ثقافة النثر والقصيد

وحشة الأغراب

طالب همّاش

سلاماً بالأسى الصافي
لمن صاروا مراثي
بعدما غنّوا المواويلا!
… لمن ربّوا البلابلَ
فوقَ أعشاشِ الغروبِ
وحينما حانَ الوادعُ
تطايرتْ أرواحهم
في المشهدِ الباكي مناديلا !

سلاماً بالأسى الصافي
لمن حملوا على أكتافهم
حزنَ الخريفِ
وخلّفوا شيخوخةَ الأيّامِ في كوخِ الشتاءِ
ونَصَّبُوا أحزانَهم فينا تماثيلا !

.. لمن رجعوا إلى بيتِ العذاباتِ العتيقِ
وعلّقوا أعشاشَ وحشتهم
على شجرِ العشيّةِ
مثلَ أعشاشِ البلابلْ !
( سلاماً من صميمِ القلبِ )
للموتى الذينَ تقمّصوا شجرَ الظلامِ
وأصبحوا رهبانَ هذي الريح
في طرقِ الرواحلْ !

لمن زرعوا غراسَ الدمع
في كأسِ العيونِ
وحينما انسكبَ الوداعُ
مدامعاً ورديّةً
جمعوا سنابلَ زعفرانٍ للأصائلْ !

سلاماً بالأسى
يا صاحبَ الحزنِ البعيدِ
كتبتَ وجدكَ بالرسائلِ كالغريبِ
ولم نجدْ من بعدِ فقدكَ
غيرَ تعزيةِ الرسائلْ !

سلاماً يا حنونَ الصوتِ
كالناياتِ
.. من رعتِ الربابةُ قلبَهُ المجروحَ
بالوترِ الحنونِ
وروحهُ في ذلكَ
الموّالِ راحلْ !
طريقُ الحزنِ مهجورٌ على دربِ الغروبِ
وآخرُ العرباتِ لمْ ترجعْ
وما تلكَ الغيومُ
سوى حكاياتِ الرحيلِ
( رَوَاحِلٌ ) تقفو رواحلْ !

فيا أمّي
يذوبُ الدمعُ في عينِ الغريبِ
ولا تذوبُ دموعُ من تركوا المنازلْ !
فيا ليتَ الذينَ تغرّبوا
قالوا وداعاً
قبل أن يمضوا إلى مدنِ الغيابِ
وليتَ لم نرسلْ
ونحنُ نشيّعُ الأيّامَ بَعْدَهُمُ
حمامَ الوحشةِ الزاجلْ !

وداعاً بالأسى الصافي
لمن ملأوا سماءَ المغربيّةِ بالوداعِ
وسافروا عنّا سراعا !

.. سراعاً أطفأوا سُرُجَ العشيّةِ
واختفوا في الليلِ
والطرقِ البعيدةِ
ليتهم أخذوا ضياءَ عيوننا الثكلى
متاعَا !
رأيناهمْ يدقّونَ الرياحَ
على سنادينِ النحيبِ
ويحملونَ – محدّبينَ – على ظهورِ العمرِ
أثقالَ الهمومِ
وغربةُ الأيامِ تزدادُ اندفاعا .

وداعاً بالأسى الصافي
لمن تركوا الصدى السكرانَ
يسرحُ في شوارعنا العتيقةِ
والمدى الأسيانَ يزدادُ اتساعا !
فوانيسُ المساءاتِ الحزينةُ
تستديرُ بضوئها المكسورِ
نحو رحيلهم
من علّمَ المصباحَ أن يبكي التياعا ؟
غدتْ أكواخهم في الليلِ مشتى للغيومِ
ومن مضوا
يا ليتهمْ رجعوا
وليتَ الشوقَ لم ينشرْ
إلى أعشاشهم
في ذلك المنأى الشراعا !
فيا أمّي
تركنا العمرَ مجروحاً على الحيطانِ ،
ما قلنا لتلكَ الدارِ يا أمّي
​​وداعا !
ومن نَحَتُوا حروفَ الليلِ في أبوابِ غربتنا
أباحوا حزنَنَا للريحِ..
يا أمَّ الحزانى
في عيونِ الناسِ كيفَ الدمعُ ضاعا ؟

فيا ضوءَ المصابيحِ اتئدْ بالضوءِ
كي نُلقي على الماضي الوداعا !

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق