قراءات ودراسات

هل يضمن لها القانون الجديد الحماية الكافية في ظل مجتمع تقليداني…؟

المرأة والتحرش الجنسي بالمغرب: هل يضمن لها القانون الجديد الحماية الكافية في ظل مجتمع تقليداني...؟

د. رشيد طلبي.

تقديم عام:
يعدُّ الجنْسُ فِي كل الثقافات ممَارسَةً وحدِيثاً مَثار جدلٍ متنوع المرجعيّات الأنثروبولوجية والدينية والعلمية والاجتماعية والقانونية. فكلمة “الجنس” مُفْردة إشكال، لمُجرّد التّلفُّظُ بِها، فضلاً عن الغوْصِ فِي مَضامينِهَا وسَبْرِ أغْوارِهَا؛ الشّيء الذِي يُسْفرُ عن العدِيد من الإشكَالات.
ويرتبطُ هذا، بمَدَى تطوّر الوعي البشري تاريخيّاً، حيث يؤكِّدُ بعضُ الباحثين على الانقطاع بين ظهور التشريح الحديث والسلوك الحديث الظاهر متأخراً قبل أربَعِين ألف سنة، وخلال هذه الفَجْوة الزّمنية، تمت طفرة جينية أثّرَتْ على مدَى تطوّر القدرة المعْرفية التي ستسْتَمِرُّ فيما بعد 50 و40 ألف سنة، والحديثُ مِنْها ارتبط بالتّشْريح الحديث. وبذلك، نشأت وتطوّرت تدريجيّاً المظاهر المتنوعة للثقافة الإنسانية على مدى آلاف السنين المُتوالِيّة.
بذلك، فعلى الرّغم من أنّ مسألة الجنس غريزة فطرية لدى الإنسان، مثل غيره من باقي الكائنات الحيّة، بُغية تكاثر النوع البشَرِي وعمارة الأرض، فإنّهُ مع التطور الذي عرفه الإنسان، منذُ القِدَم، فهو ذو مُسْحة ثقافية تبعاً لتفرُّد الإنسان، وَفْقَ نظرية الثّقافة، بهذه الميزة.
تبعاً لهذه النظرية، ترتسمُ لدينا حقيقتين هما؛ الأولى أنّ الإنسان كائنٌ اجتماعي. والثانية تتّصِلُ بالسلوك الإنساني الصادر في أنماط وأشكال تتّسمُ بالاطّراد والتواتر، وعلى إثر هذا، تنشأُ القواعد، وتُسنُّ القوانين في نطاق مفهومي: الثقافة والمجتمع. ويندرجُ، ضمن هذا السيّاق، السّلوك الجنسي للإنسان الذي ينبغي أنْ يُمارَسَ فِي ظلّ ضوابطَ وأطر شرعية وقانونية تحميه من همجيته، حفاظا على النّاس وقيم المجتمع التي بدونها لا قيمة لهُ.
وتتعدّدُ مظاهر السلوك الجنسي لهذا الكائن الثقافي، مثل (التحرّش الجنسي) الذي وإن ارتبط بطبيعته الإنسانية/ الغريزية، فإنّه يتّسمُ، في ظل القيم الثقافية والمجتمعية، بالعنف المبني على النوع الاجتماعي، لكونه مخالفا لتلك القيم، وهو ما جعل القوانين والمصادر الشرعية تُعِدُّه جرماً ينبغي التصدي له ومحاربته، منذُ القدم، وإن لم يُعرف بهذا المصطلح.

العنف القائم على النوع الاجتماعي/ الإطار القانوني:
يُشكِّلُ العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي ظاهرة عالمية ذات أبعاد وبائية. وقد لاحظت منظمة الصحة العالمية أن هذه الظاهرة” تُشكِّلُ خطراً على صحة المرأة، وتحدُّ من فُرَصِ مشاركتها في المجتمع. كما تتسبّبُ بمعاناة إنسانية كبرى”، سواء الصحية البدنية منها، أو الجنسية أو النفسية، أو على مستوى نمو الشخص أو هويته.
وقد عرّفت اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة، العنف القائم على النوع الاجتماعي أنه “العنف الموجَّه ضد المرأة بسبب كونها امرأة أو العنف الذي يمَسُّ المرأة على نحو جائر”. كما توسعت في أنواعه، حيثُ يتخذُ “أشكالا متعدّدة، بما فيها الأفعال أو أوجه التقصير التي يُقْصَدُ منها أو يُحْتَمَلُ أن تُسبّبَ الوفاة أو الضرر البدني أو الجنسي أو النفسي أو الاقتصادي أو المعاناة للمرأة، أو أن يُفْضيَ إلى ذلك، والتهديد بتلك الأفعال والتحرّش والإكراه والحرمان التعسُّفِي منَ الحُرية”.
وعلى الرّغم من غياب وثيقة دولية تتناولُ قضايا العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي بشكل خاص، فمن وجهة النظر الحقوقية والحفاظ على الحريات الأساس، جعلها تلقى انتشارا، باعتبارها قضية آنية، وإن كانت ذات طبيعة غير مشروعة كمبدأ من مبادئ القانون الدولي العرفي”. وبذلك، تُقرُّ بها اليوم عدّة منظمات ولجن وهيئات وخبراء مستقلين. ومع ذلك، فمسألة الوصول إلى العدالة في قضايا هذه الظاهرة يقوم على ثلاثة مبادئ أساس من قانون حقوق الإنسان، وهي: الحقُّ في عدم الخضوع للتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية أو المهينة. والحقُّ في عدم الخضوع للتمييز القائم على النوع الاجتماعي. والحقُّ في الجبر والانتصاف عند تعرض الفرد لانتهاك حقوق الإنسان الخاصة به”.
وعلى مستوى المجتمع المغربي، يعدُّ العنف ضد الفتيات والنساء ظاهرة متفشية على نطاق واسع. استناداً إلى البحث الأخير الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط: “تعرّضت 7,6 مليون امرأة من أصل 13,4 مليون، من المتراوحة أعمارهم بين 15 و74 سنة، في 2019، لشكل واحد على الأقل من أشكال العنف (…) أي ما يمثّلُ نسبة 57% من النساء. ويعتبر فضاء البيت الأسري عموما، أكبر فضاء يشهدُ العنف، بمعدّل انتشار يبلُغُ 52%، وهو ما يتمثّلُ6,1 مليون امرأة”.
أمّا باقي الفضاءات الأُخْرى، فهي على الشكل الآتي: ففي الفضاءات العمومية، فتصل نسبة العنف إلى 13% (أي ما يعادلُ 1,7 مليون امرأة). وفي فضاءات التربية والتكوين 22% 5 (أي ما يمثلُ مليوني (2) تلميذة وطالبة). وفي أماكن العمل 15% (أي ما يعادلُ 3,8 مليون امرأة). بينما على مستوى شبكات التواصل الاجتماعي فيقدر بنسبة 14% (أي ما يُعادلُ 1,5 مليون امرأة).
القانون 13. 103 والتحرش الجنسي ضد المرأة:
تبعاً للأشكال المتنوعة للعنف القائم على النوع الاجتماعي، وفي نطاق الجهود المبذولة من قبل الدولة المغربية، بُغية الحد من تفشي هذه الظاهرة، وهي جهود ومبادرات تستحق التنويه، تم سَنُّ القانون (103.13) المتعلق بمحاربة العنف ضدّ النساء، الذي علّقتْ عليه اللجنة الدولية للحقوقيين بقولها: “أثار القانون الجدل بشكل واسع ولاقى انتقاداتٍ من مُخْتَلِفِ الأطياف السياسية. ويمكنُ القول إنّ المدة التي استغرقها إقرار القانون والعدد القليل من أعضاء البرلمان الذين حضروا جلسة التصويت على القانون يعكسان مدى حساسية قضية حقوق المرأة في المغرب. يتضمّنُ القانون لائحة غير شاملة من تعريفات المفاهيم المرتبطة بالعنف ضد النساء، ويطرحُ بعض التدابير الوقائية بما في ذلك عقوبات أقسى على مرتكبي العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي”.
قبل التطرُّق إلى مناقشة هذا القانون في المادة5، يمكن أن نقف تحديداً عند بعض الإحصائيات الخاصة بالتحرش الجنسي بالمغرب، تمثيلا لا حصراً، وَفْقَ مَعطيات رئاسة النيابة العامة، برسم سنة 2019.

الجدول (1): الجنايات والجنح المرتكبة ضد المرأة برسم سنة 2019

الجدول (2): المتابعون في الجنايات والجنح المرتكبة ضد المرأة حسب نوع القرابة. برسم سنة 2019.

يتبدّى لنا من خلال الجدول (1). أنّ مجموع عدد المتابعين في قضايا التحرش الجنسي يصلُ إلى 632 مُتَابَع. وبالنظر إلى نوع الجنس، فنجدُ عدد الذكور يفوق بكثير عدد الإناث، حيث يصل عددهم إلى 625 (أي بنسبة 98%). بينما عدد الإناث 07 (أي بنسبة 1,10%). وهذا راجع إلى معضلة التمييز بين الجنسين التي لازال يَعْمِدُ إليها المجتمع المغربي في الكثير من الأوساط، حيث يعد الذكر/ الرجل صاحب سلطة في مقابل إضعاف الجنس الأنثوي ووضعه في وضعية الإذعان والتبعية دون مبرر عقلي أو منطقي أو ظرفي متميز.
أمّا بخصوص الجدول (2). الذي يحاول أن يفصّل في قضايا التحرُّش الجنسي المرتكبة ضد المرأة حسب نوع القرابة، فإنه تم التوصل إلى أن عدد المتحرشين الأغيار هو 626 (أي بنسبة 99,05%). وأرباب العمل عددهم6 (أي بنسبة 0,94%). أمّا باقي الأصناف فغير واردة ضمن هذه القضايا.
الفصل: 503. هل يضمن الحماية الكافية للمرأة: حلل وناقش.
عَمَدَتْ السلطات العمومية في المجتمع المغربي، على إثْرِ الوضع المرتبط بقضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي بشكل عام. وجرائم التحرش الجنسي بشكل خاص، إلى عدّة استراتيجيات وبرامج ومخطّطات متتالية لمحاربة العنف ضد النساء، منذُ سنة 2004. وأهمها القانون الإطار رقم 103.13. المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الذي دخل حيز التنفيذ منذ سنة 2018، كما أشارت إلى ذلك المادة 17 في الباب الخامس المتعلق بالتدابير والمبادرات للوقاية من العنف.
وتجدرُ الإشارة، إلى أنّ هذا القانون، فيما يتعلق بالفصل 503 من القانون الجنائي أنه يُعَرِّفُ التحرش الجنسي على الشكل الآتي:
“الإمعان في مضايقة الغير في الفضاءات العمومية أو غيرها بأفعال أو أقوال أو إشارات ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية؛ بواسطة رسائل مكتوبة أو هاتفية أو إلكترونية أو تسجيلات أو صور ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية”
ويعني هذا، أنّ التحرش الجنسي أصبح جريمة قائمة الذات، حيثُ تمَّ تجاوز التعريف التقليدي الذي يربطُ التحرش الجنسي بالرئيس في العمل، و”الذي يشترط وجود علاقة بين الرئيس والمرؤوس أو سلطة بين الضحية ومرتكب الجريمة ضمن مكان العمل”. بل أصبح التعريف يضمُّ الفضاءات العمومية وغيرها في نطاق التجديد والتحسين الذي عرفه قانون العنف القائم على النوع الاجتماعي.
تبعا لهذا، يشيرُ “الفصل (503.1.1)- يعتبر مرتكبا لجريمة التحرش الجنسي ويُعاقبُ بالحبس من شهر واحد إلى ستة أشهر وغرامة من 2000 إلى 10.000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من أمعن في مضايقة الغير في الحالات التالية:
1-في الفضاءات العمومية أو غيرها، بأفعال أو أقوال أو إشارات ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية.
2-بواسطة رسائل مكتوبة او هاتفية أو إلكترونية أو تسجيلات أو صور ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية.
تُضاعفُ العقوبة إذا كان مرتكب الفعل زميلا في العمل أو من الأشخاص المكلفين بحفظ النّظام والأمن في الفضاءات العمومية أو غيره.
كما يُشيرُ الفصل (503.2.1)- يُعاقبُ بالحبس من ثلاث إلى خمس سنوات وغرامة من 5000 إلى 50000 درهم، إذا ارتكب التحرش الجنسي من طرف أحد الأصول أو المحارم أو من له ولاية أو سلطة على الضحية أو مكلفا برعايته أو كافلا له، أو إذا كان الضحية قاصرا”.
على الرغم من التقدّم الملحوظ بخصوص قانون محاربة العنف ضد النساء، أو بتوسيع نطاق جريمة التحرش الجنسي، سواء على مستوى الفضاءات العمومية أو غيرها. أو على مستوى الغير الذي يرتبط بالضحية من جهة القرابة أو العمل. فإنّ الأمر لازال تنتابُهُ نواقص. وذلك مثل إهمال القانون 103.13 للتعريف ب” التمييز” بما يتناسبُ مع المادة 1 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. فضلا عن المخاوف التي يطرحا القانون الجديد الخاصة بجريمة التحرش الجنسي، وكأنه يتطلبُ لضمان العقوبة وقوع حوادث متكرّرة، وهو ما تعكسه كلمة “إمعان” في الممارسة، وبذلك، يستثني حوادث التحرش المنعزلة. كما أنه التعريف، في حد ذاته، لا يُغطِّي العناصر الأساس لهذه الجريمة.
وهذا ما لاحظته اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب. من خلال بحثها في الأبعاد المختلفة للتحرش الجنسي، وذلك مثل النظر في الهجمات الشفهية التي تُسْتخدَمُ ضد الضحية مثل (عاهر/ة) أو (مومس)؛ فهي ألفاظ لا تستخدمُ للذكور، والمقصود منها الحطُّ من قدر المرأة وتجريدها من نزاهتها، وكأنها ترفُضُ الالتزام بالقيم الدينية والمعايير الاجتماعية التقليدية.
ويمكن أن يتم تجاوز هذه الهجمات الشفهية نحو الهجمات البدنية التي تكون خاصة بجسم المرأة في حد ذاته، مثل تحسس أماكن في الصدر، ولمس ومحاولة لمس “أجزاء خاصة وحساسة”. “وليس هناك أدنى شك في أن الضحايا كانوا مستهدفين بهذه الطريقة بسبب نوع جنسهم”. كما أشارت اللجنة إلى أهمية التعامل مع التحرش بشكل منفصل، بما أنّه قد لا ينطوي على أفعال ذات طبيعة جنسية.
هذا، بالإضافة إلى عدم الاهتمام بقضية “المطاردة”، هذا التصرف السيء الذي يُرتكبُ كمسار سلوك يؤثّرُ سلبا على حرية الضحية، ويُسبِّبُ لها الخوف والحزن. وقد أشار تقرير “العنف ضد المرأة” لوكالة الحقوق الأساسية التابعة للاتحاد الأوروبي، أنّ المطاردة تشملُ الأفعال الآتية: “إرسال رسائل إلكترونية أو نصية أو بطاقات جارحة. القيام باتصالات هاتفية تهجمية، تهديدية أو صامتة. القيام بتعليقاتٍ جارحة حول الضحية على الإنترنيت. مشاركة صور فتوغرافية أو تسجيلات فيديو حميمة عن الضحية من دون إذن منها. التسكع/ الانتظار قبالة منزل الضحية أو مدرستها أو مكان عملها. ملاحقة الضحية أثناء تنقلها من مكان إلى آخر. التدخُّلُ بممتلكات الضحية أو تدميرها”.

التحرش الجنسي بين المتحرش والمتحرش به:
يُعدُّ التحرّش الجنسي ظاهرة مرضية نفس اجتماعية، يعاني منها المجتمع المغربي، مثل باقي بلدان العالم. وبذلك، فالشخصية التي تقوم بهذا السلوك المنحرف، لا غرو أنّها شخصية سيكوباتية psychopatic personality تُعاني من اضطراب نفسي سلوكي، يندرجُ ضمن جملة من اضطرابات الشخصية.
وقد حدّدَ الدكتور “أحمد هارون”؛ مستشار العلاج النفسي ورئيس الأكاديمية العربية للعلوم النفسية AAPS أربعة مظاهر شاذة في الشخص المصاب به:
1-استجابات مضادة للمجتمع المحيط به.
2-انحرافات جنسية وسلوك جنسي مَرَضِي.
3-ردود فعل عدوانية أو سلوكات عدوانية.
4-إدمان المشروبات الكحولية والمخدرات.
وإذا كانت أسباب هذا الاضطراب السلوكي متعدّدة، فإنّ الأمر يعود، بالأساس، إلى مجال التربية والتنشئة الاجتماعية. على اعتبار أنه سلوك لا يعكس كبتا جنسيا، قدر ما يعكس كونه عنفا اجتماعيا إزاء الفئة الهشّة والضعيفة. فمن وجهة نظر أخرى، قد لا يكونُ المتحرش مريضا نفسيان بل يعدُّ شخصا مدركا لأفعاله وسلوكاته، لكنه يعاني خللا ما، يدفعه إلى التصرُّف بعنف تجاه الآخرين، وهذا لا يعدو أن يكون نتيجة التربية الاجتماعية، سواء في الأسرة أو المدرسة أو الشارع، أو حتى وسائل الإعلام في بعض الأحيان، التي تذهب مذهب التمييز بين الجنسين استناداً إلى الفهم الخاطئ للدين، علاوة على التقاليد والعادات التي ترسّخَتْ في المجتمعات، مثل المجتمع المغربي.
وتتضافرُ إلى جانب انعدام الضمير والمبادئ والتربية الصحيحة، عوامل أخرى بيولوجية مثل ارتفاع معدلات التلوث البيئي. واجتماعية؛ مثل التفكك الأسري والقمع والحرمان من الحاجات الأساس. بل وأخرى سياسية؛ حيثُ تتحمَّلُ الدولة والمجتمع السياسي مسؤولية تفشي الظاهرة، عوض مسؤولية المرأة لوحدها. ومما يثبتُ هذا؛ أشارت الكاتبة الصحفية “هناء مكاوي” في مقال لها أن هناك دراسة تُخْلِي مسؤولية المرأة من هذا الأمر، “حيثُ نسبة 75,7% ممن خضعن للدراسة كُنَّ مرتديات ملابس محتشمة ولا يضعن مساحيق تجميل وقت تعرضهنَّ للتحرّش، مقابل 2,1% كُنَّ مرتديات ملابس تكشف أجسادهنَّ ويضعن مساحيق تجميل”.
ومن وجهة نظر التحليل نفس-اجتماعية، هُناك من يذهبُ بعيداً في إدانة المتحرش، وتشريح شخصيته العدوانية، فهو تلك الشخصية “المضادة للمجتمع”. بمعنى أن الأمر لا يتوقف عند حدود التحرش الجنسي، بل قد يُمارسُ، أيضا، السرقة والاختلاس، وحتى القتل إذا ما توفرت له الظروف الملائمة، وسنحت له الفرضة بذلك.
إنه ما يذهب إليه “علم الإجرام” وَفق المفهوم الحديث لشخصية المجرم. فهي شخصية تتمتَّعُ بعقلية لا اجتماعية، أي غير قادرة على التكيف اجتماعيا. ويقسم هذا العلم المجرمين إلى ثلاثة أنواع؛ الجرم العادي، الذي يتمتع بالأهلية الجنائية، ويكونُ مسؤولا عن أفعاله وسلوكاته. والمجرم المجنون، المصاب بأحد الأمراض العقلية، لذلك غير مسؤول عن أفعاله وتَعْدُمُ لديه الأهلية الجنائية. والمجرم الشاذ، وهو شخص مُصاب باضطراب نفسي، لكن لا تَعْدُمُ لديه الأهلية الجنائية، لأنه مدرك لأفعاله ومميز لسلوكاته.
وإذا كان هذا المدلول الأخير يتوافق مع المتحرش، إلى حد ما، فإنه يصطدمُ مع مبدأ الشرعية، واحترام الحريات الفردية، حيثُ يصعُبُ تدخُّلُ المشرّع في مثل هذه الحالات التي تنْذِرُ بالجريمة، نتيجة تمتع الشخص بعقلية لا اجتماعية.
تبعا لما سبق، ومن وجهة نظر علم النفس الاجتماعي، فللتحرش الجنسي، أيضا، عواقب وآثار على الضحية، حيثُ أشار بعض الإخصائيين إلى أنّ أهم ضرر يحدث لدى الضحية، جرّاء تعرضها للتحرش الجنسي، هو ما يُعرفُ ب”التروما” وتعني في علم النفس: “الصدمة النفسية الشديدة التي تحدث بسبب التعرُّض لحادث مُفاجئ وأليم، يسيطرُ على الشخص، ويعجزُ عن كبحه، مما يولّدُ الخوف والرعب الذي يسيطرُ على تفكيره وردة فعله”.وبذلك، يتسبّبُ هذا في ظهور العديد من الاضطرابات العاطفية مثل القلق والتوتر والخوف. بالإضافة إلى أعراض اخرى، قد تستمر لفترة طويلة وربما لسنوات.
وتختلفُ هذه التأثيرات حسب شخصية المرأة أو الفتاة المتحرش بها، فقد أشارت الدراسات إلى أن النساء والفتيات اللائي يستطعن مواجهة مثل هذه المواقف، يكون وطء الحدث عليهن أقل ممن لا يقدرن على مواجهته. وتذهب منظمة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن 80% ممن تتعرّضن للتحرش الجنسين لا يُفصحْنَ عن الأمر، ولا يستطعن أخذ أي إجراء ضد المعتدي.
فضلا عن الصدمة النفسية، فالأمر قد يتجاوزها نحو إحداث مضاعفات بدنية، أهمها “الإجهاد الحاد”.وتوضح الدكتورة “نيكيشيا هاموند Nekeshia Hammond” هذا الأمر بقولها: “أحيانا ما يؤدي التحرش الجنسي إلى حدوث الصدمة للمريض، تجعلُ من الصعب أن يتعامل معها، ومن ثَمَّ يبدأ في الدخول في حالة إنكار أنه مصاب بالاكتئاب أو الاضطراب، وهو ما يؤدِّي إلى الأعراض الجسدية، التي تظهر على شكل آلام في العضلات وصداع أو الأمراض المزمنة؛ كارتفاع ضغط الدم، ومشكلات السكر في الدم، فضلاً عن أنه، على المدى الطويل، يمكن أن يؤدي إلى مشاكل في القلب”.

تنوير خاص:
تجدر الإشارة أخيراً، إلى القول: “إنه ليس بالقانون وحده تستقيمُ الأمم”. مع العلم أن المغرب بسَنّه لمثل هذه القوانين الجادة والجريئة، قد خطا خطوات إلى الأمام، نحو المجتمعات المتحضرة. لكن لابد من إعادة النظر في بعض نقاطه، مثل العناصر الأساس للظاهرة، وعناصر الإثبات، والاهتمام بعنصري “التمييز” و”المطاردة”.
ومع ذلك، لابد من اعتماد مقاربات أخرى وقائية وعلاجية على حد سواء، خاصة من وجهة نظر علم النفس الاجتماعي، من خلال الاهتمام بالتربية والتنشئة الاجتماعية الرصينة والصحيحة، على مستوى الإعلام والمدارس والجامعات ودور الشباب ومقرات الأحزاب السياسية وغيرها. في أفق بناء مجتمع يدين بالحرية والديمقراطية، واحترام الإنسان في حد ذاته، دون أي تمييز كيفما كان نوعه.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق