ثقافة المقال

طرائد الذّاكرة: مغامرة الذّات تغسل ذاتها

ساسي جبيل 

ما يفتأ مدّ الكتابة يتنوّع إذ يتوزّع بين الأجناس لدى الأديب التّونسي “منذر العيني” فبعد مسيرة حافلة من الإصدارات الشّعريّة هاهو اليوم يطلّ علينا بإصدار أنيق تحت عنوان “طرائد الذّاكرة” عن دار “أديب للنشر” لصاحبها ” سيف الدّين عفانة”.
كتاب هذه المرّة أراد له صاحبه أن يكون محتويا على خمسة وعشرين أقصوصة بين دفتّين لغلاف يحمل صورة بيت قديم في ألوان موحية بحياة مرّت أو أخرى ستأتي. رواسب من أدباش وأثاث قديم ممّا قد ينسجم مع العنوان في الذّهاب إلى الخلف متقدّما بسرديّة قصصيّة مخصوصة .
العنوان ذاتهُ عتبة مغرية بالتقصّي والإقتفاء: الطّرائد فيما هي عمليّة مجابهة بين الإختفاء أوالإختباء وبين الظّهور والجلاء. عمليّاتُ صيد مخصوصة حتّى نصل إل مطاردة حيّة للذّاكرة الجمعيّة أو الفرديّة. توليف إضافيّى يحمل نتائجه في طيّاته ليغمرنا بأسئلة تعبرنا والقارئ يمدّ أو يجزر أيضا في هذا المشترك الفاتن.
إهداءٌ هكذا متنهُ: “إلى تلك الوجوه العالقة أمام نافذة العين” قد يحتمل مردوديّة هذا الإشتراك في الذّاكرة أو قد يحتمي بمرآته الخاصّة وهو يرجّع أصواتنا على خشبة التجارب والممرّات.
المنذر صدّر كتابه بمقولة مختزلة لقصّة على لسان الكاتب الكبير”ارنست همنغواي” : للبيع حذاء أطفال لم يستعمل بعد. تصدير عاين فرديّة هذا العمل القصصي وهو يحث القارئ على تبيّن خصوصيته الإنشائية بين الطلب والإخبار بينما الفواعل وجوه تتناسل في الأزمنة والأمكنة تنسج أحداثها بين الألفة والغرابة تكسّر حواجزَ لتبني حرّيةً وخروجا.


الأقاصيص التّي يؤكّد صاحبها على هذه التّسمية لما كان قد مارس فيها حدّة التوظيفيّة التلفظيّة بمعنى كلّ كلمة بحساب تدور في فلك النّسيج الحكائي. أقاصيص تذهب نحو بؤرتها المضيئة بآنفجارات عنقوديّة تفتح لها أسئلة تهم الكائن الوجودي في هذه العذابات أو هذه المناخات حيث تنبثق إشكاليات الفنّ من جديد تطفو على السّطح.
الأحداث بين المتون أحداثنا نحن في مجتماعاتنا العربيّة وأبطالها نحن بإخفاقاتنا المشتركة. شخصيّات مرايا لوجهنا حين ننكسر أوحين نحاول النّهوض. والكاتب وهو يطرّز قماشته الحكائيّة لا يفقد صوابه في أن يمارس ألعاب التسللّ إلى شخوصه يصافحها أو يلومها أو يدافع عنها وهو يراقبها إذ يحرّك عرائسه في الأفراح والأتراح.
تسجيل آخر للتّاريخ أو للتأريخ فيما الكتابة فنّ تصوير بالسّينما. ملامح سيناريوهات قادمة تتكاثف فيها الأغنيات والأشعار والأزجال والأمثال روافد أخرى لوّنت غابة هذه الذّكريات. مجتمع تونسيّ عربيّ مشترك تحضر فيه صور المرأة كما أراد لها منشئها مرفوعة الرّأس. والغاية دائما “إخراج المنجل من القلّة” هذا المستحيل الممكن بقصّ جائع يحكّ الفصحى بمحكيّة تونسيّة تزوغ آستعارتها كالماء بين الأصابع.
كتاب ثريّ هذا المتن يصفع ذاكرتنا فيما تفوح من قراءتها روائح المسعدي وخريّف ومحفوظ ومينا والماغوط والبرغوثي…وغيرهم. والشّعر تتلبسّه لوثة السّرد أو العكس أحيانا: إنّه الشّاعر يقف على أطلاله على طريقة السرُّاد.

تونس

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق