ثقافة المقال

نساء خلدهن التاريخ: نزهون الغرناطية

أيمن دراوشة

نزهون الغرناطية شاعرة وأديبة أندلسية ، عاشت في القرن الخامس للهجرة في غرناطة ، وانغمست في المدنية الأندلسية ، وهي معاصرة للشاعرة حمدونة بنت الريف.
عُرف عن نزهون حسنها وجمالها الباهر وروحها المرحة ، وجرأتها غير المعهودة ، وقد دخلت في معارك أدبية فنية ومشاحنات مع كثير من شعراء عصرها .
ونزهون على عكس حمدونة ، فقد واجهت الرجال والشعراء بكل جرأة مهما بلغت طبيعة المواجهة ، كما كانت تسمع منهم هجاء يخدش الحياء ، فترد عليهم بشعر أفحش دون تحرج أو خوف أو حياء.
كما عكست الشاعرة في شعرها ومواقفها طبيعة المدينة المتحررة والمنغمسة بترف الحضارة ولهوها؛ ولهذا وصفها بعض الكُتَّاب بالمجون والبعض الآخر وصفها بخفة الروح والطبع وسعة المعرفة وحفظ الأشعار وضرب الأمثال.
كانت نزهون جريئة في غزلها ، صريحة وواضحة ، وقد قالت تصف ليلة من ليالي اللهو قائلة:
لله در الليالي ما أحيسنهـــــــــــــــــــــــــــــــــــــا ومـــــا أحيسن منها ليلة الأحد
لو كنت حاضرنا فيهــــــــــــــــــــا وقد غفلت عين الرقيب فلم تنظر إلى أحد
أبصرت شمس الضحى في ساعدي قمرً بل ريم خازمة في ساعدي أسد
وكانت تتميز بشراسة وطبع عدواني غير معهود ، مما جعلها تصطدم بكبار الشعراء في غرناطة ، فقد اصطمت مع الشاعر أبي بكر المخزومي ، وهو شاعر أعمى شرير أشتهر بفن الهجاء اللاذع.
وقد كان لسانه سليطاً طاعناً في الأعراض ، سريع الرد ، ذكي جدا ، سباقاً في ميدان الهجاء حتى غلب هذا الغرض الشعري كل أغراضه الأخرى.
في يوم ما جاء أبو بكر المخزومي إلى غرناطة ، ووصل إلى مجلس الوزير أبي بكر بن سعيد ، فانبهر المخزومي برائحة الزهر والعود ، فأنشدت قريحته شعراً عذباً فقال:
دار السعيديّ ذي أم دار رضوان ما تشتهي النفس فيها حاضر داني
سقت أبا ريقها للند سحب ندى تُحْدى برعدٍ لأوتــــــــــــــــــــــــــــارٍ وعيدانِ
هذا النعيم الذي كنا نحدِّثــــــــــــــه ولا سبيل لـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه إلا بآذان
وهنا علق الوزير قائلاً : وإلى الآن لا سبيل له إلا بالآذان.
فرد الشاعر بحده حينما تعرض الوزير لعماه وأحرجه حينما قال : من صمت نجا.
ومن محاسن الصدف تواجد الشاعرة نزهون في المجلس ، فكشرت عن أنيابها ووجهت حديثها باستهزاء للمخزومي قائلة:
أتعجب من تشبيهك بنعيم الجنة ، وأنت القادم من بين البقر والتيوس فمن أين لك معرفة بمجالس النعيم.
ولما سكتت قال المخزومي : ومن هذه الفاضلة؟
فقالت : عجوز بمقام أمك.
فرد المخزومي : كَذَبْتِ ، ما هذا صوت عجوز ، إنما هذه نغمة تشم الروائح على بعد فرسخ.
ردَّ الوزير قائلاً : يا أستاذ هذه نزهون الشاعرة الأديبة.
فقال المخزومي : سمعت بها ، لا أسمعها الله خيراً ، ولا أراها إلا … (كلمة بذيئة)
وأنشد قائلاً:
على وجه نزهون من الحسن مسحة وإنْ كان قد أمسى من الضوء عاريا
قواصد نزهون توارك غيرهـــــــــــــــــــــــــــا ومن قصد البحر استقل السواقيــــــــا
فردت نزهون عليه مباشرة قائلة:
قل للوضيع مقالاً يُتلى إلى حيـن يحشر
من المدوَّر أنشئـ ت والخـ… منه أعطر
خلقت أعمى ولكن تهيم في كــــــــــل أعور
جازيت شعراً بشعر فقل لعمري من أشعر
إنْ كنت في الخلق أنثى فإنَّ شعري مُذكَّر
وهنا رد عليها المخزومي قائلاً:
ألا قل لنزهونة مالـــــــــــها تجر من التيه أذيالها
ولو أبصرت فيشة شمرت – كما عودتني- سربالها
وهنا تدخل الوزير ابن سعيد وأوقفهما ، وقد هدأت هذه الخصومة بين نزهون والمخزومي فيما بعد وحل بينهما الصلح والوئام.

1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق