ثقافة المقال

بين “الإمام علي” والفيلسوف “بيرس”…؟!

بقلم: منير مزليني

في الربع الأخير من القرن التاسع عشر حوالي 1877 م اجتمع مجموعة من المفكرين خرجي جامعة هارفارد في منزل أحدهم واتفقوا على تأسيس نادي فكري لمناقشة المشكلات الفلسفية، أطلقوا عليه اسم ” النادي الميتافيزيقي” سخرية من التيارات الفكرية السائدة آنذاك، وهم: (شارل سندرز بيرس، تشونسي ريث، نيقولا جون جرين، وليم جيمس، جون فسك، وفرانسيس أبوث.) وكانوا يجتمعون مرة في منزل بيرس وأخرى في منزل وليم جيمس. وكانت تلك الجماعة متأثرة بالفلسفة التجريبية لدافيد هيون ونظرية التطور لدارون وفلسفة سبنسر. وجرى أن كانت تلك المباحثات والمناقشات هي النواة الأولى والأساسية التي أنجبت الفلسفة البراغماتية التي تبنتها الولايات المتحدة الأمريكية في بناء نظامها السياسي والاجتماعي، وتأثر بها كل من رجال القانون والسياسة وعلماء الاجتماع والنفس ونقاد الأدب. ومن بيت القضايا الفلسفية التي طرحوها مسألة ” الاعتقاد ” منطلقين من تعريف أحد الفلاسفة السيكولوجيين لقوله: “إن الاعتقاد ما على أساسه يكون الانسان مستعدا للسلوك” أي الاعتقاد هو ما يترجم أو يتحول إلى سلوك. فراحوا يناقشون هذا التعريف ويشبعونه بحثا، وكان بيرس يسجل تلك المناقشات والملاحظات فخرج بمقالتين هامتين اعتبرتا نواة المذهب البراغماتي، الأولى بعنوان ” تثبيت الاعتقاد” نشر سنة 1878، والثاني بعنوان” كيف نوضح أفكارنا” سنة 1879، وعنهما أسس وليم جيمس مذهبه، ولذلك عدّ شارل سندرز بيرس (1839 – 1914) مؤسس هذه الفلسفة وهو أول من صاغ مصطلح البراغماتية.
أما الفلسفة البراغماتية نفسها فتعرف على أنها:” اتجاهٌ أو تيارٌ فلسفيٌّ يحدد معنى وحقيقة جميع المفاهيم من خلال عواقبها العملية.” أي أنها فلسفة تعتد بنتائج الأعمال وتعطيها الأولوية على المبادئ والمعتقدات وما إليها. وبالتالي العمل أو السلوك عند هذا المذهب هو المعيار أو المحك الذي يميز المعتقدات الموجبة من السالبة.
ودون الخوض في التفاصيل الدقيقة التي هي من شأن أصحابها المتفلسفين أو المشتغلين بالفلسفة والفكر، فإن خلاصة القول إن هذه الفلسفة لا تؤمن إلا بما هو واقعي حسي يستطيع أن يترجم إلى سلوك حقيقي على أرض الواقع ويحقق نتائج فاعلة.
وبعد هذا العرض المختصر للفلسفة البراغماتية ونشأتها، قد يتساءل أحدنا مستغربا، وما علاقة الفيلسوف بيرس والفلسفة البراغماتية بالإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ؟
معرفة جواب هذا السؤال تعود بنا إلى المقولة التي انطلقت منها الفلسفة البراغماتية وأسست عليها مبادئها وقيمها، ومفادها ” أن الاعتقاد الصحيح هو الذي يترجم إلى سلوك إيجابي فاعل ” أو ذلك الذي يحقق نتائج إيجابية على أرض الواقع. وهذا القول يوحي لنا أو يحيلنا إلى مقولة مشهور متداولة عن الامام والخليفة الراشد علي بن ابي طالب ـ كرم الله وجهه ـ محدثا عن الايمان بقوله: ” الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل.”.. إذا كلا العبارتين أو المقولتين يجمعان بين عنصري أساسيين هما: القيم والسلوك، حيث أن القيم عند الفيلسوف بيرس تتمثل المعتقدات أو الأفكار المثالية أو النظرية، وعند الامام علي في الإيمان. وهنا تأتي احدى أهم الفروقات بين الفلسفيتين أو المعتقدين. ففيما يركز بيرس على الاعتقاد وهو معطى ذهني قد يحتمل الصدق والخطأ، تعتمد مقولة الامام علي على الإيمان الذي لا يرقى إليه شك ولا يشوبه خلل، لكون الايمان هو اعتقاد قد تحقق فعلا، وبات على درجة من اليقين الذي لا يقبل أو يحتمل الشك. كقولنا: ” أعتقد أن فلانا في المنزل ” فهذا الأمر يحتمل الصواب والخطأ، ولكن حينما نذهب ونتحقق من وجوده يتولد لدينا يقين يرقى بذلك الاعتقاد إلى درجة اليقين فيصبح إيمانا راسخا لا يشوبه شك ولا يعتريه خطأ.
اما الفارق الثاني، فيتجلى في نوعية العلاقة التي بين القيمة والسلوك. أين نجد الفكرة أو القيمة في الفلسفة البراغماتية تتجه نحو السلوك أو ما يحقق من نتيجة على أرض الواقع (الاعتقاد السلوك)، فيما نجد عكس ذلك تماما في العقيدة الايماني أين يتجه السهم من السلوك إلى القيمة، حيث يرقى السلوك الواقعي إلى القيمة المثالية، أي العمل أو السلوك هو الذي يرتقي إلى القيم، تأسيسا على قوله: ” … وصدقه العمل” أي أن الاتجاه يتغير من السلوك إلى الايمان (الايمان السلوك). وعلى هذين الأساسين ينبني جوهر الاختلاف بين المعتقدين أو الفلسفتين، الفلسفة البراغماتية الغربية والعقيدة الايمانية الإسلامية. ويمكن تبيان ذلك من ناحيتين:
من الناحية الغائية: حيث أن الفلسفة الايمانية تدعو بالرقي بالوسيلة إلى مستوى الغايات والقيم النبيلة والسياسة لديها تنبني على القيم الأخلاقية، في حين أن الفلسفة الغربية الغاية من فلسفتها أن تجعل من كل الغايات وسلة تحقق المنفعة المادية على أرض الواقع وبشكل ملموس، بحيث تصبح لا غاية، والسياسة لديها لا أخلاقية أي لا أخلاق في السياسة بل تحكمها المصالح المادية وتدور معها أينما تتحول.
من الناحية العقلانية: على خلاف من أنكروا صفة العقلانية على المعتقدات الدينية فإن أغلب المفكرين والفلاسفة يرون عكس ذلك تماما، ويؤكدون أن العقلانية مبدأ كل الحضارات والمعتقدات إلا أنهم يختلفون في ترتيبها درجة ونوعا، فهذا مثلا المفكر والفيلسوف محمد عابد الجابري يقسم العقل إلى ثلاثة أنواع وهي: عقل برهاني وعقل بياني وعقل عرفاني، فيميز الفكر الغربي بالعقل البرهاني، وخص الفكر العربي بالعقل البياني لأنه يدور حول نص القرآن، فيما أسند القعل العرفاني للمتصوفة والثقافات التي تدور حول فكرة الإله. بينما المفكر والفيلسوف طه عبد الرحمن يرى بأن العقلانية عقلانيات وقسمها إلى عدة تقسيمات ومن بين تقسيماته للعقل، هناك تقسيم مناسب لهذه الوضعية فينوعه إلى: عقلانية أداتية وينسبها للفكر الغربي وعقلانية إيمانية ينسبها للإسلام كعقيدة ودين. حيث يقول: ” العقلانية الأداتية قائمة على هذه المبدأ من حيث أنها تجد الوسيلة المناسبة للغاية حتى تصبح هذه الغاية وسية لغاية أخرى وهكذا دواليك، بمعنى الكل يصبح موسلاً، أي هناك توسيل للأشياء جميعها بحيث النهاية لا غاية! ” .. ثم يتحدث عن العقلانية الإيمانية فيقول:” هي عقلانية تقتضي اليقين بحيث ينبغي أن تختار القيمة التي تحصل اليقين في نفعها، وينبغي أن تختار الوسيلة التي تحصل اليقين في نجاعتها” أي أن هناك ربط لكن ليس ربط بين وسيلة وغاية ولكن بين وسيلة وقيمة والعقلانية الايمانية تكمن في ربط الوسائل بالقيم.
وبالتالي يخلص إلى نتيجة مفصلية بين الفلسفتين بحيث يصبح الفرق واضحا (بين التطور الحداثي الغربي الذي ينتهي بتوسيل كل الغايات وبين التطور الإسلامي الذي يؤدي إلى تقويم كل الوسائل، وهي عملية عكسية تماما).
وعليه ومما سبق ذكره فإنه يتبن لنا جليا مدى ترابط الفكرتين الفلسفتين موضوعا واختلافهما طرحا وأسلوبا، وبالتالي ما تمثله فلسفة بيرس البراغماتية لا تتعدى المصلحة المادية أو أن غايته هي تحقيق النتائج المادية والنفعية على أرض الواقع وبأي وسيلة كانت. في حين أن الفلسفة أو العقيدة الايمانية التي يمثلها الامام علي لا تكتفي بتحقيق الوسائل المادية بل ترتقي بها إلى القيم والمثل العليا التي تحقق المحبة والأمن والسعادة للناس أجمعين. وخلاصة القول أن الغاية التي تدعو إليها الفلسفة البراغماتية هي تحقيق المصلحة الشخصية للفرد ولو كانت على حساب الجماعة وبكافة الوسائل الموصلة إليها، في حين أن العقيدة الإيمانية تدعوا إلى السعادة الإنسانية من خلال الالتزام بالقيم المثالية العليا لأنها الكفيل الوحيد بحقيق تلك السعادة.
وبالتالي وتأسيسا على ما سبق يتعين علينا إعادة التفكير في طريقة تفكيرنا وتوجهاتنا الفكرية وننبه كل المتشبثين بالفلسفة والفكر الغربي دون تفكير أو نقد او تمحيص أن يرشدوا ويخرجوا من هذا القصور الفكري والحضاري، والاعتماد على أنفسهم والثقة فيها وقراءة الواقع الفكري والواقع السياسي والاجتماعي والثقافي بعقولهم لا بعقول غيرهم، وينظروا إليه بعيونهم لا بعيون غيرهم، وأن يستمعوا إليه بآذانهم لا بأذان غيرهم. وبذلك وحده فقط نستطيع أن نبني حضارة خاصة بنا ومجدا مستقلة لنا، ونعيد لأعلامنا ومفكرين وعلمائنا أمجادهم وحقوقهم المسلوبة نهبا وسرقة وانكارا. ودون ذلك عبث وهباء لأن التقليد والتبعية لا تنفع التابع والمقلد حتى لو كان المتبوع أو المقلد قويا ومتطورا، لأنك حينها لن تكون سوى مجرد ظل لذات غيرك، وليس ذاتا لظلك! وعلى حدّ قول الشاعر إبراهيم اليازجي:
تنبهوا واستفيقوا أيها العرب *** فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب
فيم التعلل بالآمال تخدعكم *** وأنتم بين راحات الفنا سلب

الخميس في: 25/11/2021

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق