ثقافة السرد

“متاهة”

عبدالعزيز صلاح الظاهري 

بداخل أحد الباصات المكتظة بالركاب، وقف رجل في الثلاثينيات يترنَّح، كانت عيناه حمراوين، بدا لي وكأنه يجتر؟ فصاح فيه السائق قائلًا: اجلس،

فالتفتَ إليه وصرخ قائلًا: من حقي أن أتكلم ومن حقك الاستماع أو الامتناع،

فأنا لمدة أسبوع، عيناي لم تذق طعم المنام، لا بد لكم أن تسمعوا قصتي بجميع حواسكم، إنها قصيرة لن تأخذ من وقتكم أكثر من خمس دقائق، فهناك سؤال يحتاج منكم لجواب، قد يكون هو الدواء والعلاج كي أنام؟ فتعالت الأصوات مرددة: تكلم، كلنا آذان صاغية.

طاف بنظره، وبدأ حكايته قائلًا: منذ صغري كنت شخصًا حالمًا، يرسم صورًا في خياله، وينتظر أن يحصل عليها كواقع حقيقي، بهذا الفكر بين قوسين (المتخلف)، أشغلت نفسي وأشغلت من حولي.

كانت ذروة أحلامي وطموحي في ذلك الزمان هي أن تتاح لي فرصة لأبدأ حياة غير التي ألفتها، حياة مع شخص آخر تحت سقف واحد، حملت لوحتي التي رسمتها ورحت كعادتي أبحث.

مرت الأيام والأشهر ولم أظفر بشيء، لم يكن لتعاستي حد، حين فشلت في بحثي، فشعرت حينها بالمرارة وبالحزن إلى درجة أن جميع من حولي لاحظوا هذا الأمر.

وبما أنَّ فيَّ شيئًا غامضًا؛ يحبه الناس أجهله أنا، تعالت الأصوات ناصحة من هنا وهناك، ونتيجة لذلك وفي صباح أحد الأيام زارني في وقت مبكر دونما إنذار أحد أصدقائي، وقال بغضب: جاهد نفسك، أدخل في صراع حقيقي، اذبح هذه الهواجس بلا رحمة.

المهم لا أعلم كيف حصل ذلك؟ قمت من سباتي بعد سنين عديدة، وأدرت بثقلٍ رأسي ورحت أنظر حولي، فإذا أنا بداخل منزل وإلى جواري شخص غريب ولأقول بصراحة “تل من الشحوم” يطوف حولنا أربعة من الثمار الجميلة تعرفت عليها بمجرد رؤيتي لها، إنها نتاج بذور نزعتها من روحي، رميتها، دفنتها في داخل ذلك التل عندما كنت فاقد الحسّ والشعور.

فأخذت أسأل نفسي: كيف بقيت حيًّا كل هذا الزمن الطويل في هذه الأرض المقفرة؟ أين عيني؟!

هل كنت مصابًا في عقلي أو بسبب مشعوذ ينفث يحل عقدة ويعقد أخرى؟!

لم أجد إجابة لسؤالي، فشعرت بالضيق والأسى، وانفطر قلبي وأنا أرى بعينيّ الصور التي رسمتها منذ صغري بعناية تُحرقُ وتُسحقُ وتُذرُ في مهب الريح.

فقمت من مكاني ووقفت بالباب، وبعد تردد للحظة قصيرة اندفعت نحو الظلام، أخذت أمشي وأمشي لأيام، وكلما تقدمت وابتعدت عن المنزل اتسعت رقعة الظلام.

الغريب في الأمر أن السواد الذي كان يحيط بي من جميع الجهات به ثقب واحد لم يُسدل ستاره، كلما التفتُّ إليه رأيت منزلي في حضن شجرة مثمرة تطل من خلال أغصانها المتشابكة شمس الصباح فأشعر بالهدوء وبالأمان، وكلما أدرت ظهري لتلك الكوة يعلو صوت حزين من داخل أعماقي وينتابني الفزع وتتدفق على رأسي أفكار، كأنها طوفان، حاملة معها صور أولئك الأربعة.

أغمضت عينيّ وعزمت أمري وعدت إلى مواصلة طريقي، معاهدًا نفسي ألا ألتفت إلى الوراء.

اتجهت حيث سعيت، فأخذ الظلام يتلاشى شيئًا فشيئًا، ليظهر لي بعد الظلمة نور ساطع كاد أن يفقدني بصري، انتابني خوفٌ لا أعرف سببه، وغمٌّ لا يمكنني وصفه!

سمعت همسًا، وتحول الهمس إلى صراخ حاد كاد أن يمزق طبلة أذني يردد: كل ما يحيط بك أيها المغرور سراب وحلم زائف، عد إلى أحضان تلك التلال.

أتعلمون أنه ارتسمت على وجهي ابتسامة عريضة وأخذ قلبي يخفق، وكأن شيئًا في داخلي يطلب مني إجابة الداعي!!

توقفت، فكرت، بل في حقيقة الأمر تهيأت لفعل ذلك.

هل أعود مغمض العينيين؟! أم أواصل لعلي أجد بداخل المتاهة ما أصبو إليه؟!

وبمجرد أن سكت انهالت عليه الإجابات، بعضها كانت بعيدة وأخرى كانت قريبة، لكنها أشلاء ليست لها القدرة على أن ترسم أبعادًا لصورة أو حل.

عندها تدخلت شابة وأدْلت بدلوها قائلة بغضب: إن كنت تشكو من التلال تذكر فهنالك هضاب وجبال وبحار ذات أعماق، وغابات ليس بها مسالك، وصحراء ذات رمال، وسهول ذات سباخ، وصخور صماء، فكم من ذكر وأنثى تعاميا، وبالسعادة ادعيا، وآخر لقلة صبره صاح واشتكى؟

وبعد لحظة صمت وهدوء التفت السائق إليه وقال: التلال أمامك أم تركتها خلفك؟!

فقال الرجل متعجبًا بعد تردد: تركتها خلفي!!

فأوقف السائق الباص وفتح الباب وقال آمرًا: اخرج وعد إلى تلك التلال.

وأكمل حديثه بكلام طويل وغريب وكأنه نوع من الترانيم قال فيه:

ارقص حتى تتصبب عرقًا، دق الأرض بقدميك، تمايل، هز رأسك بجنون حرك ذراعيك.

لا تسمح لشيء أن يوقفك، سِر مغمض العينين، اتبع أصوات قرع الطبول.

عش لحظتك، فالأمس مضى والغد مجهول، لا تتجرأ بجهلك بتعكير صفوك، ولا تسمح لأحد أن يقودك.

فليس الخيال هو من يصنع الواقع فقط، بل الواقع يدفعك بلا رحمة نحو الخيال.

في هذه الدنيا، لا شيء قريب ولا بعيد.

وبعض الأمور لو فُسر معناها ستبقى أصواتًا مجهولة يكتنفها الغموض.

لذا لا تهدم عشًّا بناه لك القدر، بل ارقص بعنف إذا سمعت صوت الطبول.

وبمجرد انتهائه سمَّر عينيه في عيني الرجل.

عندها قام رجل عجوز عن كرسيه وقال للرجل: إن السائق قال كلامًا لم أفهمه، لكن اعتقد أن فيه الدواء، انهضْ، قمْ من مكانك، واحمل حقيبتك وغادر.

فقام الرجل من مكانه وحمل حقيبته وغادر من دون أن ينطق بكلمة واحدة!

السعوديه – جده

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق