ثقافة المقال

سارتر، ماوْ تْسي – تونْغ، والفنّ

آثر البرغوثي* 

ما «الماويّة»؟

توصّلت المجتمعات الشيوعيّة، الّتي لم تدخل في مرحلة التصنيع قبل أن تصبح شيوعيّة، إلى فهم أكثر مباشرة للفكر الماركسيّ، ونقصد بهذا المجتمعات الّتي لم تخض ثورة صناعيّة تلاها نمط الإنتاج الرأسماليّ والصراع الطبقيّ بين البرجوازيّة والطبقة العاملة، بل لم توجد فيها طبقة عاملة بل طبقة الفلّاحين فقط؛ فقد انتقلت هذه المجتمعات إلى الثورة مباشرة (مثل جمهوريّة الصين الّتي تحوّلت إلى جمهوريّة الصين الشعبيّة)، وهي بالتالي تعتبر نفسها الفرع الأكثر أصالة من الماركسيّة – اللينينيّة، على غرار تلك الّتي بزغت في المجتمعات الرأسماليّة بعد انقلاب البرجوازيّين على النظام الإقطاعيّ واستيلائهم عليه (مثل الإمبراطوريّة الروسيّة الّتي تحوّلت إلى الاتّحاد السوفييتيّ).

هذا الفرع الأوّل من التفسير للماركسيّة صار يُعْرَف بـ «الماويّة»؛ نسبة إلى قائد الثورة الصينيّة ماوْ تْسي- تونْغ (أو ماوْ زيدونْغ)، الّذي نقل الشعب الصينيّ بعد الثورة من مجتمع فلّاحيّ إلى إنتاجيّ، وأكمل قيادة الشعب إلى الشيوعيّة دون انتظار ظهور التمدّن والصناعة والرأسماليّة، ومن ثَمّ الطبقات، ومن ثَمّ الثورة؛ إذ كانت الأولويّة للفعل الثوريّ قبل الأيديولوجيّة الثوريّة بسبب الحاجة الفوريّة إلى الثورة، وأصبحت الأفكار والكتابات والاستنتاجات الّتي توصّل إليها خلال مسيرته، هي الفرع من الماركسيّة المعروف باسم «الماويّة» (Maoism).

مثل فأر في الشارع

هل تقع على الفنّان أيّ مسؤوليّة تجاه أيّ شيء آخر غير الفنّ؟ أليس الفنّ نفسه غاية الفنّان واختصاصه؟ أعَلى الفنّ أن يتحدّى الكيان هذا أو يساند الكيان ذاك، أن يُعَرِّض حياة الفنّان للخطر أو ينهيها، أم يكتفي بمنتج فنّيّ معتدل الجودة يتشابه مع كلّ المنتجات المعتدلة الأخرى؟ هل لهذا المقال، مثلًا، أدنى تأثير في أيّ أحد؟ أَمِنَ المفترض أن يكون له أصلًا، أم يكفي أن يُضاف تحت عنوان لافت وغلاف لافت الألوان؟

إنّ الموازنة بين الشكل الفنّيّ والمضمون جانب جوهريّ من الفنّ والأدب. سأل سارتر في «مؤتمر الكتّاب الأوروبّيّين»: “آلغاية هي الخَلق، أم التعبير، أم الاستكشاف؟”، وكان جوابه أن لا فرق بين هذه المفاهيم المتداخلة؛ فبالإمكان، مثلًا، أن يستكشف المرء من خلال الخلق والإبداع. كان كلامه ردًّا على الآراء الّتي تقول إنّ المتوقّع من الكاتب تأمّل العالم الموجود كما هو ولا أكثر، أو الآراء المقابلة بأنّ الأدب الاشتراكيّ الواقعيّ، مثلًا، لا يفعل أكثر من التعبير عن الواقع.

ومن أسئلته المطروحة، أيضًا، إن كان من الحقّ اعتبار الكاتب الّذي أنتجه مجتمع «منحطّ» مجرّد كاتب منحطّ مثل هذا المجتمع وجزء منه، والفنّ الانحطاطيّ هو الّذي يشمئزّ من العالم والمحيط والفنّان نفسه؛ وبالتالي لا نعترف بهذا الكاتب جزءًا من المناهضة لهكذا مجتمع، وهنا يمكننا الربط بسؤالنا الأساسيّ: ما المسؤوليّة الّتي تقع على هذا الكاتب؟ أم من الحقّ، يسأل سارتر، أن نعتبر أنّ المجتمع المنحطّ يشكّل معضلات جديدة لهذا الكاتب، ويعذّبه بطريقته الخاصّة في داخل وعيه الخاصّ وعمليّته الإبداعيّة، ولو لم يكن الأمر هكذا ما وُجِدَ أيّ إنسان تقدّميّ في تلك المجتمعات.

قال أندريه جدانوف إنّ الهدف من الأدب الاشتراكيّ “تفسير الحاضر في ظلّ المستقبل”، ورغم قصده بأنّ المستقبل محدّد بصرامة؛ وهو ما يجعل هذا القول خطيرًا جدًّا كما خمّن سارتر، إلّا أنّ الطريقة الأكثر تفاؤليّة لتفسيره هي أنّ المستقبل مجهول وغير مُؤَكَّد، بل هو ما سيصنع منه الآخرون اليوم؛ فهذا يجعل من الأدب أداة لمناهضة الحاضر باسم المستقبل!

يضيف سارتر في خطابه أيضًا مفارقة لافتة؛ وهي أنّ المسؤوليّة الّتي تقع على الفنّان في المجتمعات الغربيّة أكثر فرديّة وانفصالًا، بينما في المجتمعات الشرقيّة هي مسؤوليّة جماعيّة.

وسنرفق أخيرًا اقتباسًا لنظرة سارتر النهائيّة حول موضوعنا: “إنّنا في زمننا هذا نواجه خطر الموت في حرب نوويّة إن لم نشغل أنفسنا بمنعها. وهذا لا يعني أنّ الكاتب ملزم بالكتابة عن الحرب النوويّة؛ بل يعني أنّ الرجل الّذي يخاف الموت مثل فأر في الشارع، ليس من الممكن أن يكون صادقًا باكتفائه بكتابة قصائد عن العصافير. يجب على عمله، بشكل أو بآخر، أن يعكس هذا الموضوع في مكان ما”. ونعقّب على هذا أنّ الفنّان الّذي يكتفي صدقًا بالفنّ المجرّد، هو غالبًا لا يدرك احتماليّة موته مثل فأر في الشارع.

ماوْ تْسي – تونغ والفنّ

لماذا قد نهتمّ بالنظرة الماويّة للفنّ؟ خاصّة بعد أكثر من نصف القرن، وبعدما عبر الفنّ مراحل هائلة ومتتالية منذ الكلاسيكيّة إلى الواقعيّة والحداثة والسورياليّة وما بعد الحداثة، وصولًا إلى الحاضر غير المفهوم بعد.

لا تختفي حقبة فنّيّة أو أسلوب فنّيّ إلى العدم؛ فإنّنا نجد هذه الأيّام مَنْ لا يزال يكتب الشعر العموديّ على النمط الجاهليّ، لكنّه يبقى محدودًا لأنّه ببساطة غير ملائم. هل يعني، بعد وصولنا إلى الحداثة ومن ثَمّ ما بعد الحداثة، بأنّ هذه هي النهاية؟ ولماذا ما زلنا موجودين، إذن، في حال أنّ المراحل قد انتهت فعلًا؟

بل إنّ الحقب الفنّيّة لا تُصَنَّف بالترتيب الكرونولوجيّ، وبكلمات أخرى، لا يمكن للحقب أن تنتهي لأنّ الفنّ مبنيّ على الطبيعيّة الديناميكيّة للواقع. إذا قلنا إنّ المراحل 1 + 2 = 3 فلن يبقى ما نقوله بعد 3، لكن في الواقع المتغيّر باستمرار، ما إن نصل الجواب وتبدأ حقبة جديدة حتّى نجد أن 1 قد تحوّل إلى 7؛ وبالتالي يتحوّل الشكل الفنّيّ الّذي هو النتيجة إلى 9.

وبإمكاننا هنا أن نعتبر المفاهيم الماويّة البسيطة بأنّها الرقم 2، الّذي ساعدَنا للوصول إلى الحلّ في كلتا المعادلتين؛ المعادلة الأولى هي الحقبة الفنّيّة قبل نصف قرن، والمعادلة الثانية هي تلك الّتي نحاول حلّها اليوم. وإنّنا اليوم في العالم كلّه، وليس حصريًّا في المنطقة العربيّة، نواجه جدارًا تبدأ خلفه المرحلة الأولى، وعلينا الاستناد إلى معطيات سابقة لنرسم عليه المرحلة القادمة.

قال ماو في اجتماع حول الفنّ والأدب في يانان، المدينة المركزيّة للثورة الثقافيّة الصينيّة، بأنّ النقد الأدبيّ يستند إلى معيارين؛ السياسيّ والفنّيّ، ولا يمكن أن نساوي بين هذين المعيارين. وعلى عكس الفهم المتداول، ليسا معيارين مطلقين وغير قابلين للتغيير، بل إنّ لكلّ طبقة في تاريخ كلّ مجتمع طبقيّ معيارها الفنّيّ والسياسيّ الخاصّ. ومن واجب الطبقة العاملة عند النظر إلى الأعمال الفنّيّة للعصور السابقة أن يحدّد نظرة هذا العمل إلى هذه الطبقة، قبل أن يحدّد مدى إعجابه بقيمتها الفنّيّة، وهذا لأنّ الطبقة البرجوازيّة لطالما اضطهدت الإبداعات البروليتاريّة، بغضّ النظر عن جدارتها على المعيار الفنّيّ.

يقول لنا ماوْ: يتوجّب علينا أن نعارض، على حدّ سواء، الفنّ القيّم ذا النظرة السياسيّة الخاطئة، والفنّ الّذي يشبه «الملصقات المُعَنْوَنَة»، بغضّ النظر عن صحّة موقفه السياسيّ؛ لأنّ العمل الّذي يفتقد الجودة الفنّيّة فنّ عديم القوّة. “اتّحاد المضمون مع الشكل، السياسيّة مع الفنّ، المضمون الثوريّ مع أعلى مرحلة ممكنة من الامتياز الفنّيّ”، هو الغاية النهائيّة وفق ماوْ، وهذا حتّى يمكن الفنّ من المستوى الهابط أن يترفّع، والفنّ الّذي لا يحقّق مطالب الكفاح الّذي تخوضه الجماهير بأن يتحوّل إلى فنّ لديه تلك القدرة.

“في مواجهة الأسئلة حول الأدب والفنّ، يتوجّب علينا خوض نضال على جبهتين اثنتين”.

ماوْ تْسي – تونْغ

*كاتب ومترجم فلسطينيّ من بلدة كوبر قضاء رام الله، عمل في كتابة المقالات الثقافيّة والاجتماعيّة والنقديّة، وتدقيق مشاريع التخرّج الجامعيّة، وترجمات أدبيّة شعريّة ونثريّة، وكذلك المسرح وحواشي الأفلام.

*فسحة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق