قراءات ودراسات

حوارات في الفكر والأدب

رياض كامل

مقدمة
راودتني فكرة محاورة الأدباء قبل حوالي ثلاثة عقود، إيمانا مني أنّ صوت الأديب والأدب هام جدا، ويجب أن يصل إلى الناس في بيوتهم، وإلى الطلاب في مدارسهم وجامعاتهم وكلياتهم. فقمت مع طلابي، أثناء عملي في حقل التربية والتعليم، بإجراء حوارات أدبية مع عدد كبير من الأدباء في بلادنا، وقد فاجأني الشاعر جريس دبيات بإشارته إلى ذلك في السؤال الأول من الحوار معه: “اسمح لي أوّلا أن أبدأ بهذه الحكاية، في أواخر الألف الماضي، عندما كنتَ مديرا لمدرسة راهبات مار يوسف الثانوية في الناصرة، كان ابني “حكم” طالبا لديك في اللغة العربية، وقد قمتَ مع مدرستك باستضافة مؤتمر الإبداع الأوّل الذي شارك فيه أدباء كثيرون، وأحدث ردّ فعل رائعا على الساحة الثقافيّة”. جمعتُ هذه الحوارات في كتابين بعنوان “حوارات أدبية”، صدر الجزء الأول سنة 1994، والثاني سنة 1995، وهما يشتملان على حوارات مع أربعة وخمسين كاتبا وكاتبة، تبعهما مؤتمران أدبيّان شارك فيهما أهم الأدباء الفلسطينيين من الجليل والمثلث ومدن الساحل وقراه، ومن الضفة الغربية، ومن مدينة القدس العربية. حضر المؤتمر في كل مرة مئات الطلاب وما يقرب من مائتين من الأدباء والأديبات والباحثين والباحثات. وبادرتُ في السنة التالية إلى محاورة عدد آخر من الأدباء مع طلابي، لكنّ البرنامج لم يكتمل لعدم توفر الميزانية لإصدار الجزء الثالث وتمويل المؤتمر، كما جرت العادة. وما لفت نظري في حينه هو الإقبال الكبير على اقتناء الكتابين، وتوجّه بعض مسؤولي المكتبات الأكاديمية إليّ للحصول على نسختين وأكثر لأنّ أوراق النسخ التي بحوزتهم قد تلِفت وتمزّقت لكثرة ما تداولتها أيدي الطلاب الجامعيين.
عادت الفكرة تراودني من جديد منذ مدة. وقد أثارني جدا، كما أثار غيري، الحديث عن “أزمة اللغة العربية” وما يثار من نقاش، بين الفينة والأخرى، في مواقع أدبية وفكرية مختلفة، وبالذات تلك التساؤلات القلقة التي كانت، وما زالت تُوجّه إليّ، شخصيا، في العديد من اللقاءات حول اللغة العربية، والأدب العربي عامة، والفلسطيني خاصة؛ ومنها ذاك التساؤل الذي انبثق في أعقاب موت محمود درويش، سميح القاسم وإميل حبيبي، وقافلة كبيرة من الأدباء الفلسطينيين من رواد الحركة الأدبية والفكرية في بلادنا، حول مستقبل الأدب الفلسطيني في ظل غياب “الكبار”. كنت أجيب في كل مرة: إنّ الأدب لا يموت، واللغة لا تموت ما دام هناك أدباء مبدعون، وما دام هناك من يغار على أدبه. كان امرؤ القيس وطرفة والأعشى، ثم جاء المتنبي وأبو العلاء والجاحظ وغيرهم، ماتوا جميعا ولم يمت الأدب، وجاء أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وطه حسين وغيرهم وماتوا، ولم يمت الأدب العربي، وظهر نجيب محفوظ ويوسف إدريس وحنا مينة والطيب صالح وإدوارد سعيد، ومجموعة كبيرة من الروائيين وكتاب القصة والمسرحيين والشعراء وأبدعوا، وأتونا بما هو جديد، وماتوا وبقي الأدب العربي. هل ذلك يعني أننا بخير؟ وهل إثارة هذه الأسئلة تأتي من فراغ؟
بما أن الحديث لا يدور عن “أزمة” محلية فقد وجدت أن تشمل حواراتي مجموعة من الأدباء من أقطار عربية مختلفة، بعد أن تأكّد لي، من خلال القراءة والمتابعة، أنّ هذا القلق يساور كثيرين من عشاق اللغة في العالم العربي الواسع. وكان من الطبيعي أن أتوجّه لأدباء عرفتهم، من خلال لقاءات جمعتني بهم شخصيا، أو من خلال قراءة إبداعهم، وبعد أن وجدت في كتاباتهم إبداعا راقيا، وفكرا عميقا. قمت بالاتصال بهم فأبدوا ترحيبا وتشجيعا.
لم أكتف بما سمعت وبما رأيت في محيطي القريب فالعالم العربي رحب وشاسع من مشرقه وحتى مغربه. وظلت الفكرة تلحّ عليّ وتتكرر وتتجدد كلما جالست أديبا عربيا، إذ كنت أسارع إلى طرح تساؤلاتي عن أحوال الفكر، فأيقنت أنّ معظمهم يعانون من واقع الحال. فعمدت إلى توسيع الدائرة لتشمل أدباء ومبدعين من خارج البيئة المحلية، لنرى من خلالهم، كيف ينظرون إلينا، وكيف يقيّمون أدبنا وحالنا الفكريّ والثقافيّ. وجدت من المهم فتح كوة نلج من خلالها إلى عوالمهم ونكتسب من تجاربهم، ويتعرفون إلينا أكثر ويستفيدون هم أيضا من تجاربنا. فالأديب الفلسطيني الذي عاش في الضفة والقطاع، وفي الشتات، تسنّى له أن يكون على اتصال مباشر مع الحراك الفكري والثقافي في العالم العربي، وهو ما حُرمنا منه سنين طويلة، نحن الذين بقينا هنا فوق تراب وطننا، بسبب الظروف السياسية. وأما الأدباء الآخرون من أقطار عربية أخرى فلديهم هم أيضا تجاربهم وظروفهم ومعرفتهم المباشرة حول ما يدور عندهم في ساحة الفكر والأدب، فأملت من خلال توسيع الدائرة إجراء حوار أكثر شمولية. هذا لا يعني أنّ هذا الكتاب هو مرجع نهائي لواقع الأدب والفكر في العالم العربي، لكنه بلا شك يسد ثغرة من تلك الثغرات الكثيرة، ولعله يُقرّب أكثر البعيدَ إلينا.
وجهت لكل أديب عشرة أسئلة وأتحت الفرصة للراغب منهم أن يضيف سؤالين يعبر بواسطتهما عن أمور تشغله فاتني الانتباه إليها، نفّذ بعضهم ذلك والبعض لم يخرجوا عن دائرة ما وجهته إليهم.
كنت أمني النفس بأن أجري حوارا مطولا مع الأديب السوري حنا مينة، خاصة وأنّ موضوع أطروحتي لنيل شهادة الدكتوراه كانت حول “خطاب حنا مينة الروائي”، وكنت راغبا بأن أرفق هذا اللقاء بذيل البحث. فاتصلت به هاتفيا في بيته، قبل حوالي خمسة عشر عاما، إذ كان من المستحيل مقابلته شخصيا، وعرضت عليه أن نلتقي في الأردن أو في القاهرة، فاعتذر بلطف قائلا: يسعدني أنك اخترتني واخترتَ رواياتي لتكتب بحثك الأكاديمي، وأتمنى أن تصلني بعد إنجازها، لكني رجل عجوز وهرم، ليس سهلا عليّ عملية التحرك والسفر، وبت مقلّا جدا في تحركاتي. عاش الرجل وامتدّ عمره، ولم نتقابل.
كم آلمني هذا الأمر! إنها المفارقة المرة التي نحياها كلّ يوم؛ نستطيع بسهولة أن نسافر إلى شتى أقطار العالم، ولا نستطيع أن نلتقي مع أهلنا ومع أخوتنا ومع أبناء شعبنا، لكني سعدت بإجراء الحوار مع الأديب السوري حيدر حيدر، رغم “الحواجز”، فللتكنولوجيا، بلا شك حسناتها في محو هذه الحواجز.
كنت، وما زلت، أتأمّل في حال الأمة العربية؛ في مجال الفكر، السياسة، الأدب والعلوم على اختلافها، وما آلت إليه أحوالنا من تراجع في مجالات عدة، منذ زمن طويل. إذ طالما تساءلت بيني وبين نفسي عما يجري من حولنا، وعن أسباب ابتعادنا عن ركب الحضارة على اختلاف مركباتها. وقد أقلقني جدا تلك الانتكاسات الفكرية التي باتت تدقّ جدران منازلنا وأبوابها، وعزوف شرائح من مجتمعنا عن متابعة الإبداع الفني على اختلافه، ومحاولات البعض من الداخل والخارج زرع أفكار ترى في الفن سببا من أسباب انتكاساتنا، لا العكس.
يضم هذا الكتاب ثلاثة عشر حوارا، إضافة إلى حوار آخر أجراه معي الكاتب الصحفي أوس داوود يعقوب، وقام بنشره في موقع “رمان الثقافية”. فكانت الحوارات جميعها غنيّة بما تحمله من معلومات، ومن عمق في الفكر والرؤية. سأشير لاحقا إلى بعض ما سمعته من الأدباء، وسأترك الباقي للقارئ كي يرى ويقرأ بنفسه من المصدر مباشرة، وسيرى أنّ لكل منهم تجربة واسعة وغنية. فقد يكتشف ما لم أكتشفه أنا. فقد يكتشف، على سبيل المثال، اختلاف اللغة وطرائق التعبير، بين أديب وآخر، كما تبرز بشكل واضح في مفردات وتعابير الأستاذ الباحث والأديب التونسي المنصف الوهايبي المتأثّر بالثقافة الفرنسية والإسبانية، وربما غيرهما من اللغات. وقد يكتشف أنّ ما يقلق الفلسطيني هو ذاته ما يقلق المصريّ، وقد يتزوّد بمعلومات لم يعرفها من قبل حين يقرأ الحوار مع الأديبة القاصة، والناقدة المصرية اعتدال عثمان، أو قد يرى أنّ هناك اطلاعا لافتا، في مصر وفي سوريا، على أدبنا الفلسطيني حين يقرأها، وبعد أن يقرأ الحوار مع الأديب والروائي السوري حيدر حيدر، أو قد يكتشف أنّ التشابه كبير بين أدبنا المحلي والأدب العربي، عامة، قد يصل حدّ التطابق.


لقد عاش من بقي هنا، بعد النكبة، وفي أرض الآباء والأجداد، حالة عزلة تامة عن العالم العربي، وعن الأشقّاء الفلسطينيين في قطاع غزة، وفي الضفة الغربية والشتات. كان على من فقد بيته وقريته، وبقي هنا، أن يعيد بناء ذاته من جديد، وأن يبحث عن قرية لم تهجّر لتصبح بيته ومكان سكناه، لينطلق منها ويتابع الحياة. وظلّ يحنّ إلى لقاء الأهل والأشقاء في العالم العربي، بعد هذا البتر الأليم، فالعربي الفلسطيني يدرك جيدا أنّه غصن من شجرة عربية ذات فروع متشعبة، وارفة وغنية بتراثها وماضيها. لذلك لا نستغرب حين يعبّر الأدباء عندنا عن ابتهاجهم حين يكتشفون أنّ كتاباتهم عابرة للحدود، كما عبّر عن ذلك الأديب محمد علي طه: “عشنا الحصار الثقافيّ القاسي والمرّ الّذي فرضته إسرائيل علينا، فكان طبيعيًّا أن أفرح عندما شاهدت قصصي منشورة في أواخر الستّينات من القرن الماضي في مجلتي “الآداب” و”الطريق” اللبنانيّتين وفي مجلة “الأقلام” العراقيّة، وفي عدد من المجلات والصحف في العالم العربيّ”.
فقدَ الناس أهلَهم وجيرتَهم، وفقدَ الطفل مدرسته وأبناء صفه وأترابه وأصدقاء الحارة. والتقى الفلسطينيّ بالفلسطينيّ “بواسطة الإذاعة أو الصليب الأحمر”، “وسلامي لكم يا أهل الأرض المحتلة”. اجتمع الفلسطينيون من جديد “بفضل” النكسة (1967)، وبات الفلسطيني يلتقي بأخيه في ظل الظروف الجديدة.
تكشف هذه الحوارات جزءا من الرحلة السيزيفية، وتكشف عن تجارب غنية ومذهلة للأدباء الفلسطينيين، رغم الألم. تقرأ قصص إنجازاتهم، رغم الصعاب ورغم مكابدة الأهوال وشظف العيش، وتفرقهم أيدي سبأ. لكنّ شيئا واحدا ظلّ يجمعهم هو الشوق والحنين إلى البيت والأرض والحقل والأقارب والجيران. تكشف الحوارات عن تجارب متشابهة وقصص تكاد تكون ذاتها؛ عساكر تحاصر القرية، بيوت تتهدم، وعائلات تحمل أمتعتها؛ عين تنظر إلى الأمام وأخرى نحو الخلف.
معظم المقابلات تشتمل على شهادات تؤرخ لمرحلة عاشها هؤلاء الأدباء لا في كتاباتهم التخييلية، بل في حياتهم الواقعية، تحدث الأدباء الفلسطينيون عن تجربتهم الخاصة في تهديم بيوتهم وقراهم، فوثّقوا ما رأوا بأم العين، ومن هذه التجربة غمسوا ريشتهم ليخطوا إبداعهم الأدبي الصادق، شهادة يواجهون بها رواية الآخر التي تتحدّث عن أرض بلا شعب. فمن يقرأ الحوار مع الأديب محمود شقير فسيطلع على شاهد عايش النكبة والنكسة والحرب الأهلية في لبنان، وسيطّلع على الحالة الأدبية الفلسطينية، وعلى أهم الصحف والمجلات الصادرة في فلسطين عامة. وكذلك الأمر حين نقرأ المقابلة مع الأديب محمد علي طه الذي يحدثنا عن الطفل ابن السابعة الذي ترك البيت والأتراب والطابة الأولى التي اشتراها له والده، وعن تنقل العائلة من قرية لأخرى والنوم تحت الأشجار حتى استقر بهم المقام في قرية كابول قريبا من قريته ميعار: “خسرتُ دفتر الرّسم وعلبة التّلاوين. خسرت طابتي الصّغيرة الملوّنة الّتي اشتراها لي والدي من مدينة عكّا في أوّل زيارة لي للمدينة برفقته، ولم أشترِ طابة أخرى بعد النّكبة. خسرت أترابي الّذين كنت ألعب معهم في فناء البيت وتشرّدوا أيدي عرب في لبنان وسوريا ودول الخليج ولم ألتق بهم حتّى اليوم وعلمت أنّ بعضهم انتقل الى رحمته تعالى. خسرت طفولتي”.
ونعثر في الحوار مع الأديب محمد نفاع على ذكريات مؤلمة تستحضر جموع المهجّرين وهو طفل صغير: “في سنة 1948، شاهدت جموع اللاجئين من صفد وميرون والدامون وميعار يمرون من قريتي إلى لبنان، كان هناك الشيوخ والأطفال والنساء، وجوههم باكية، غاضبة، مذهولة، والنساء عندنا يقلن “المشحّرين”، “المهجهجين”. سكنتْ عندنا عائلة من صفد – دار صلاح الحاج- صلاح وفاطمة، والأبناء والبنات؛ فريزة وفريال ومحمد، أما أخوهم وليد فقد قصفته الطائرة قرب البيت في صفد، وقطعته شقفتين”.
كما تحدث الأدباء الفلسطينيون عن الذاكرة الجمعية التي لا تموت، ووجدوا أنها تورث كاللغة. وتحدثوا عن المكان وإعادة بنائه، وبروزه كثيمة مركزية، وفي ذلك يقول الأديب إبراهيم نصرالله: “أظنّ أنّ كل رواية حقيقية هي إعادة بناء للمكان من جديد، سواء كان هذا المكان مدمَّرا تماما، أو ما زال قائما، لأنّ الكتابة في جوهرها تعني أنّك لا تمنح المُحتل فرصة تدميره مرّة ثانية، لأنّك أوجدته في الكتابة”.
فقد الفلسطيني ظله على الأرض ولم يفقد الذاكرة، هذه التجربة المرّة حفرت هناك جرحا عميقا مؤلما كما عبّر عنه الأديب يحيى يخلف: “عندما كبرت ظلّت قريتي “سمخ”، ببحيرتها وجمالياتها، تسكن داخلي، وعلى الرغم من أنّها من القرى المهدّمة فقد أعدتُ بناءها بمعمار فنيّ جميل عندما كتبت عنها روايتي بحيرة وراء الريح… كان عليّ، عندما بدأت في كتابتها، أن أعيد بناءها، أعيد إليها جماليات المكان، وشعريّة البحيرة وسحرها، وما يطير فوقها من طيور، وما يعيش في داخلها من أسماك المشط والمرمور والبلبوط وغيرها. عاد يخلف إلى قريته “سمخ” التي هجّر منها بعد ست وأربعين سنة، فوجئ بما رأى من تغيير في المعالم، فبدت وكأنّها تتنكّر له وتشيح بوجهها بعد أن تبددت معالمها وتغير اسمها إلى “تسيمح”، وهي الحبيبة، فألّف روايته “نهر يستحم في البحيرة”، يتناول فيها هذه العودة غير المكتملة.
نتأثّر بالمكان ونؤثّر فيه، كما يرى المنظّرون، لكنّه عند الفلسطينيّ الذي يعيش التهجير عنوة، والذي سلب منه المكان عنوة، له مكانة خاصة، وتجربة فريدة لا يدركها المنظرون الغربيون. يبدو أنّ البعد الجغرافي هو عامل تقريب عاطفيّ؛ تبتعد المسافة على الأرض ويقترب المكان من القلب كما يراه الشاعر زهير أبو شايب: “ومن الطريف أنّني انتبهت، ذات مرّة، إلى أنّني أنفصل، أثناء الكتابة، عن مكاني الواقعيّ، وأتسلّل، دون وعي منّي، إلى ذلك المكان الرحميّ الأوّل في بيتنا المرحوم في دير الغصون. كنت لا أكتب إلاّ في ذلك المكان، وكان وحي قصيدتي لا يغيّر مهبطه قطّ، لذا كان عليّ أن أعود دائمًا إلى (مكان القصيدة) لأكتبها، وهو موجود هناك في المكان الأوّل”.
لم تكن الأرض خاوية من أهلها، بل كانت عامرة بأهلها وبإنتاجهم الفني والفكري. فقد أشار الباحث الأكاديمي إبراهيم السعافين في كتابه ” نشأة الرواية والمسرحية في فلسطين حتى 1948″ إلى نشاط الكتّاب في هذين الفنّين منذ مدة مبكّرة، ولو أنّ فلسطين لم تتعرّض لهذا الدّمار المرعب وخاصة عام 1948 لوجدنا ازدهارًا ثقافيًّا في فلسطين يُضاهي أيّ نشاط أدبيّ وثقافيّ متميّز في الوطن العربي”.
بعض هذه المقابلات، بالذات مع الأدباء الفلسطينيين، هي شهادات حيّة على ما مر به الشعب الفلسطينيّ من مآس، وقد تتعدّى ذلك لتوضيح أحداث كان بعضهم شهودا عليها في أماكن تواجدهم خارج الوطن. وهي موادّ غنية للجيل الذي لم يشهد النكبة والهزيمة، أو لأولئك الذين لم يقرأوا عن هذه الأحداث في كتب التاريخ، وقد تكون مادة تنقض ما قرأه البعض عبر مصادر اتبعت تزييف الحقيقة والواقع، فكان الحوار مع الأديب محمود شقير وحديثه عن تجربته وثيقة تاريخية تروي ما جرى أثناء النكسة وما بعدها: “هزيمة 1967 هي امتداد فعليّ لكارثة 1948، وقد كان لها وقع حادّ على نفوس الفلسطينيين؛ بسبب أنهم كانوا متفائلين بالنتائج التي ستتمخّض عنها الحرب، بالنظر إلى ثقتهم في الرئيس جمال عبد الناصر، وفي الوعود التي كانت تبشّر بها إذاعة “صوت العرب” وغيرها من الإذاعات المصرية والعربية، وكان لصوت أحمد سعيد المعلّق الشهير في “صوت العرب” وقعه المؤثّر في النفوس، لينجلي غبار الحرب في وقت قصير خاطف عن هزيمة مدوّية”. فقد جرّب محمود شقير وزملاؤه سجون الاحتلال والطرد خارج الوطن، فتنقّل بين عواصم عربية عدة وشهد الحرب الأهلية اللبنانية، وعاصر أحداثا هامة حتى تسنى له العودة إلى البلاد. ومن اللافت أن تؤثّر النكبة فيمن كان طفلا دون سن الوعي، لكنّ ظلال الذكريات ومرويّات الأهل رسّخت في الذاكرة أحداثا هامة، كما يشير الأديب والباحث الأكاديمي الدكتور إبراهيم السعافين: “لا أظن ذكرياتي عن الفالوجة كافية لمدّي بأشياء مهمة تسهم إسهامًا مهمًّا في كتابة الرواية، لكن الأهم فيما أرى، المرويات الشفوية التي كان يرويها الأهل، وخاصة ما كان يرويه أخي الحكّاء البارع عبد المجيد، إلى جانب الوثائق والمرويّات التاريخية. أذكر رحلتنا ونحن نصعد الجبال، وأذكر كيف نامت القافلة أوّل الأمر بين الأشجار”.
ونقرأ في المحاورات شهادات توثق لمراحل أدبية وفكرية، ولأحداث سياسية هامة في تاريخ الأمة العربية في أكثر من قطر، فقد عاصر الروائي حيدر حيدر أيام الانتداب الفرنسي وفرح بالجلاء: “يوم خرج المحتلّ الفرنسي من سوريا كنتُ صغيراً. كان عمري عشر سنوات، في الصف الخامس الابتدائي. أذكر أنّ الأستاذ زفّ لنا البشرى بفرح غامر. أصوات فرحة الطلاب دوّت في فضاء القسم وباحة المدرسة. عاشت سوريا واللعنة على فرنسا. كان يوماً سعيداً ومبهجاً عمّ القرية والمدن السورية من أقصاها إلى أقصاها”. كما يحدثنا عن النكبة التي حلت بالشعب الفلسطيني سنة 1948 وعن الانقلابات الشهيرة في سوريا، كل ذلك كشهادة على العصر.
يبدو أنّ الحزن ميزة ترافق الأدباء العرب، أو هو الغضب مما ألمّ بالأمة العربية، ولا يزال، حتى ليبدو تأثير النكبة والنكسة بارزا ليس على الأدباء الفلسطينيين فحسب بل تعدّاه إلى الأدباء العرب حيثما تواجدوا. لا فرق بين من عاش النكبة والنكسة، ومن سمع عنهما، كلهم خرجوا مع جرح ما انفك ينزف. وبعضهم، بل وكلهم، يؤلمهم ما آلت إليه أحوال الأمة. فتحدثوا عن تأثير هذين الحدثين على الإنتاج الفني على جميع أشكاله ومستوياته، وعن أحداث هامة مر به قطر عربي دون سواه، لأن هذا الجيل عاش على أمل تحقيق وحدة عربية شاملة، فرأوا أحلامهم تنهار على أرض الواقع، فانعكس كل ذلك في إبداعهم، ولم يفقدوا الأمل. هذا الأمر، بحد ذاته، يحتاج إلى دراسات ومتابعات تفحص هذه القضية الكبرى.
لفت نظرنا دور المعلم في التأثير على المبدعين وهم صغار السن. يكاد يجمع كل الأدباء على هذا الدور وتأثيره عليهم في مرحلة الدراسة الابتدائية أو الثانوية، فكان هذا الدعم والتشجيع الدافع الرئيسي للسير في طريق الإبداع الأدبي والفكري. يذكرون تلك التجربة، أو ذلك اليوم الذي يرسخ في ذاكرتهم، بفرح وتأثّر وغبطة كبيرة. وفي ذلك كتبت الأديبة المصرية اعتدال عثمان تتذكر كلمات الأديبة الكبيرة لطيفة الزيات التي شجعتها، وهي لا تزال طالبة جامعية في قسم اللغة الإنجليزية على الكتابة. كما تتذكر بانفعال يوم نالت جائزة على موضوع إبداعي سابق في المرحلة الثانوية وقد كرّمها في حينه الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين: “لم تستقر الكلمات في ضميري فحسب، بل مثّلت طموحا لم يزايلني بأن أواصل السعي في دروب الكتابة الوعرة لكي أحقّق ولو جزءا بسيطا من ذلك الحلم الكبير. بعد ما يزيد عن خمسين عاما مرّت على ذلك اليوم، استعدت كلمات أستاذتي الكبيرة، التي أصبحت فيما بعد بمثابة أمي الروحية، استعدت كلماتها وأنا أصعد إلى المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية في سبتمبر عام 2019 لتسلّم جائزة كفافيس الأدبية الدولية في الإبداع السردي والقصصي، تلك الجائزة التي سبق أن حصل عليها نجيب محفوظ، ومحمود درويش، وثروت عكاشة، وبهاء طاهر، وإدوار الخراط، وجمال الغيطاني، ورضوى عاشور، وإبراهيم أصلان، وصنع الله إبراهيم وغيرهم.”
إنها رسالة نعرفها ونؤمن بها، بحكم عملنا في مجال التدريس أربعة عقود ونيّفا، لم نسع إلى إبرازها كفكرة مركزية في هذه الحوارات، لكنها انفجرت بقوة ووضوح لا يمكن تحاشيها. وفي ذلك يكتب الروائي السوري حيدر حيدر: “في الأسبوع الثاني قدّمنا، نحن طلاب الصف العاشر، نصوصنا. نوّه الأستاذ بعدة نصوص جيدة لكنّه تناول نصّاً من الأوراق المفرودة أمامه وقال: هناك نصّ مميّز ورائع سأقرأه عليكم وتلا النصّ. بعد أن انتهى سمّى التلميذ وكنت أنا. حدث الأمر في جوّ من الصمت والغرابة والغيرة والتعاطف والدهشة وبكائي فرحاً. بعد الواقعة الغريبة قال الأستاذ: سأنشر هذا الموضوع في المجلة التي أكتب فيها في مدينة حلب. انفرد بي الأستاذ في فسحة الاستراحة وقال: لك هدية مني، كتاب لجبران خليل جبران بعنوان “الأجنحة المتكسرة والأرواح المتمردة”، لكنّ الأستاذ انتقل من مدرستنا قبل أن تصلني هديته”.
وتتكرر الشهادات وتكاد تتشابه، إذ يكتب الأديب حسين مهنا عن هذه التجربة باعتزاز كبير: “أَوَّلُ تَماسٍّ بَينَ قَلْبي ولُغَتي العَرَبِيَّةِ كانَ يَومَ دَخَلَ عَلَينا غُرْفَةَ الصَّفِّ السّادِسِ الابتِدائِيّ أُسْتاذي وصَديقي المَرحومُ الشّاعِرُ مُنيب مَخّول بِزِيِّهِ العَرَبِيِّ/الكوفِيَّةِ والعِقالِ، وبِطَريقَتِهِ الفَريدَةِ في إِلْقاءِ الشِّعْرِ.. ولا أَنْسى أُسْتاذي وصَديقي في دِراسَتي الثَّانَوِيَّةِ الشّاعِرَ المَرحومَ شَكيب جَهشان، الّذي بِذائِقَتِهِ الأَدَبِيَّةِ الرّاقيةِ، عَلَّمَني رَونَقَ الكَلِمَةِ، وطَلاوَةَ العِبارَةِ.. وأَمّا الصَّديقُ المَرحومُ الشّاعرُ سالم جُبْران فَقد خَصَّني بِمَقْعَدٍ مُمَيِّزٍ في مَدْرَسَتِهِ الأَدَبِيّةِ/ المَدْرَسَةِ الواقِعِيَّةِ الاشْتِراكِيَّةِ الحَديثَةِ”.
بل ويتكرر اسم المربي الشاعر شكيب جهشان الذي كان معلما بارزا في موضوع اللغة العربية، فقد ساهم إسهاما منقطع النظير في خلق جيل من عشاق اللغة العربية على مدار عقود، كما يؤكد على ذلك الأديب محمد نفاع مستذكرا دعم أستاذه الشاعر المرحوم والمربي الكبير شكيب جهشان إثر كتابته موضوع إنشاء في وصف يوم ماطر: “وما كان من المعلم شكيب جهشان – وهو الأديب والموجِّه- إلّا أن أعطى موضوع الإنشاء علامة كاملة مع كلمة: “أحسنت” على طول الصفحة الأخيرة وقال: أكثر من القراءة آمل لك النجاح”.
ورغم فارق السن بين الأديبة الباحثة د. كوثر جابر وبقية الأدباء الذين حاورتهم إلا أنها تشاركهم نفس التجربة، مما يؤكد على أهمية دور المعلم في عملية خلق مبدعين، إذا كان هذا المعلم محبا لمهنته وعاشقا للغته: “لا أنسى كذلك أستاذي المرحوم محمّد زيادات (أبو نزيه)، أستاذ اللغة العربيّة الذي طالما شجعّني وأثنى على موهبتي في إتقان اللغة العربية ومواضيع الإنشاء التي كنت أكتبها وأنا في المرحلة الابتدائيّة. في المرحلة الثانويّة، أشهد لأستاذي المرحوم الدكتور حبيب بولس الذي زاد شغفي بالأدب وبالقدرة على تحليل النصّ الأدبي”.
يبدو جليا قلق الأدباء على اللغة العربية، كجزء من هوية، فصدر عن بعضهم أكثر من نداء من أجل دراسة اللغة ورعايتها، والاهتمام بالأدب ودراسته عبر التاريخ، وأبدوا عتبا من إهمال حال الأدباء الذين لا يلقون الرعاية المرجوّة أقلها تكريمهم وصيانة إبداعهم، وهناك شكوى من عدم إدراك المؤسسات الرسمية لدور الأدب ودور الأديب.
ولقد أثارني عدم تحويل بعض الروايات إلى أعمال سينمائية ودرامية، فجاء الجواب من الأديب إبراهيم نصرالله مستهجنا وعاتبا وغاضبا: “أليس غريبا أن يكون لدينا كل هذا المنجز الروائي والقصصي الفلسطيني، ولا نجد اهتماما فلسطينيا سينمائيا به؟! وكيف نفسر أنّ العملين السينمائيين المأخوذين عن نصوص أدبية، وأعني “رجال في الشمس” و “عائد إلى حيفا” قام بإخراجهما المخرج المصري توفيق صالح، والمخرج العراقي قاسم حول!”.
عبّر معظم الأدباء عن قلقهم إزاء ما يحدث في العالم العربي، وبالذات فيما يتعلق بالثقافة والهوية، والعزوف عن القراءة، فكانت هناك دعوة مباشرة واضحة إلى ضرورة العودة إلى الكتاب، قبل أن تتشوه الهوية وتفقد أهم مقوماتها. وحذّر بعضهم من مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي المتعددة التي تأخذنا إلى المعلومة السريعة المشوّهة، التي يتم التعامل مع ما يرد فيها وكأنها معلومات موثوقة وموثّقة. وقد كانت دعوة المنصف الوهايبي واضحة وصريحة يحذر فيها ذاته، قبل أن يحذر الآخرين، لوعيه التام أن الكتاب أكثر صدقا وأكثر عمقا من الوسائل الأخرى في تحديد مفهوم المواطنة والهوية: “أنا اليوم، ونحن نتحوّل إلى كائنات فيسبوكيّة، مع إعادة الاعتبار للكتاب، بما يعنيه حقّا من رمزيّة ثقافيّة ومعرفيّة، إذا رمنا أن ننخرط حقّا في حركة إصلاحيّة جذريّة ناجعة. فالمواطنة ليست فقط مفهوما سياسيّا تتكامل ضمنه جملة من الحقوق والواجبات؛ وإنّما هي تركيبة ثقافيّة تضمن للمواطن جدارته الإنسانيّة النّوعيّة. وطبعا لا يتحقّق هذا البناء بالشعارات وإنّما بثقافة ومعرفة سياسيّة رصينة يضطلع الكتاب، لا محالة، بدور أساسيّ في تكريسها أو تأسيسها. وعين ما أقوله بشأن المواطنة ينسحب على مستقبل الثّقافة؛ فلا يمكن تصوّر إصلاح مجتمعيّ دون تخطيط ثقافيّ لمستقبلنا يتبوّأ فيه الكتاب المكانة التي لبطاقة الهويّة”. لكن هذه الوسائل ليس بالإمكان إلغاؤها فقد اخترقت بيوتنا ودقائقنا، يبقى أن نحسن توظيفها كما يفعل الشاعر جريس دبيات: “هذا “الفيسبوك” يا اخي فتح لنا نافذة واسعة، يسهل علينا أن نقفز منها إلى الشارع بين الناس مباشرة، وبدون وساطة. ومع أنّ الصحافة الأدبيّة المختصّة غير متيسّرة لدينا، فإنّنا نكتب وننشر على صفحاتنا هناك”. وتصديقا لما يصرح به الشاعر دبيات هناك اليوم دراسات حول ما يصدر في الفيسبوك، لكنّه عاد وحذّر من عواقب هذه الوسيلة وحذّر من سهولة النشر فيه دون رقيب. فالشعر عنده “لا يكون بغير إبداع إلّا صفّ كلام فارغ أو نقل كلام مسروق لا يستسيغه أيّ ذوق فنّيّ على الاطلاق. فالفنّ كلّه يقوم على الموهبة والإبداع معا ولا يجوز بغيرهما”. فعلى الشاعر أن يقرأ الأدب القديم والحديث كي يوسع دائرة معرفته الثقافية العربية وغير العربية.
هذه الدعوة إلى المثاقفة وتوسيع رقعة المعارف نعثر عليها في دعوات معظم المُحاوَرين، إن لم يكن جميعهم. فكل شيء قابل للتغيير والتبدل، أما الانكفاء على الذات فهو نابع من ضعف الثقة بالذات. فاللغة عماد الإبداع السليم، ومعرفة أصولها شرط الدخول إلى عالم الأدب، فلا يمكن تحقيق الذات الأدبية دون ثقافة واسعة ولغة متينة، وفق رؤية الأديب حسين مهنا: أَنْتَ أَديبٌ يَعْني أَنَّكَ قَدْ بَنَيتَ مَشْروعًا أَدَبِيًّا عِمادُهُ اللُّغَةُ أَوَّلًا، والثَّقافَةُ الواسِعَةُ ثانِيًا، وحُبُّ العَمَلِ الأَدَبِيِّ ثالِثًا. أَمّا اللُّغَةُ فَهيَ كَالحِجارةِ لِلْبّنّاءِ، بِدونِها لا يَسْتَطيعُ أَنْ يَبْنِيَ ولو بَيتًا صَغيرًا، مَع فارقٍ كَبيرٍ، ومِن دونِ الدُّخولِ في التَّفاصيلِ؛ اللُّغَةُ كَلِماتٌ، والكَلِماتُ رُموزٌ لَها ما وَراءَها مِنْ مَدْلولاتٍ وصُوَرٍ وإيحاءاتٍ.. وأَمّا الثَّقافَةُ فَهْيَ الَّتي تُعْطِي الأَدَبَ القيمَةَ الحَقيقِيَّةَ لِيَرْتَقي ويَدْخُلَ في خانَةِ الأَدَبِ
وتعبّر الباحثة د. كوثر جابر هي الأخرى، عن قلقها إزاء الحالة الثقافية في بلادنا وفق رؤيتها الصريحة: “بالنسبة للإبداع الأدبي، فللأسف، الأدب العميق والجاد اليوم، صعب وغير مقروء، والأدب الخفيف والركيك سهل التناول؛ كالوجبات السريعة في المطاعم. وبالنسبة لنقدنا الأدبيّ المحليّ، لدينا قلّة من النقّاد ممّن يكتبون بمنهجيّة وثبات”،
أجريت هذه الحوارات في ظل انتشار فيروس الكورونا الذي يجتاح الكرة الأرضية من مغربها حتى مشرقها، ورغم أنه قد فاتني السؤال عن ذلك إلّا أن البعض منهم لم يستطع إلا أن يشير إليها، فحدثنا الأديب الفلسطيني يحيى يخلف عن ظروف العزل الصحي واستغلاله هذا العزل بالقراءة للترويح عن النفس، بعد أن تحوّل العالم كله إلى سجن. ولم تنس الأديبة المصرية اعتدال عثمان الإشارة إلى الحياة الأدبية في مصر، في ظل الكورونا، وسبل المعايشة مع الواقع الجديد: “تبذل وزارة الثقافة المصرية جهودا جبارة لتواصل الحركة الثقافية عن طريق تنظيم عدد كبير من الأنشطة الثقافية يوميا عبر الإنترنت، والبث المباشر من منصات رقمية لفعاليات متتابعة، تغطي مجالات الإبداعات السردية، وندوات متخصصة في العلوم الإنسانية، والفنون المختلفة، إلى جانب عروض مسرحية وأمسيات فنية متنوعة، تستخدم تقنيات حديثة مثل “الهولوجرام” وغيره”.
أطلقت على الكتاب عنوان حوارات في الفكر والأدب وليس حوارات أدبية. فالأديب لا يكون أديبا حقا إلا إذا تسلّح بفكر يقوده ويحركه قبل أن يتحول إلى أديب، وسيرى القارئ أنّ المتحاورين جميعا قد عبّروا عن رؤاهم في قضايا أدبية وفكرية تتعلق بالحياة العامة، وبقضايا سياسية واجتماعية محلية وعربية وعالمية. فالأديب لا يولد من فراغ، بل هو ابن بيئته ومحيطه، وابن هذه الكرة الأرضية وما عليها، بعد أن تحولت إلى قرية صغيرة بفعل التطورات التكنولوجية التي تساهم في نقل الأخبار والمعلومات في ثوان معدودات.
لم يكتف المتحاورون بتزويدنا بمعلومات هامة تنمّ عن سعة الاطلاع، بل ذهبوا إلى ما هو أبعد بكثير فحلقوا في عالم الفكر والرؤية والرؤيا، يترجمون تجاربهم الغنية إلى رؤى بعيدة، عميقة وفاتنة خاصة في تحليلاتهم للحالة الأدبية والفكرية، وقد أبدع الشاعر زهير أبو شايب حين قال: “والشاعر مشغول بتذوّق العالم، فيما الفيلسوف مشغول بمعاينته”. خاض الأدباء جميعا في قضايا عميقة، وجدانية، فكرية، صوفية، سياسية، وجودية وكأن الأديب فيلسوف أو يعيش فيه فيلسوف ينفصل عنه أثناء عملية الإبداع.
سيطلع القارئ على آراء متعددة حول مواضيع مختلفة وشائكة، من شأنها أن تفتح أبوابا للحوار وللنقاش، وقد تغري البعض لخوض حوار مع آراء بعضهم، موافقا أو معارضا. لم أطرح أسئلتي لأسمع ما يرضي ميولي وآرائي إذ يكفينا ما تفعله بهم وبنا الرقابة الرسمية والشعبية، فقد ترد آراء هنا وأخرى هناك لا تتماهى مع تفكيري ورؤيتي.
نتمنى أن تحقق هذه الحوارات بعضا مما سعينا إليه فقد تكون معينا للقارئ في تعريفه على حال الأدب والأدباء في أكثر من قطر عربي. وإلى تقديم مادة ميسرة وسهلة للقارئ بحيث يمكنه اكتشاف هذا العالم العربي الواسع من خلال كتاب واحد، ذلك لا يعني أنّ من شأنه أن يغنيه عن قراءة إنتاجهم وإنتاج غيرهم من الأدباء والباحثين. وقد يكون محفزا للأدباء الصغار في السن كي يتابعوا المسيرة، بعد اطلاعهم على الصعوبات والعراقيل التي واجهت الكبار من الأدباء في بداياتهم. منها شح الكتب وانتقالها من يد لأخرى، وبالرغم من ذلك فقد قرأوا بشغف كل ما وقع بين أيديهم من مؤلفات أدبية وفلسفية وفكرية، عربية كانت أم عالمية.

ملاحظة: مقدمة كتابي الجديد الصادر عن الدار الأهلية للطباعة والنشر عمان 2021
 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق