبة.
2 – صورة الجنة والجحيم عند دانتي :
تعد ملحمة الكوميديا لدانتي من أهم الملاحم، وهي قمة من قمم الأدب العالمي، تكونت من ثلاثة أقسام : الجحيم، المطهر، الفردوس، وصاغها بأسلوب شعري رائع، استخدم فيها اللغة المجازية أفضل استخدام، وتضم الملحمة ( 100 ) أنشودة، ( 34 ) للجحيم، ( 33 ) لكل من المطهر والفردوس.
= في الجحيم : نرى فيرجل يقود دانتي، ويلتقي بالخُطاة والعُصاة، ويتحاور معهم، ويصف أساليب التعذيب، وكل يُعذب على قدر الذنب الذي اقترفه في حياته الدنيا، وتألق دانتي وأبدع في وصف مشاهد التعذيب، وصياغتها شعرا، وقسم الجحيم إلى تسعة أقسام، أطلق عليها ” دوائر الجحيم ) والدائرة الأولى هي أقرب الدوائر إلى الجنة، وفي كل دائرة يرينا لونا من العذاب يتفق والذنب الذي اقترفه قاطني هذه الدائرة، والعذاب يتصاعد ويشتد كلما ابتعد عن الدائرة الأولى المتاخمة للجنة، والدائرة الأولى ( الحد ) ويقبع فيها كل مسيحي بالمولد، دون عمادة، ويقبع فيها أيضا الوثنيين الأطهار، وهؤلاء يعيشون بلا عذاب تقريبا، ولكنهم لا يدخلون الجنة أبدأ، والحد عبارة عن مروج خضراء، يتوسطها قلعة، يستوطنها الحكماء، منهم هوميروس وابن سينا وهوراس وغيرهم.
والدائرة الثانية : ( الشهوة ) وفيها كل من تغلبت شهوته على عقله، وانصاع لها، وتحكمت فيه، ويلتقي بكل من سميراميس، كيلوبترا وديدو وهيلين وباريس والذي هرب معها من اليونان إلى طروادة.
والدائرة الثالثة : ( الشره )
وهي خاصة بكل من تحكمت فيه الشراهة.
وتتوالى الدوائر : الغضب، الهرطقة ( خاصة بالذين قدموا تفسيرات للحياة بعيدا عن مبادئ المسيحية )، العنف، الغش، الخيانة.
وفي نهاية رحلته بالجحيم يقابل الشيطان مدفونا في الجليد حتى خصره، وإلى جواره يرقد كاسيوس ويهوذا وبروتس أكبر الخونة في التاريخ.
= ويقوده فيرجل بعد ذلك إلى ( المطهر )، وهو جبل متدرج يتكون من سبع طبقات يسودها العذاب والتطهر الروحي، ورحلته عبر المطهر تمثل حياة المسيحية، فهو يرفض مفردات الحياة الدنيا في سبيل الفردوس الذي ينتظره في الآخرة.
= وفي الفردوس تقوده هذه المرة ” بياتريش ” وهي تمثل النور الإلهي، ويختفي فيرجل، وتقوده في رحلة عبر تسع سماوات، ليصل في نهاية المطاف إلى الفردوس الأعلى أو الفردوس المطلق حيث يوجد عرش الله.
وإذا كان في الجحيم انتهت رحلته بمقابلة الشيطان، فإن رحلته في الفردوس انتهت بمقابلة الله وجها لوجه!.
3 – صورة الجنة في القرآن الكريم :
جاء وصف الجنة في سور كثيرة وآيات متعددة في القرآن الكريم، وفي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
1- أعد الله لعباده الصالحين في الجنة مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
2 – يعيش أهل الجنة في قصور ودور، بناؤها لبنة من ذهب وأخرى من فضة، بلاطها المسك، وترابها الزعفران، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت.
3 – يوجد بالجنة أنهار وأشجار، ولها أبواب ودرجات، وفيها غرف وخيام وأسواق.
4 – لباس أهل الجنة : الحرير، وشرابهم : الخمر، وعرقهم : العطر، وأزواجهم : الحور العين، وآنيتهم من الذهب والفضة، وكذلك أمشاطهم.
5 – النساء في الجنة أكثر من الرجال كأنهن الياقوت والمرجان.
6 – أهل الجنة مكحولون، طوال القامة، ممشوقون، يُبعثون على طول أبيهم آدم، شباب تتراوح أعمارهم ما بين الثلاثين أو الثلاثة والثلاثين، أصحاء، لايمرضون، ولا يهرمون، ولا يموتون، يتكلمون العربية.
7 – إذا كشف الله تعالى عنهم الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل.
4 – صورة الجنة والنار عند أبي العلاء المعري :
جاءت ( رسالة الغفران ) لأبي العلاء المعري، في قسمين، القسم الأول : رواية الغفران، وهي رواية في فصول، والقسم الثاني : رسالة يرد فيها على رسالة ابن القارح له، وحققت بنت الشاطئ ( رسالة الغفران ) للمعري، كما حققت رسالة ابن القارح إليه، ويمكن للقارئ الرجوع إلى كتاب بنت الشاطئ للاستزادة، ولأهمية تحقيقها لرسالة ابن القارح التي تكشف نص رسالة الغفران أكثر.
ويبدأ المعري بالثناء على الرسالة التي وردته من ابن القارح، وأحدثت في نفسه أثرا جميلا وطيبا، ويدخل ابن القارح الجنة بسبب هذه الرسالة التي تحوي الكلمات الطيبة، والكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء.
= وتصف الرواية أحوال بطلها ابن القارح في الجنة، ونعيم الجنة، وأنهار الجنة التي يغذيها نهر الكوثر، وأنهار اللبن والرحيق المختوم.
= يتجول ابن القارح في الجنة، ويلتقي مع العديد من الشعراء والفلاسفة والأدباء، ويتحاور معهم.
= ويذكر الشعراء الذين التقى بهم، وقد غفر الله لهم، ومنهم المتنبي، محمد بن الحسن الدوسي، يونس بن حبيب الضبي، الكسائي وغيرهم.
= وتذكر الرواية الحوارات والأحاديث التي تدور فيما بين ابن القارح ومن يلتقيهم من الشعراء والأدباء والفلاسفة، ويذكر أيضا الحوارات والسجالات والمناظرات التي تدور بينهم في الجنة، فهم يتحاورن فيما بينهم هناك وتدور بينهم النقاشات وينقلها ابن القارح.
= ومن الشعراء الذين غفر الله لهم : الأعشى، زهير بن أبي سلمى، عبيد بن الأبرص، وغيرهم، ويروي أشعارهم.
وينتقل بعد ذلك ابن القارح إلى ( المحشر )، فنراه ينتفض في قبره، ليجد نفسه في الساحات يوم القيامة، ويتذكر قلة حسناته، وأن توبته قد لا تنفعه، ويخشى أن يغمره العرق، فتودد إلى رضوان خازن الجنة ليقول فيه الشعر، عله يرأف بحاله، ولكن رضوان لا يعرف الشعر، ورفض رضوان أن يدخله الجنة دون إذن من الله، وأخبره رضوان بأن إبليس هو من علم العرب الشعر، ويرى ابن القارح في موقف الحشر العصيب، الكثير من الخلق، منهم : حمزة بن عبدالمطلب، وشهداء أحد، وفاطمة الزهراء، وآل النبي جميعا، وكل من معه صك توبته، يدخل الجنة، ولكن ابن القارح أضاع صك توبته، فشهد له قاضي حلب بحُسن توبته، ويصل إلى النبي محمد، فيشفع له ويُسمح له بدخول الجنة.
وإذا كانت الرواية تبدأ بالجنة في فصلها الأول، ثم يأتي الفصل الثاني عن الحشر، فيعود مرة أخرى إلى الجنة، وهي حيل فنية، ضرب فيها الترتيب أو التسلسل المنطقي والزمني، فكان الأولى به أن يبدأ بالحشر ثم ينتقل إلى الجنة أو إلى الجحيم، ولكنه لم يفعل، ليثير القارئ، ويشعل خياله، ويعود في الفصل الثالث إلى الجنة مرة أخرى ليلتقي بالراعي النميري، ويتحدث إليه، ثم يلتقي بحميد بن ثور ويقرآن الشعر، ويلتقي : لبيد بن ربيعة، واسحق الموصلي، ووالده، والخليل الفراهيدي، ويسألهم عن الأشعار التي كانوا يقولونها في الدنيا، ولا ينسى أن ينقل لنا أيضا، طواويس الجنة، وغيرها من المخلوقات البديعة التي أبدعها الله.
= وينتقل بنا إلى جنة العفاريت، حيث يلتقي بالجن المؤمنين، ويعرفنا بأخبارهم وأشعارهم، ويعرف من شيوخ الجن، بأن الجن عنده الآف الأوزان لكتابة الشعر، ويتبادل معهم قراءة الشعر.
وينتقل إلى حيوانات الجنة، ويتحدث إلى الأسد، ويخبره الأسد عن الفرائس التي يفترسها، وهي لا تتألم وهو يفترسها.
ويلتقي بالحطيئة، ويخبر ابن القارح بأنه نال الشفاعة بصدقة، عندما هجا نفسه ثم يلتقي بالخنساء وغيرهما من الذين نالتهم الشفاعة، ودخلوا الجنة بعمل في الدنيا.
= ثم ينتقل إلى الجحيم : ويعرفنا بمن دخلها من الشعراء والأدباء والفلاسفة، ويلتقي بإبليس ويتحدث معه حديثا مطولا، ويخبره عن بشار بن برد حين مدحه في اشعاره، وهناك يرى عددا كبيرا من الشعراء الذين دخلوا النار، ومعظمهم من شعراء الجاهلية، ومنهم : امرؤ القيس، عمرو بن كلثوم، الشنفري، تأبط شرا، عنترة بن شداد، طرفة بن العبد، بشار بن برد، الأخطل، وغيرهم. ويعرفنا أسباب دخول كل واحد منهم إلى الجحيم.
= ثم ينتقل مرة ثالثة إلى الجنة، ليلتقي بآدم أبي البشر، ويسأله عن الشعر الذي كان ينسب إليه في الدنيا، ويستمر في لقاءاته بالشعراء والأدباء والفلاسفة واللغويين والنحويين، وينتهي به المقام إلى الفردوس الذي أعده الله.
والنقاشات التي دارت بين ابن القارح وبين من التقاهم في جهنم هي أقرب لجدالات شعرية وفقهية ولغوية.
………
( 7 )
الجريدة التي يصدرونها في الجنة، تصدر بنفس الأسلوب وبنفس الطريقة في الدنيا، فيذكر الكاتب الخبر، ويختر عنوانا جاذبا ولافتا للخبر ليشد القارئ، فالخبر الذي أوردنه الجريده :
( تجــــمع احتجاجي ..تحت الصفصاف ..للمطالبة بالبصل !! )
كتب ـ مدير التحرير:
الناس تَنادوا هذا الصبحَ
لكي يلتئموا تحت الشجرهْ
قالوا : ياربُّ
الثومَ، البصلَ، العدسَ، الكراتّ، الجرجير
إنَّا من نعمتك مللنا
أُرهقنا شبعاً من فاكهة الجنةِ
طير الجنة
عسلِ الجنة ومللنا التُّخَمةَ والدِّعَةَ
ما نحلُمُ إلَّا والحلمُ بأيدينا
يمثُلُ أطعمةً وشراباً وروائح عطرٍ
دعنا يا ربي نعمل
ــ وكذا هتفوا : دعنا يا ربي نعمل )
إذن الناس تحتج في الجنة، وتتوق إلى آكلات الدنيا، وضاقوا بالدعة والعيش الرغيد، ويطالبون بالعمل، يذكر الخبر أعداد المتظاهرين المحتجين ويذكر مطالبهم :
( كانوا ألفا من ناس الجنة مجتمعين
إلى الصفصافة يلتفون
هتفوا
هتفوا : البصلَ، الثوم،
ودعنا يا ربي نعمل ).
والصورة تقابل مثيلاتها في الدنيا، وكأن الكاتب أراد أن يُسقط على الدنيا، فيظهر اسرافيل، وهو المعادل لرجل الأمن :
(هبط ملاك فوق الشجرةِ
قالوا : يحيا إسرافيلُ ..يعيشْ
خوفاً أن يرميهم بقنابل غاز ! )
وهذا هو حال المظاهرات الاحتجاجية في مصر وفي كل بلاد الدنيا :
( وتقهقرَ بعضهمُ استتر بجذع الشجرة
والبعض تولى هلعاً
وكثيرون امتدتْ أيديهم لحصاةٍ
من حصواتِ الجنة
ورموا الحصى لأعلى الشجرة )
وهذا ما يحدث بالضبط في المظاهرات الدنيوية، ولكن سرعان ما يعود الشاعر ليذكرنا بأننا في الجنة.
(ورموا الحصى لأعلى الشجرة
فتوقفَ فوق رءوسهمو
لا هو يسقطُ، لا هو يصعدُ
بينما ابتسم الملك وقهقهَ
فارتجَّتْ كلُّ الأشجارِ
وكادت تسقط دكاً دكا )
ويخبرهم أحد الملائكة / رجل الأمن، بأن الملك / الرئيس / الله، سيلبي طلب المحتجين.
(قال الملك : يلبي ربي ما قد طلب الحشدُ جميعا
فإذا كلُّ الناس بأيديهم مسحاةٌ
وفئوسٌ ومناجلُ
ينكفئون على الأرضِ
وتنبتُ فوراً، أعلى التربة
أبصالٌ، كراتٌ، ثومٌ، جرجير
مازالوا منكفئين
إلى الأبد سيقتاتون
الكرات، الثوم، الجرجيرَ
ومن كل ثمار الجنة محرومون )
تم الاستجابة لمطالبهم، وتم أيضا العقاب لهم!
وعلى درب الصحف في الدنيا، يعقب رئيس التحرير على الخبر، يلوم المحتجين، ويشجب ويستنكر ويدين ما قاموا به، وبعد أن يصف رئيس التحرير الأجواء الجميلة في الجنة، وأنه ليس في الامكان أبدع مما كان! يعلق على الخبر قائلا :
(في ذاك الوقت، صباحَ الأمس
انتفضتْ بعضُ حثالات الناس
والتمُّوا لملمة الحشرات الضارةِ
تحت الشجرة
هتفوا : ياربُّ
الكراتَ ، الثومَ ، الجرجير! )
ويضيف :
( وإذا كنا نحن ندين الثُّلَّةَ هذي
فنؤكد للقراء الشرفاء
بأنِّ عقابا سوف يحلُّ
بمن يتعاطفُ أو يتحاورُ أو يتواصلُ
معهم يوما!!
عاشَ الحق القادرُ وحده !!
تحيا الجنةُ !
تحيا الجنةُ! )
ولعلنا نلاحظ أن الكاتب الشاعر استخدم تقنيات الصحافة ولغة الصحافة، في صياغة الخبر وسرده وفي التعقيب عليه، وهذا أسلوب الصحف التي تدين المظاهرات وتقف في خندق واحد مع الحاكم، ولا حق للناس في التظاهر أو الاحتجاج أو المطالبة بالعمل أو بالأكل الذي يشتهونه، ونرى الشاعر الكاتب استخدم من قاموس الصحافة بعض الكلمات التي أصبحت مكرورة، في مثل هذه الظروف، وحفظتها الناس، مثل :
” حثالات الناس، الحشرات الضارة، القلة المندسة، وغيرها من هذه العبارات التي صارت أكليشهات محفوظة في الصحف وتتكرر دائما وقت احتجاجات الناس، ولا ينسى رئيس التحرير من تحذير الناس، المتعاطفين مع هؤلاء المتظاهرين المحتجين، والوعيد بالعقاب الذي سيحل بهم، وبمن تسول له نفسه الانضمام إليهم أو حتى التعاطف معهم.
والكاتب الذي أوهمنا بأنهم في الجنة، يأخذنا إلى الدنيا، وإلى الواقع السياسي المشين وإلى الواقع الحياتي البائس.
ويتميز الكاتب بأنه يزاوج بمهارة بين الاسقاط على الدنيا وبين حياة الآخرة، فما يكاد يسلط كاميراته على واقعا من الدنيا، حتى يعود سريعا إلى الجنة، ليذكرنا بها، مكانا أو زمانا.
……….
( 8 )
ويواصل الصحفيين عملهم بالجنة، فنقرأ في صفحة الحوادث من جريدتهم :
( فيضان في جنــة عدنٍ ..أغرق قصر ميخائيل !!
كتب ـ محرر التحقيقات : …….)
والكاتب يسقط أيضا في هذا المشهد على الدنيا ليدين الواقع، الفقر، الكذب، الظلم، وقسوة الإنسان، وانسياقه وراء الهوى والشيطان، ويسرد لنا قصة تكشف عن قسوة الإنسان ووحشيته، وكيف يتحول الحيوان المتوحش أمام لوعة الأم وعذاباتها، وأمام الطفل إلى حيوان يذوب رقة وعذوبة وإنسانية، افتقدها الإنسان في الدنيا، فيسرد قصة المرأة / الأنثى، الطفل، الذئبة.
( وأنثي تنجبُ طفلاً بعراءٍ قحلٍ
ففرشتُ عليها بعض غماماتٍ
أَنبتُّ الأرضَ نجيلاً
فجَّرتُ الأرض بزمزمَ
ثمَّ تمرُّ عليها ذئبهْ
فارتعبتْ، صرختْ
تقتربُ الذئبةُ، تصرخُ تلك الأنثي
حتي مالَ الضرعُ من الذئبة نحوَ الطفلِ
وأرضعَ فاه !
يا الله !!
ــ صرخ الناسُ جميعا : يا الله !!
لكني ــ يا ناسَ الجنة ــ دمعتْ عيني
حين اقتربَ من المرأة شخصٌ
إنسانٌ، ذو عينين وساقين، وقلبٍ في جنبيهِ
اقتربَ من المرأة شخصٌ،
ورمي الذئبةَ بسهامٍ ..نفقتْ!
خطفَ الطفل علي مُهرٍ
وعَدَا بهْ
صرخت أمُّ الطفل..وتبكي
فبكيت
يسَّاقطُ دمعي في أنهارِ الجنةِ
فاضتْ ….
فاعذرني يا ميخائيل ! )
فهي دموع الملك الذي تأثر من الموقف، ففاضت أنهار الجنة من دموعه التي تساقطت كشلال، وكاد يغرق قصر ميخائيل.
……..
براءة الشيطان :
وظن ميخائيل، أن الشيطان وراء هذا الحادث، فيقول :
(هل ابليسٌ يقف وراءَ الحادث وحدهْ؟!
مَن أنصارهْ؟!
مَن خططَ لهْ؟!
من قد نفَّذْ؟!
ميكائيلُ يسائلُ نفسَهْ
ويسائلنا :
ألديكم تفسيرٌ آخرُ؟!
إنَّ الشيطان يعادينا
ووراءَ الشيطان جيوشٌ من أشرارْ:
الناسُ جيوشُ الشيطان
الفقرُ جيوشُ الشيطانْ
الظلمُ جيوشُ الشيطانْ
الكِذْبُ جيوش الشيطان
والفيضانُ مع الامراض مع حقدِ الإنسان
حتي الحيةُ والثعبان
تأتمرُ جميعا بأوامرِ ذاك الشيطان
قولوا يا أهلَ الجنة :
يسقطُ..يسقطُ حكم الشيطان ! )
يلفت حزين عمر أنظارنا من خلال هذا المقطع، إلى قدرات الشيطان المحدودة، فهو ليس لديه طلاقة القدرة، وهناك مساحات وحدود وأسوار لايمكن أن يتعداها أو يتجاوزها، فإذا نظرنا إلى المسائل الكونية، مثل الكواكب والنجوم والشموس والأقمار، والأفلاك التي تدور فيها، والأنهار، والبحار والجبال…. إلخ، فهذه خطوط حمراء لا يمكن أن يتجاوزها، أو يعبث بها، وإذا كان هذا الحال في الدنيا، فما بالك في الآخرة، فهل يستطيع الشيطان أن يتسلل مرة أخرى إلى الجنة أو يوسوس لمريديه بالعبث بمقدرات الجنة؟! .. ملعب الشيطان الرحب في الدنيا، وفي استثمار الكذب والتدليس واستغلال الظلم والفقر، ودوره الوظيفي في الغواية، ومداخله عديده إلى النفس البشرية، وكأن الكاتب أراد أن يذكرنا بقول الشاعر : ” إني ابتليت بأربع / ما سُلطوا إلا لشدة شقوتي وعنائي / إبليس والدنيا ونفسي والهوى / كيف الخلاص وكلهم أعدائي ” فالنفس والهوى والدنيا تحتاج من الإنسان إلى جهاد ومقاومة لا تقل عن جهاد ومقاومة إبليس اللعين، وعلى الإنسان ألا يلقي بكل التهم والكوارث على إبليس، ليبرأ نفسه ولا يلومها، وأخبرنا المولى عز وجل : ( إنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ) ” جزء من الآية 76 سورة النساء “.
……..
( 9 )
ويقدم لنا محرر الرأي بالجريدة، حوارا ماتعا، مع ( مينا ) موحد القطرين، ويستهل الحوار بعنوان يجذب القارئ :
(حـــــوار
مينــــا موحد القطرين :
لستُ أولَ ملوك مصر .. سبقني آخرون بآلاف السنين !!
​​حوار: محرر الرأي
ومن خلال هذا الحوار، قدم لنا حياة كاملة لهذا الملك العظيم، وعرج على أعماله وأفعاله العظيمة، وخصالة الحميدة، وحياة الممالك في الجنوب والشمال قبل أن يوحدها، والتي كان يسودها التشاحن والتباغض والقتال والتشرذم والتفرق، وكيف كان لماحا ذكيا نابها، وأخذ بكل الأساليب العلمية لإعداد جيش من الشباب الفتي، القوي، الإعداد البدني والنفسي والعسكري، وأخذ بكل الحيل وأساليب التمويه والخداع، ولماذا أحبه الناس في الشمال قبل الجنوب، وسعوا إليه لينقذهم مما هم فيه، وكان الشعب أقوى ظهير له ولجيشه العظيم.
استطاع حزين عمر أن يقدم لنا من خلال هذا الملك، النموذح المثالي للحاكم والقائد، ومن خلال ممارساته للحكم يجعل قارئه يستبط أهم صفات الحاكم، وأصول الحكم، ولهذه الأسباب وغيرها، استحق هذا الملك مكانة عالية في الجنة، وكأنه أراد أن يدين حكام الأمة من خلاله، بعد سادها التفرق والتشرذم، والاقتتال، وصرنا فرائس سهلة للأعداء!.
وحزين عمر استثنى هذه الشخصية، ووصفها من الخارج :
الملبس :
( مينا أتى بلباسِ كتَّانٍ
وليس سوى إزارْ )
لون الوجه :
(الجدُّ يبسُمُ : إنهُ ذاكَ أنا !!
بشرٌ، وخمريُّ الملامحِ
مثلُ أيامِ الحصادْ
جسدي من الطميِّ المعجَّنِ في السماحةِ
والبساطةِ والعنادْ )
ويذكر الكاتب من أعماله وخصائصه :
1 – تحقيق الأمن الغذائي، وهي من القضايا التي نعاني منها في زماننا.
(فإذا يفيضُ النيلُ
أُطْعِمُ شعبيَ المحبوبَ قبلي )
2 – الأخذ بالأساليب العلمية في الزراعة والاقتصاد وكل شئون الحياة الدنيا، وانظر إليه ماذا يفعل في أيام جفاف النهر :
( من كلِّ صنفٍ للطعام وللشراب
حفظتُ قدرا
فإذا تأزمت الحياةُ بذرتُ بذرا )
3 – إنفاذ القاون، وتحقيق العدالة :
( وإذا استبدَّ بغيرهِ رجلٌ، تجبَّرْ
فأنا لهُ حتي انتصفتُ لمن ظُلِمْ )
ويقول أيضا :
(ما حلُمتُ بغير حبِّ الناس
والعدل العميمْ )
4 – الأخذ بالعلم كأسلوب حياة :
( حملتْ يداي العلمَ والفرجالْ
تزرعهُ بأفئدةِ الرجالْ )
وعن أحوال البلاد قبل مينا :
(في كلِّ ناحيةٍ هنالك مستبدٌّ أو أميرْ
مائةٌ.. مئاتٌ من ملوكٍ
في بلاد النيل قد ملكوا العبادْ
والحالُ دامت هكذا ألفاً،
ألوفاً من سنين )
ومينا الذي أحبه الناس كان عازفا عن المُلك، والناس من كل فج بأرض البلاد يذهبوا إليه فرادى وجماعات، ويطلبون منه أن ينقذ البلاد والعباد، وبعد أخذ ورد بينه وبين نفسه :
(لملمتُ أخيارَ الشباب من القري
ومن الممالكْ
ثم انعزلنا في جبالٍ لا تُنالْ
دربتُهم : كَرَّاً وفرَّاً واقتتالْ
رمياً برمحٍ أو بمقرعةٍ،
وقذفاً بالنبالْ
أطلقتُهم يتصارعون مع الذئابِ
مع الضباعِ، مع النمورْ
اصطَدْ لتأكل أو تَمُتْ !!
ألفٌ فَنَوا
بقيتْ من الجندِ العتيَّةِ
ألفُ شخصٍ ..لا يزيدْ
لكنَّ واحدهم بألفٍ في المعاركِ والصمودْ )
ورغم هذا الإعداد الجيد لجيشه، لايدفع بهم للمعارك :
(فالآن أملك قوة الأجساد
تنقصنا العقولْ )
فماذا يفعل :
( فبعثتُ في كلِّ البلاد من الدُهاةِ
لنا عيونا
رصدوا المداخلَ والمخارجَ والعتادْ
درسوا المآسيَ والمظالمَ
والرغائب والأماني
ضموا إلينا الطامحين، ومن يعاني
حتي هبطنا للبلادْ )
وكان نتيجة هذا الجهد والعرق والتدريب والأخذ بكل أسباب النجاح :
( فضممتُ مصرَ من الجنوب إلى الجنوب
وأقمتُ مملكةً مكللةً بتيجان العدالة )
وكانت أرض الشمال هي الأخرى :
( كانت ممزقةً وتغزوها المجاعةُ
إن غاضتْ مياهُ النيلْ
وإن فاضت تموتُ الناسُ صرعى والبهائمُ
لا مجيرْ
وتمرُّ مسري، طوبةٌ، حتي أبيبْ
والناسُ جوعى للعدالة والحبوبْ
ولا مجيبْ! )
( قدمتْ إليَّ وفودُ شعبي في الشمال
وأقام أكثرهم
ولاذوا بالسكينة والسلامْ
فإذا نويت الزحفَ كانوا
شطرَ جيشي .. في الأمامْ
والناس تُسْلمُ لي زمام قِيادها
في كل دربٍ بالشمال )
ولم تكن تلك غزوات بقدر ماهي فتوحات :
( فحملتُ تاجيَّ البلاد بدون قمعٍ
لا دماءْ
أصداؤنا سبقتْ خُطانا
في المدائن والنجوعْ
ركبِ المنادي ثَوْرَهُ
ومخاطباً للناس باسمي
في المحافلِ والجموع
لا قهرَ بعدَ اليوم يا شعبي الأبيّ
ولا مظالمَ، لا دموعْ )
ديانة مينا :
( وديانتي : دينُ الإلهِ
ودينُ إدريسَ الحكيم )
ويحدث مينا لمحاوره الصحفي عن جده الأكبر إدريس :
(ــ هو كذلك يا بنيّ
عاش القرون ثمانيهْ
قد علَّمَ الناسَ الكتابهْ
والنسيجَ وزرعَ أرضهمو الخصيبهْ
وعبادةَ الخلَّاقِ ذي الضوء العميم بلا أفولْ
ربُّ السماءِ عليَّةً
ربُّ البهائم والنسائم والحقولْ
رب البشرْ )
ويسأله المحاور :
( ــ هل نزَّلَ اللهُ العظيمُ
عليه شيئاً من كُتب؟ )
فيجيب مينا :
( ــ آياتُهُ كانت حياةً مورستْ في كل دارْ
كانت عماراً في الصحاري والقفارْ
كانت غموساً للعيال وللبنات وللنساءْ
كانت ترانيمَ الطهارةِ والإخوةِ والعدالة
حيثُ حلَّ وحيثُ سارْ
أما الكلامُ فقد نسينا أكثرهْ
ولهُ نصائحُ جمَّةٌ
غَبرتْ لطول العهد
مُذْ كان الرسولا
لكنَّ منها ما تأبَّي أن يغيبَ وأن يزولا )
ويطلب محرر الرأي من مينا أن يذكر له ماحملته ذاكرته من كتب إدريسن فيذكر له ما علق في ذهنه من نصوص إدريس وآياته المقدسة.
والكاتب الشاعر قد تفوق على نفسه في كتابة هذا النص المقدس، وكأن وحيا هبط عليه ليكتبه بهذه البراعة.
……….
( 10 )
التوضيح والعقاب لمدير التحرير :
قنبلة ألقاها مدير التحرير في جلسة تقييم الجورنال :
(قنبلةُ هباءٍ من صنعِ مديرِ التحريرْ!
قال بجلسةِ تقييمِ الجورنالِ
بأنَّ حوارَ موحِّدِ قطرينا غيرُ دقيقْ
وبه احتشدَ الوهمُ مع التلفيقْ !
آياتُ نبينا إدريسٍ وهميهْ
لا ظِلَّ لها في قرآنٍ أو إنجيلْ
أو في سُنة عيسي ومحمدْ
أو تفسيرٍ أو تأويلْ )
واعتبر رئيس التحرير هذا تلفيق وتدليس، وينفي عن الجورنال صفة الصدق، وهذي جريمة، من فعلها يستحق العقاب، ويرسل نبينا إدريس قطه حكما بين الأحفاد، ويؤكد القط على صدق أقوال مينا عن جده إدريس:
(ما ذكرَ موحِّدُ قطرينا حق
ما نطق سوى لُبِّ الصدق
إدريسٌ قال الآيات
ولديه كتابٌ مسطورْ
ولديه صفائحُ من نورْ
في فجر البشرية ضاءت
وتلقَّى الحكمة من آدمَ
ورسالته من جبريل
وأياديه بكل بقاع العالم فاضتْ :
بيتاً بيتاً يزرعُ كِلْمهْ
نجعاً نجعاً يبذر حكمهْ
آلاتٍ يصنع ومحاريثْ
وملابسَ ينسجُ، ومتاريسْ
خُلجانا شقَّ، وهدَّاراً
في كل هويسْ
قد صنعَ الشادوفَ، الساقيةَ،
النايَ .. وغنى
للطير يغني ..فتردد خلفهْ
للوحش يغني ..ينضمُّ الوحشُ لإلفهْ
للريح يغني ..تحمله الريحُ غماماً )
ويلفت حزين عمر الانتباه إلى ضرورة التوقف عند رسالة إدريس النبي، فرسالته إرث بنيه :
( ورسالتهُ إرثُ بنيهِ
رسلٌ ونبيون تلوه بأرضِ النيلْ )
وقبل إبراهيم وموسى وشعيبا .. هناك العشراتٌ من رسل اللهِ :
( أحفادُ نبينا إدريس
قد جالوا في مصرَ الكبري
من نبعِ النيل إلي دجلهْ )
وهنا تأكيد آخر على حدود الأمن القومي المصري منذ إدريس، وهي من منابغ النيل في بلاد الأحباش، إلى شمال شرق الوطن في سوريا والعراق حيث دجلة والفرات، وهي النظرية الأمنية التي يحلم بها أبناء صهيون كما ورد في بروتوكلاتهم، ولم نكن بحاجة إلى العودة إلى هذه النظرية الأمنية قدر احتياجنا إليها اليوم، فللأسف اصبحت حدودنا الجغراقية هي حدود أمننا، وهذا ما قزم مصر، وجعلها تتراجع، ومهددة اليوم من الجنوب والشمال، ومن الشرق والغرب، فالكاتب الشاعر يثير هموم مصر الوجودية والقومية.
ويؤكد القط لرئيس التحرير على الآثار التي تركها أحفاد النبي إدريس
( القط : بل تركوا كلَّ الآثارْ
زرعاً وحدائقَ ومدائنَ
آلافِ الترعِ، الأنهارْ
تركوا أخلاقاً لا تَبْلي
كلٌّ يتزيَّاها ، يرقي :
الملك، الراعي، العالم، والسيد، والصعلوك )
وهؤلاء الأحفاد انظلقوا في كل أنحاء المعمورة :
( تركوا في مصر ذَراريَ عبرتْ وادي النيلْ
ساحتْ في الأرض جميعاً : غرباً، شرقاً،
إغريقا، روماناً، هندا
تحمل رمزَ التوحيدِ، النور
وللحقِّ التبجيلْ
هندسة العمران المعجز
والريِّ المعجز
هلْ وحيٌ أُوحيَ
أمْ وهمٌ وأباطيلْ ؟!! )
……..
محاكمة مدير التحرير :
ومدير التحرير الذي أثار الزوابع والشكوك حول إدريس وأياته، يُحاكم، ودعنا نرى كيف قدم لنا الكاتب شخصية مدير التحرير، من خلال بعض المواقف، لنرى هل يستحق العقاب بأن يعيش في اللاجنة إلى الأبد أم لايستحق هذا العقاب. وسنذكر بعض المواقف دون تعقيب ليستشف القارئ، انتهازية الرجل، وطمعه، وكذبه، وهذا النموذج يمثل الكثيرين من رجال صحافة هذا الزمان.
1 – ( مدير التحرير : ماذا لو جارينا الريحَ
حملنا الصاجاتِ
وطبّلنا في الأفراحِ
وفي الأتراح؟!! )
2 – ويحاول أن يقنعهم بقبول رشاوي السلطة :
(مدير التحرير : قلتُ نسلِّم تكتيكيا !!
فنسدد دَين جريدتنا
ونعيد الإصدار
وننفي أشباح البؤس بعيدا )
3 – وعن الذهب الذي عثروا عليه في جبال البحر الأحمر، يقول :
(- فلنحملْ ما نقدر منه، ثم نعودْ
قال مدير التحرير )
4 – التآمر والخسة في سبيل بلوغ منصب رئيس الجورنال :
(مدير التحرير : كارثةٌ..كارثة كبري!!
أنتم ضيعتم أحلامي!!
رئيس التحرير : أحلامك؟؟!!
مدير التحرير : كانت أيامي قادمةً
كنتَ ستمضي – بمؤامرةٍ –
وأنا بعدَكَ في الجورنال!!
محرر التحقيقات : خسئتْ أفعالُكَ يا رجلا!
يتقلَّدُ كلَّ الألوان !! )
5 – يرفض توزيع الجريدة لأهل الجنة بالمجان :
(مدير التحرير : ولمَ بالمجان ؟!!
أَوَ أهلُ الجنة فقراء؟! )
6 – الطمع والأنانية :
(مدير التحرير : أرغب في قصرٍ منفرداً
وحدي أملأُه بالذهب الخالصْ )
7 – سرقته للخبر ونشره باسمه بدلا من نشره باسم المحرر الذي بذل جهدا في جلبه.
8 – افتئاته على النبي إدريس، وإشاعته بأن آياته ملفقة ووهم وكذب وتدليس.
………
( 11 )
ونطالع في الجريدة تحقيقا عن الجنس، وكالعادة يقدم لنا عنوانا لافتا، كعادة الصحف.
(تحــقيــــق :
سكـانُ الجنـةِ لا يدرونَ ..معاني الجنسِ ولذتَهُ!
ليس لديهم شهــواتٌ.. عــوراتٌ ..رغبـــهْ !! )
(محرر الثقافة : الجنسُ الآن هو الموضوع
تناول الكاتب الجنس، على أكثر من مستوى، ومن زوايا ورؤى مختلفة، منها :
1 – الجتس من الناحية البيولوجية، من أجل حفظ النوع، واستمرار الحياة :
( هم ما في هذا العالم أوجدهم،
أبقاهم )
2 – الجنسُ كعشقٍ وغريزهْ ولذة :
الجنسُ ..النهمُ إلى المرأة
الجنسُ ..الإغراقُ بذات الآخرْ
ألسنةُ النيران الزاعقةِ
وذاكَ البركانُ الدمويُّ الثائرْ
واقعةٌ تجري بين الماءِ المحجوزْ
وذاكَ القِدْرِ الناريِّ المزبدِ،
مَنْ سيفوزْ ؟!!
الجميع : الماء بآخر جولاتٍ ..فاز
الماءُ يفوزْ !! )
3 – الجنس كطاقة إيجابية مبدعة :
واختاروا أن يسألوا في الجنة بعض من رجال الأدب والفن والعلم والدين والسياسة عن رأيهم في ” الجنس ” وقد أدلى بدلوه حول هذا الموضوع كل من : طه حسين، نجيب محفوط، ثروت أباظة، يحيي حقي، محمد عبده، عبدالحميد الديب، عبدالمنعم عواد يوسف، أحمد عرابي، إديسون، غاندي، عمر المختار، عبدالناصر، ماوتسي تونج، مارتن لوثر كنج، فيدل كاسترو.
وقد جاءت إجاباتهم عن الجنس مدهشة، وأرانا الكاتب كيف تحول الجنس عندهم إلى طاقة إيجابية، فاعلة، وكيف تحول إلى إبداع، سواء في لوحة تشكيلية أو قصيدة شعر أو أغنية أو لحن موسيقى، وكيف تحول إلى حب الوطن، والتماهي مع أهله وناسه، وكان محركا للإبداع سواء كان فنيا أو أدبيا أو علميا، أو حتى سياسيا، وكل ذلك بفعل نظرية ” التسامي “، والتي تمثلها هؤلاء، وتشبعوا بها، فارتقت بهم وبغرائزهم، وقد أجاد الكاتب استنطاق هؤلاء، وكان موفقا في اختياره لهم.
……….
( 12 )
حول جنة حزين عمر :
شراب أهل الجنة : شمبانيا، ونبيذ، وفودكا .. تتواتر كأس في إثر كأس.
طريقة الشرب :
(لا يمسكُ أحدهمو كأساً بيديهِ
الكأسُ يطيرُ إلى فمه يلمسُهُ لمساً
تقبيلاً زغزغةً
فإذا نفَدَ الكأسُ يطيرُ إلى لا شئَ
يعودُ سواه !! )
الأكل :
(وإذا يهفو ذِكْرُ الجوع على الأمعاء
جاءت تعدو أطيارٌ، غزلانُ الجنة
حتي وقفتْ بين يديهم تغمرها الصحةُ والتيه
تقفزُ فوقَ المائدةِ فتهبطُ مشويهْ
يلتذُّ بها مَن يرغبها
فإذا كانت عظْماً وبقايا أكلٍ
هبَّتْ تعدو تغمرها الصحةُ والتيهْ !! )
لون أهل الجنة وأعمارهم :
(الناس هنا لا لونَ لهم
مزْجٌ من ليلٍ ونهارٍ وبياضٍ
وسوادٍ وصَفَارٍ.. مختلطون !
كلٌّ منا ــ هل لاحظتم ؟؟ــ لونُ الآخرِ
كلٌّ منا عُمْرُ الآخرَ :
في العشرين ..يزيد قليلا )
شعراء الجنة :
امرؤ القيس، علقمة، عنترة، زهير بن أبي سلمى، لبيد، عمر بن أبي ربيعة، المتنبي، الأخطل، أبو تمام، أحمد شوقي، حافظ إبراهيم، كمال نشأت، حسن فتح الباب، إبراهيم ناجي، جيهان سلام، عبدالمنعم عواد يوسف، فولاذ عبدالله الأنور، محمود نسيم.
أهل الموسيقى والغناء :
فيروز، عبدالوهاب، أم كلثوم، داود حسني، سيد درويش، محمد فوزي، معبد، اسحق الموصلي، فضل الشاعرة المغنية، عريب المغنية.
تقسيمات الجنة : مدن وقرى وكفور ونجوع وخيام!
(هيا نذهبُ لقصورهمو
ومدائنهم
ونجوعهمو
وخيامهمو
كلٌّ يسكنُ قدْرَ إفادتهِ للعالم )
الاضاءة :
(محرر الثقافة : وأمامَ العين قصورٌ بللورٌ،
ذهبٌ، وسقوفٌ من مرجانْ
وتضيئُ بماساتٍ
تسبحُ بفراغٍ
لا أسلاكَ ولا أزرار !! )
الصعود :
(فورَ النطقِ بلفظةِ (نصعد)
صعدوا في تحليقٍ حرٍّ !
دونَ جناحٍ أو رفرفةٍ !!
يتهادون، ويبتعدون، ويلتئمون !! )
الطقس :
(لا شمسَ هنا ..لا حرَّ ، ولا بردَ ، ولا إظلامْ
لا نَصَبَ ولا تعبَ ولا نومَ ولا أحلامْ )
وسائل الانتقال في الجنة :
1 – (هاتفَنا هاتفُ أنَّ الجنة تغرقُ تغرقْ !!
فركبتُ جواداً ذا سبعة أجنحةٍ
سبعةِ أقدامٍ، سبعةِ أعينْ
طارَ جوادي
حطَّ بجنةِ عدنٍ بعد ثوانٍ
فهنالك شُفنا مأساةً كبرى )
2 – ( في هذي اللحظة يهبطُ من أعلى
شئٌ ما، ” شِبْهَ حمارٍ “
ليس حمارا !!
قد جاء على ستٍ يمشي
وله رأسانِ صغيرانِ
في حجم الجروِ وفي وزنهْ
قالوا : هذا؟! ما أصغرَهُ
فتضخَّمَ ..أضحي كالفيل !!
وتطاولَ يعلو ..كالشجرة
وتحدَّثَ كثُغاءِ الطفل :
قد جئتُ لأرشد رحلتكم
إنْ شئتم عدْواً فسنعدو
أو شئتم نمشي هرولةً
أو خَبَّاً سنخِبُّ جميعا )
مكانة الشهداء :
يضع الشاعر الشهداء في مكانة عالية بالجنة، والشهيد عنده :
(من قُتِلَ يدافع عن أرضهْ
لا يغزو ..يلتهم سواه
وهمو طبقات ٌ
أعلاهم ….)
ويقدم شهداء الجيش المصري عمن سواهم :
(الشبيه : هم شهداءُ الجيش المصريْ
عُمُدُ الإنصافِ وإكسيرهْ
في هذا الكون
هم صدُّوا غزو الهكسوس وقهروا زحف الحيثيين
هم وقفوا في وجهِ مغولٍ
في وجه صليبيٍّ جائرْ
غربيٍّ ، صهيونيٍّ ، غادرْ
عثمانيٍّ كان يكابرْ
ودماهم روَّتْ أرضَ الوادي الأقدسِ
في سيناءْ
حيثُ تجلَّى صوتُ الله )
ويقدمهم على شهداء بدر والخندق :
( ويليهم مَن سقط ببدرٍ والخندقْ )
ويبرر هذا التفضيل :
( كان الوحيُ يُنزَّل فيهم
ورسولُ الله إمامهمو
والجنةُ نُصْبَ عيونهمو )
ولا ينسى الشاعر :
(: شهداءُ ( بلاط الشهداء) *
و شهداء الأرثوذكسِ
في وجهِ عداءِ الرومان
ولا ينسى أيضا أن يذكر :
(شهداء حريق قصر ثقافة بني سويف، شهداء حريق قطار الصعيد !، شهداء حريق محطة رمسيس !!، شهداء حريق الأسعار !!!، شهداء الشرطة في كرداسة، شهداء الجيش في سيناء )، وهكذا يُسقط على الواقع الردي.
………
( 13 )
الأعراف :
ويذهب إلى الأعراف : يعيشون في أماكن نائية، بعيدة، في مجاهل الجنة :
(هناك لا غصنٌ ، ولا طيرٌ ، ولا حورٌ حسانْ )
وهم :
( الشبيه : بل ناسٌ قد ملأوا الدنيا
أفعالا، صخبا، وكلامْ !
عشقوا الذات طوالَ العمرْ
وعاشوا : لا عِلْمَ، ولا خيرَ، ولا شرّ
فظلوا كالأنعامْ !! )
وهم أيضا :
الشبيه : فيهم مَن ساوي شرُّهُ خيرَهْ
مَن ليس لهم أثرٌ يبقى
بل هم نكراتُ الدارينْ
وهمو في عالمنا الخالد
بينَ البينْ
وسطٌّ بين الجنة واللاجنة
لا ذِكْرَ لهم أو وسْمٌ أو ملمحْ )

العقاب :
وعند شاعرنا وكاتبنا لا يوجد جحيم، وأما العقاب :
(محرر الثقافة : لا جحيمَ ولا حريقْ؟!!!
كيف العقابُ لمن يشذُّ عن الطريقْ؟!
العصفور : إنَّ العقابَ هو البعادُ
عن النعيمْ
ويرى المعَاقَبُ ما نعيشُ
من التبغددِ في الجنانْ
دائماً أبداً يجوعُ ..فلا طعام
دائما أبداً سيمرضُ ..لا علاج
دائما أبدا سيظمأُ ..لا مياهَ
ولا خمورَ ولا نَدا
وإذا اشتكى مستنجدا
رُدَّ النداءُ عليهِ
يصرخُ كالصدى
ما كان يحجبُ سابقاً
عن ناسهِ عن شعبهِ عن آلهِ
يُحجبْ عليهْ!
الجميع : يا للعَذاب !!
العصفور : إنء شاءَ نوماً ..لا ينامْ
كلَّ الذي حَرَمَ العبادَ
فسوف يُحرمُ كالعباد
كلُّهُ عنهُ حرامْ )
……….
( 14 )
اللاجنة :
(سكانَ اللاجنة : عُبَّادَ الجاهِ،
السلطةِ، والمالْ
مَن عاشَ العالمُ ــ في الدنيا ــ
بأياديهم أصناف الظلمِ، الإذلالْ
مَن مدَّ يديهِ إلى الرشوةِ
وتبوأَ في الدنيا الذروهْ
وهنالك مَن أجدرُ منهُ )
ويتحولون في اللاجنة إلى مسخ مشوه :
( الشبيه : لا ..ما هذي دنيا أو جنهْ
هذي اللاجنةُ ..قد برزتْ للأنف
وتبرز للعين ..فما أقبح !!
هل تحتملُ النظرَ إليها ؟؟
حاولْ أنْ تحتمل لتعرف
محرر الثقافة : ديدانُ برازٍ تتحرك ؟!
محرر الحوادث : هي حيَّاتٌ وأفاعٍ تسعي
محرر الرأي : تسبحُ في أمشاجٍ لزجهْ
قاتمةٍ، سوداءَ، وقانيةٍ
رئيس التحرير : تتصارع ..تتعارك ..تصرخ
الشبيه : لو دقَّقتم ..شُفتم أسوأَ
هي أجسادُ زواحفَ نتنهْ
لكنْ هي ليستْ بزواحفَ
هذا بشرٌ
هم أهل اللاجنةِ خلدوا
في هذا القرفِ الأبدي :
شكلاً، رائحةً، ولزوجهْ
ويبصون يرون بعيداً
آلاءَ الجنةِ وذويها
ونعيما وجمالا يُذهل
فينوحون، ويصطرعون،
ويفترسُ كبيرهمُ الأصغرْ،
يفترسُ صغيرَهمُ الأكبرْ
لا يفنون ولا يحيون )
…….
( 15 )
ومن القضايا التي أثارتها الرواية :
1 – قضية الدين :
( الشبيه : للخالق دينٌ ..لا أكثرْ
في كلِّ الأمكنةِ ..الأعْصُرْ
يتجسَّدُ بعبادةِ ربي
وعبادتُهُ أنْ تخلفَهُ الناسُ وتبني
لا تهدمُ في الأرضِ ..تدمِّرْ )
وفي موضع آخر يقول :
(محرر الثقافة : أفلاطون …هنالك ومضٌ من فلسفتهْ
الشبيه : قد صدق نبيُّ الإغريق
محرر الرأي : أَوَ كان نبياً ورسولا ؟!
الشبيه : هذا عدلُ الله الخالقِ
في كل شعوب الأرضِ نبوَّهْ
ورسالاتٌ تحملُ وحيَهْ
كيف يحاسب ــ سبحانهْ
دونَ رسالهْ ؟! )
وفي مقطع ثالث، يقول :
( رئيس التحرير : ماذا عن بوذا ..كونفشيوس الصيني ؟
الشبيه : كل دعاء العلم، السِّلم،
الخير، التوحيدِ، نبوَّاتٌ )
فأفلاطون عند حزين عمر نبي، وبوذا وكونفشيوس، من الأنبياء أيضا، وهم في مكانة عالية في جنة حزين عمر، لأتهم أضافوا إلى الحياة، وأثروا الإنسانية، وهي رسالة قوية من الكاتب إلى المتعصبين والمتطرفين، الذين قصروا الجنة عليهم وعلى أبناء ملتهم فقط، واحتكروها، فعند الكثيرين من المسلمين مثلا بأن الجنة لا يدخلها سوى المسلمين، وعند النصارى لا يدخل الجنة إلا المسيحي، واليهود كل العالم خلقه الله لخدمتهم، وهم شعب الله المختار، والجنة لا تكون إلا لهم، ورأينا كيف أن دانتي جعل جنته قاصرة على المسيحيين فقط، بل جعل المسيحيين الذين بلا عمادة مع الوثنيين الأطهار في الدائرة الأولى من الجحيم، ولا يمكن أن يدخلوا الجنة أبدا، ووضع محمد بن عبدالله الرسول الأمين في دائرة متقدمة من دوائر الجحيم، ومعه علي بن أبي طالب، ولكن جنة حزين عمر لكل من ساهم في رقي الإنسانية ونهضتها، سواء في العلم أو الفن أو الأدب أو الفلسفة أو الدين، وجنته درجات، وكل يعيش حسب ما قدمه من عطاءات وأفعال تسعد البشرية وتنهض بالإنسان، لافرق عنده بين مسلم أو مسيحي أو يهودي، أو أي ملة أخرى، لايعنيه لونه أو موقعه الجغرافي أو جنسه، فالله رحمن رحيم، ولا يمكن أن يعاقب أمة دون أن يبعث فيها نبي أو رسول.
ونذكر القارئ الكريم بأن المولى عز وجل لم يقص على حبيبه ومصطفاه في القرآن غير عدد قليل جدا من الرسل والأنبياء ويبلغ عددهم ( 25 ) نبيا ورسولا، مع أنه لم تخلو أمة من نبي أو رسول :
( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) .. ” فاطر : 34 “.
وفي سؤال لأبي ذر لرسول الله عن عدد الرسل ” قلت يا رسول الله كم المرسلون؟
قال : ثلاثمائة وبضعة عشر جما غفيرا.
وفي رواية أخرى، وفي سؤال له عن عدد الأنبياء، أجابه النبي : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا.
يقول المولى عز وجل :
( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ) .. ” غافر : 78 “.
وقد عني القرآن بأصحاب الديانات الكبرى، والمعجزات الخالدة، والرسالات الباقية، الذين غيروا العالم، أصحاب الشرائع والرسالات الكبرى وهم ( وفقا للترتيب الزمني ) : نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد.
إذن هناك رسل و أنبياء كثر، وهذا ما أراد أن يؤكد عليه حزين عمر، وهذا ما شاهدناه في جنته.
…….
2 – الزمان والمكان :
(في هذي البرهة قد سرنا
بخُطانا ألفاً من أميال
.. والآن وصلنا عشرةَ آلافْ )
(أميالُ الجنة ليست أميالَ الدنيا
الميلُ بعشرةِ آلافٍ من أميال الدنيا )
نظر حزين عمر في جنته الافتراضية إلى الحدث في الزمن اللانهائي و العلاقة الجدلية كما يقول الأستاذ كامل الكفراوي في كتابه ( إصلاح أنف أبي الهول ) للحدث اليومي لا تمر في خاطرنا في جدل مع العمر، ولكن في الزمن الإلهي المرتقب، وهو ما تصوره حزين عمر في الجنة.
فهل يومنا على الأرض هو يوم المريخ أو المشترى مثلا؟ ..
ضيق المكان نقيسه بالخطوة والفرسخ والميل، ولكن عند حزين وفي جنته المتخيلة يُعمل الخيال ويقيس باللا محدود، ورأينا في غفو الصحفيين الموصول / الموت المجازي، في الكهف / القبر .. كيف جعله روضة من رياض الجنة؟.
وفي هذه الرواية علينا أن نعيد دراسة ومقولة الزمان ومقولة المكان، فالزمان والمكان في الدنيا يختلف عنه في الآخره، والمكان الجغرافي أو الفلكي أو الفيزيائي يختلف عنه في الآخرة.
كذلك مفهوم الموت، ليس بداية المكان وانقطاع الزمان، كما يصوره الماديين، فنرى الأرض تدور، والشمس تدور، والمجرات تُكتشف، واختلاف طول الليل وطول اليوم بين كوكب وآخر لم يعد خافيا على أحد، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، في رحلته المدهشة ( الإسراء والمعراج ) ذلك وأكثر منه منذ أكثر من أربعة عشر ألفا من القرون!
فالرسول الكريم طرح في رحلة الإسراء عدة قضايا، منها :
1 – هذا براق، وهذا معراج، وبين حجب وستر، ومسافة ومسافة تتغير المركبة.
2 – المسافة بين مكة وبيت المقدس، طرح المصطفى قضية إمكانية اختزالها.
ومحمد عليه الصلاة والسلام قال في إسرائه :
1 – سيختزل الإنسان الزمن في قطع المكان.
2 – سيصعد الإنسان إلى حدود السماء، لكن عليه أن يعلم أن أدواته ستتغير، وهناك أماكن يحترق فيها حتى النور ولكن يجتازها الحبيب.
إذن محمد أعطى البشر هذا القياس الجديد، والذي استفاد منه المعري، ودانتي، وكل من تلصصوا على الآخرة، وليس بآخرهم حزين عمر، الذي قدم لنا ملحمة روائية، لم يسبقه إليها أحد من كتابنا العرب، وأعتبرها قمة من قمم الأدب العربي.
( تم اختزال مفهوم كامل الكفراوي عن الزمان والمكان، وأرجو ألا يكون مُخلا )
…….
( 16 )
المؤامرة :
وهو من أجمل فصول الرواية، وفيه يلتقي إبليس، الذي يتآمر مع مدير التحرير، المعاقب في اللاجنة، ويقدم لنا إبليس وهو يمارس مهام وظيفته في الغواية، لإخراج من بالجنة، وإبليس مُحب لعمله، ومؤمن به، ولا يعرف لليأس سبيلا في سبيل تحقيق أهدافه، وغاياته، ويعرف المداخل التي يدخل منها إلى الإنسان ليسيطر عليه، ويصبح مثل قطعة العجين في يديه، يشكلها كيفما يشاء، والكاتب يجعل إبليس يقدم لنا نفسه، ومنحه المساحة الكافية، والحرية، ليقول ما يشاء، ويفعل ما يشاء، ومن خلال حواره مع مدير التحرير، وتآمره معه، ويسرد لنا حياته كاملة، منذ أن خرج من الجنة مطرودا بعد أن رفض أن يسجد لأدم الطيني وهو الناري، والعهد الذي قطعه بغواية هذا الطيني، وتزيين الكفر والفسوق والعصيان له، وتنتهي الرواية بهذا المشهد :
( أظلمتِ الأكوانُ
وحادَ الوعيُ زماناً
كم ؟؟ لا يدرونْ
ولكنْ فورا يلتفتونْ
إذا هم في عتباتِ الغارِ
بصحراء الوطنِ المتغربِ عنهم ..
يستلقونْ !! )
لنكتشف أن الكاتب استخدم الفنتازيا كأداة، ليقول لنا من خلالها ما لا يستطيع أن يقوله بطريقة مباشرة، فناقش واقعنا السياسي والثقافي والديني، وقدم لنا ملحمة روائية شعرية، ليست للعرب فحسب، ولكنها للإنسانية جمعاء.
مجدي جعفر
( ورقة نقدية لمناقشة الملحمة الروائية ” آخر أخبار الجنة ” للشاعر والكاتب والمفكر حزين عمر بقصر ثقافة العاشر من رمضان مساء الثلاثاء الموافق 26 / 10 / 2021م )

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق