حوارات المجلة

الباحث والمؤرخ المصري د.خالد عزب للمجلة الثقافية الجزائرية:

الآخر يؤرشف تاريخنا رقمياً ويقدمه رقمياً للأجيال الجديدة..

للدكتور خالد عزب جوانب متعددة.. فهَو كاتب وباحث ومؤرخ اشتغل مفتشاً ومنقباً عن الآثار في أكثر من موقع من المواقع الأثرية المصرية، كما تناول الحضارة الإسلامية من زوايا مختلفة لقراءة التاريخ قراءة جديدة تستشرف المستقبل، كما أنه خبير في مسائل التأليف والنشر والإعلام، ضيفنا تولى إدارة الإعلام والمشاريع في مكتبة الإسكندرية لسنوات عديدة وأشرف على عدد من المشاريع الثقافية المهمة من أبرزها مشروع (ذاكرة مصر). من مؤلفاته نذكر: (فقه العمران.. الدولة والمجتمع والعمارة في حضارة المسلمين) و(بخارى الشريفة) و(الحجر والصولجان) و(الأهرامات المصرية وأسطورة البناء) وروائع الخط العربي بجامع البصيري) َ(السياسات الإعلامية) وغيرها من الإصدارات.. المجلة الثقافية الجزائرية تصل هذا المبدع بقرائها عبر هذا الحوار:

حاورته: باسمة حامد

الإسلام لايفصل بين الدنيا والآخرة

المجلة الثقافية الجزائرية: أود أن أبدأ الحوار من كتابك (فقه العمران.. الدولة والمجتمع والعمارة في حضارة المسلمين)، برأيك كيف عكست العمارة الإسلامية جوهر الدين الإسلامي؟

الدكتور خالد عزب: أولا ليس هناك في الحضارة الاسلامية فصل بين الحياة الدنيا والحياة الأخرة ولذا في الاسلام هناك سعادتين ، سعادة الحياة الدنيا وسعادة الحياة الاخرة، ومن هذا المنطلق سعي المسلمين لعمارة الأرض في الاسلام وكان هذا وفقاً لقواعد جرى تقنينها منذ القرن الأول الهجر وتبلورت في القرن الثاني الهجري وهو ما أسميته فقه العمران الذي يقسم السلطة في الحضارة الاسلامية لثلاث سلطات سلطة الدولة المسؤولة عن الأمن والمرافق العامة كالطرق والمياه وتنظيم الأسواق وغيرها، وسلطة المجتمع التي قامت بالرعاية الاجتماعية والصحية والتعليم عبر مؤسسة الأحباس أو الوقف وسلطة الفرد، لنري حقوق تنظم العلاقة بين السلطات الثلاث كحق الجوار، هنا الحق مستمد من جوهر القيم العليا في الدين الإسلامي وأبرزها قيمة العدل، لكننا سنري تبلور كامل لهذه المنظومة الفكرية مع علم أصول الفقه ثم مع مقاصد الشريعة في مرحلة لاحقة لنري تطبيقاتها في الحياة عبر كتب النوازل وسجلات المحاكم الشرعية لنري مجتمعا التقوي وحب الحياة هما المحركان لكل شيء في هذا الحضارة لنري الانسان الذي يرضي بما أعطاه الله سبحانه وتعالي لكنه ليس رضا الاتكال بل رضي السعي، فالإنسان يجب أن يسعي ويكد في هذا الحياة لعمارة الأرض التي هي الوظيفة التي خلقه الله تعالي من أجلها، من هنا نفهم العلاقة بين العلم والعمل والدين في الحضارة الاسلامية .

الحضارة الإسلامية اهتمت بقيمة الإنسان وكرامته

المجلة الثقافية الجزائرية: العمارة الإسلامية أظهرت احتراماً كبيراً لحقوق الإنسان على المستوى الاجتماعي والصحي.. كباحث تاريخي كيف تشرح للقارئ هذه الحقيقة؟

الدكتور خالد عزب: في حقيقة جوهر الحضارة الإسلامية هناك قيمة لاندركها نحن الآن كثيراً.. قيمة الانسان وكرامته ففي مقاصد الشريعة حفظ النفس حفظ النفس من ماذا؟ حفظ النفس مفهموم واسع ضيقه البعض، لكن لأن المجتمع المسلم أدرك مبكراً أهمية حفظ كرامة الفقير فقد حرص على التضامن المجتمعي المستتر، لذا نجد أن الأسر كانت تتبادل الطعام كل علي قدر طاقته، أو تشارك الأسر الغنية الفقيرة طعاماً ما يضفي البهجة مع الجيران الفقراء عبر إرسال بعض منه للأسرة الفقيرة، تبلور مع الزمن فكرة مطاعم الفقراء التي لها أوقاف تصرف عليها، انتشر هذا النمط في العالم الاسلامي حتي شاع بكثرة، لكنه تطور في الحقبة العثمانية فرأينا مطعم خاصكي سلطان في القدس يطعم آلاف الفقراء واكتشفنا في سجلات محكمة القدس وثيقة تقدم سجلاً لفقراء كان يرسل لهم الطعام إلى منازلهم حفظاً لكرامتهم، كما أن على المستوى الاجتماعي صار هناك تدخلاً عبر مؤسسة الأحباس لحل مشكلات مثل العنوسة وزواج اليتيمات ورعاية المطلقات وكبار السن القضية هنا ترتبط بنمو وعي مجتمعي بضرورة التدخل لحل المشكلات بدلاً من تركها تتفاقم، حتي رأينا نضجاً غير مسبوق بإلزام اليتيم بالتعليم والصرف عليه عبر راتب شهري له وكسوتين له كل عام وهذا يفسر لماذا كان معظم علماء المسلمين من الأيتام لأن المجتمع رأى التعليم طريقاً يحفظ مستقبل اليتيم، أما في المجال الصحي فقد كانت المستشفيات تعالج المرضي مجاناً ودون مقابل غني أو فقير لم يعتبروا الطب تجارة أو يتركوا الدواء ليكون تجارة لكن عملوا على إقامة مستشفيات في كل مكان ووفروا للأطباء الإمكانيات وهو ما جعلهم يبتكروا الأدوية الكيميائية لكنهم كرهوا استخدامها لأنها تدمر الجسم سواءالجهاز المناعي أو بعض الاعضاء لكنهم فضلوا العلاج عبر الغذاء فابتكروا أطعمه لكل مرض، وفي المستشفي المنصوري في القاهرة حينما اكتشفوا أن المريض حينما يترك المستشفى لا يقضي فترة النقاهة ألزموه بملازمة البيت مع منحه مبلغاً مالياً وإرسال طعام ملائم له يومياً .

الحضارة الإسلامية اهتمت بالبيئة

المجلة الثقافية الجزائرية: لعله من المهم اليوم أن نشير ولو باختصار إلى مدى تفاعل الفقهاء المسلمون مع مشكلات البيئة.. ماذا عن أهم القوانين والضوابط التي حكمت حركة العمارة والإنشاء في المدن الإسلامية حفاظاً على البيئة من التلوث؟

الدكتور خالد عزب: من المهم الوعي بطبيعة علاقة الحضارة الإسلامية بالطبيعة فالانسان خلقه الله وسخر له الكون لعمارة الأرض لذا فهو ينسجم مع الطبيعة لا يقهرها على النموذج الغربي الذي أدى إلي تدمير البيئة، لذا كانوا حريصين على تقليل التلوث، ففي استخدام الفحم شددوا على استخدام الأخشاب التي يقل عادمها بشدة، مثل خشب السنط ونوي البلح ونوي الزيتون، كما جعلت الحرف الملوثة للبيئية في أطراف المدن كصناعة الفخار، وحين تحاط الصناعات الملوثة بالعمران كان يجري نقل هذه الصناعات خارج المدن مثل المدابغ التي نقلت في كل من القاهرة وتونس في العصر العثماني خارج المدينتين بناء علي تقرير قدم من المهندسين لمحكمة المدينتين، كما حرصواعلى جودة ونظافة الطعام لدرجة أننا لدينا تصور حول معايير جودة الطعام المقدم الذي لابد أن يراعي فيه النظافة وجودة الإعداد، وكذلك وجدنا شروط جودة الهواء من الشروط الأساسية في تخطيط المدن حتي أنه روعي عند تخطيط بغداد وفاس وغيرهما .

الغرب طوّر علم الآثار بما يلائم معطياته

المجلة الثقافية الجزائرية: آثارنا العربية _كما تعلم_ لم تتعرض فقط للنهب والسرقة.. بل للتزيف والتزوير أيضاً.. فكيف تصدى المؤرخون وعلماء الآثار في بلادنا لهذا الواقع الخطير خصوصاً وأن علم الآثار نشأ في الغرب أساساً ولم يُكتب بمنظور عربي وإسلامي؟!

الدكتور خالد عزب: للأسف الشديد الآثار في الوطن العربي منهوبة وهذا راجع إلى فجوة في الوعي العام العربي لأننا لم نقم ببناء علم للآثار بمنظور عربي يجعل المواطن يدرك أن قيمة تراثه عائده عليه من الناحية الثقافية والهوية، فالغرب طور علم الآثار بما يلائم معطياته، خاصة أننا يجب أن نجيب عبر هذا العلم عن من نحن؟ وكيف تطورت حياتنا؟ وكيف تغيرت السياسة مع هذه التطورات؟ هذا كله ترك آثاره على أنماط الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وبالتالي المنتج الفني والمعماري، فالآثار هنا ليست قطع صماء بل تحكي تطور الحياة عبر تفاعل الإنسان مع البيئة وإنتاجه، التكنولوجيا هي التي تعكس تراثه وبالتالي ما يصلنا هو نتاج هذا كله لذا المتاحف الآن لا تعرض قطع متراصة تقدم فناً في عصر ما بقدر ما تقدم قصة تروي تطور التكنولوجيا في مجالات مختلفة وكيف غير هذا حياة الإنسان، ولذا المتاحف قد تصمم لحل مشكلات الهوية المركبة في المجتمعات ولا تصمم للسياح، نحن إلى الآن نصمم المتاحف للسياح دون أن نعي أدوراها الأساسية، فهي ذات أبعاد تربوية وثقافية ومجتمعية، المشكلة أن المواطن العربي هو من ينهب المواقع الأثرية ويهربها مع تراخي القوانين، الموقع الأثري إلى وقت قريب كان يحفر للعثورعلى القطع التي يمكن العثور عليها، لكننا الآن نحفر من أجل فهم المجتمع، لذا كل شيء يحلل معملياً حتى نستنج عمر السكان وتعدادهم وطعامهم لكي نبني تصوراً كيف كان يعيشون وهذا هو المهم أن علم الآثار صار يسعى إلى فهم الماضي بصورة شاملة، وليس العثورعلى قطع من الماضي وهذا فارق جوهري في التعامل مع هذا العلم .

نحن مهددون في أوطاننا..

المجلة الثقافية الجزائرية: (ذاكرة مصر المعاصرة) مشروع رقمي مهم لقراءة التاريخ بطريقة جديدة وحيوية.. برأيك ما دور الصورة في حماية التراث ونجاح هذا النموذج من المشاريع الرقمية؟

الدكتور خالد عزب: الآن نحن مهددون في أوطاننا في هويتنا فنرى الآخر يؤرشف تاريخنا رقمياً ويقدمه رقمياً للأجيال الجديدة، لذا فمصطلح الأمن الثقافي لا يعني الأمن بمفهوم أمني لكن يعني تأمين الهوية الوطنية ضد التلاعب بها، من هنا فإن بناء مواقع رقمية وطنية للتاريخ يعد أمراً حيوياً، من هنا جاء موقع (ذاكرة مصر) ثم فكرة موقع (ذاكرة العرب) فإذا لم نوفر للأجيال الجديدة تاريخها فهي ستسعى لمعرفته من الآخر، كما أن إتاحة مواد متنوعة ثم ترك الأجيال الجديدة تشكل رؤيتها من خلال هذه المواد أمر يجب مراعاته بقوة لأننا لا نستطيع أن نفرض عليهم رؤية محددة مقولبة، لأنهم سوف يعادونها، كما أننا نفقد سنوياً جزءاً من تراثنا مثل أوائل الكتب المطبوعة التي مع الزمن يقل عددها، بينما المكتبات الكبرى في العالم تحتفظ برصيد منها، كذلك الصحف والمجلات والصور الفوتوغرافية ، ولذا يجب أن ندرب أجيال جديدة على كتابة المحتوى التاريخي الرقمي الذي تترابط فيه مواد مختلفة .

 المجلة الثقافية الجزائرية: الدول العربية فقدت الكثير من تراثها خلال السنوات الأخيرة خصوصاً بعد أحداث ما سمي (بالربيع العربي).. لكن ما مدى تعاون تلك الدول مع مكتبة الإسكندرية لإنجاز مشروع (ذاكرة العرب) ؟

الدكتور خالد عزب: أنا حالياً لا أتابع مشروع (ذاكرة العرب) لأني خارج مكتبة الاسكندرية في هذه المرحلة لكن على سبيل المثال قدمت الجزائر مواد متنوعة عندما كان الدكتور عزالدين ميهوبي وزيراً للثقافة، كما حصلت مكتبة الاسكندرية على مواد متنوعة من مركز الدراسات الكويتية، وكذلك على مواد من موريتانيا والعراق خاصة من المجمع العلمي العراقي وقدمت العديد من المؤسسات العربية مواداً مثل الوثائق والصور والتسجيلات النادرة والأفلام، كما قامت المكتبة بالحصول علي وثائق من إيطاليا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحده الامريكية .

النظرة للآثار نظرة ضيقة

المجلة الثقافية الجزائرية: على ذكر (الربيع العربي)، لفت انتباهنا الهجمة الممارسة ضد الآثار في دول طالتها (الثورة) تحت ذريعة التحريم. كان واضحاً أن اقتلاع الآثار من الجذور مبرمجاً مسبقاً. ما رأيك؟

الدكتور خالد عزب: للأسف الشديد هناك نظرة مرتبطة بآثار الحقبة التي قبل الإسلام على أنها آثار “كافرين”، وهذه نظرة ضيقة، فعلى سبيل المثال ربط البعض حضارة الفراعنة بفرعون موسي، وهذه نظرة قاصرة فالفراعنة كانوا أصحاب حضارة قدموا عبرها للبشرية الرياضيات والطب وعلوم الفلك والعمراة والفلاسفة، وحصر الأمر فقط في الدين أمر غير مقبول، وإلا لما أخذنا شيئاً الآن من تقدم الغرب والشرق العلمي وهو ليس على دين الإسلام، الدين خاص بالإنسان وعلاقته بربه ومجتمعه، والأمر نفسه ينطبق علي تراث العراق في الحقب السومرية والاكدية والبابلية، كما أن الأمر للأسف الشديد امتد إلى القباب الأثرية التي دفن فيها الصوفية في ليبيا وساعد على هذا بعض الفتاوى التي خرجت دون تدقيق.. بعضها قال أن هذه القباب تحمل تراثاً معمارياً وفنياً وأن من دفنوا بها من كبار العلماء وأننا لانعبدهم بل نحترم تراثهم الذي خلد بالعلم أيضاً وليس بالأضرحة فقط، وكل الأمم والحضارات تحافظ على تراثها حتى أن الفاتحين العرب لمصر حافظوا على آثار الفراعنة وكتب العرب في علم الآثار واستنكر الإدريسي في كتابه (أسرار علوي) هدم المصريين لبعض المعابد في الاقصر واعتبر هذا تدميراً للتراث، وكتب السيوطي كتاباً عن الأهرامات التي كانت مزاراً للعرب في العصور الإسلامية، بل نرى محاولات مبكرة لفك رموز الحضارات القديمة كما في كتاب ابن وحشية عن الأقلام، وطور العرب المسلمون علماً الآثار عُرف باسم علم البرابي، ويعد كتاب المقريزي الخطط من أعظم ما كتب في تطبيقات علم الآثار وفقاً لمنظرنا المعاصر لهذا العلم فكيف يأتي من ينظر للآثار بأنها حرام؟!

علينا استثمار التكنولوجيا في المواد التاريخية

 المجلة الثقافية الجزائرية: التاريخ ذاكرة الشعوب.. لكن كيف يمكن مجاراة تكنولوجيا الاتصالات والاستفادة من هذا المخزون الحضاري بكل روافده وتجلياته للحفاظ على الخصوصية العربية؟

الدكتور خالد عزب: السياسات الحالية لا تساعد علي بناء علاقات بين التاريخ والتكنولوجيا، فلابد أولاً من رقمنة الرصيد الوطني ثم بناء عدد من المشروعات لإتاحة هذه المواد ثم بناء حملات للتفاعل مع نتاج هذه المشروعات، لكن القضية فيمن يبني هذا المحتوى فهم عملة نادرة عربياً، لذا تدريب كوادر تجمع بين فهم التطبيقات التكنولوجية واستيعاب المواد التاريخية أمراً حيوياً، ثم المحافظة على هؤلاء مع تنمية قدراتهم أمراً لاغني عنه، وبدون هذا سيصبح هناك مع الوقت مشكلات عديدة تبدأ بطرح سؤال: لماذا تكره الأجيال الجديدة في الوطن العربي التاريخ؟ لأن التاريخ يقدم له في مادة عقيمة وليس عبر الحكاية والفيلم وزيارة المواقع التاريخية، مادة يتفاعل معها وتتفاعل معه، ويبني عبرها ذاكرته التاريخية، التكنولوجيا أتاحت لنا هذا وعلينا أن نستفيد من طاقتها بكثافة .

الإعلام هو فن سيطرة الأقلية على الأغلبية

المجلة الثقافية الجزائرية: كتابك (السياسات الإعلامية: صناعة الوهم.. صناعة الحقيقة) أكد أن الإعلام أحد الوسائل التي ابتكرتها البشرية لإخضاع الجمهور لسلطة الأقلية.. لكن دعني أسألك: كيف نستثمر هذه الوسيلة لتعزيز المعرفة ورفع مستوى الوعي في عصرنا الراهن ضمن ما نشهده من ثقافة سطحية وطغيان للقيم الاستهلاكية؟

الدكتور خالد عزب: إن التعريف الحقيقي للإعلام هو فن سيطرة الأقلية على الأغلبية، لأنه وسيلة تخضع الجمهور لرأي النخبة الحاكمة، وعليه فإن بناء سياسات إعلامية شيء بات لا مفر منه في عصرنا، فنحن نقصف بصورة مستمرة بمواد إعلامية لتشكيل توجهاتنا السياسية والثقافية طبقاً لرغبة من يبث هذه المواد، ولأن تشكيل الوعي العام وبناء الشخصية الوطنية أمراً لا مفر منه خاصة أن الإعلام العربي يقوم على نشر التفاهة والنزعات الاستهلاكية، انظري معي للإعلام البريطاني والألماني سنجد قنوات شيقة للعلوم والتاريخ والتكنولوجيا، شيء يبني الجدية حتى في النزعات الاستهلاكية يجري مقاومتها في الدول المتحضرة عبر الدراسات الأكاديمية الرصينة، منذ 6 سنوات كنت أزور اكسفورد وجرت مناقشة حول تنامي النزعة الاستهلاكية فوجدت دار نشر اكسفورد تصدر كتباً متعددة لعلماء بدءاً من تاريخ النزعة الاستهلاكية إلى اقتصادياتها الضارة إلى توجه الإعلام البريطاني للاستفادة من هذا الرصيد في بناء وعي عام تجاه هذه القضية، فما رأيك أننا العرب لدينا النزعات الاستهلاكية أقوى من الغرب؟! انظري على سبيل المثال إلى الطعام الذي يعد على موائد رمضان في البلاد العربية، في الغرب الطعام يعد بقدر وطاقة من يستهلكه عند إعداد الطعام فقط وليس أصناف من الطعام للتباهي والتفاخر، قيسي على هذا ما يجري التفاخر به عربياً على كل المستويات، وما يجري التفاخر به هذا قد لا يكون منتج عربي أصلاً، هنا الإعلام يقوم على المحتوى، والمحتوى يعد بطريقة مناسبة لمخاطبة الجمهور، والجمهور سيستجيب، لكن لابد أن نؤكد أنه في كل أنحاء العالم لا يوجد إعلام غير موجه، السؤال موجه إلى ماذا؟ وبالرغم من هذا لا نستطيع أن ننكر دور أصحاب المصالح في الإعلام، ليبقى دور المجتمع المدني والإعلام المستقل الذي يمكن أن يحدث توازناً، وبالرغم من هذا فالإعلام إشكالية كبرى، إنه فن السيطرة عبر الإقناع، وإذا كانت هناك حرفية في الإقناع فالجمهور يخضع له .

بلغة الأرقام العرب يقرأون

 المجلة الثقافية الجزائرية: قلت مرة “عزوف العرب عن القراءة هو خطأ تماماً، يراد به إشاعة الجهل في المنطقة”.. هل يمكن أن تشرح لنا وجهة نظرك في هذه المسألة من موقعك كمدير سابق للمشروعات الثقافية في مكتبة الإسكندرية وخبير في مسائل النشر؟
الدكتور خالد عزب: كلفني اتحاد الناشرين العرب بإعداد دراسة عن النشر في الوطن العربي في الفترة من 2015 إلى 2019 واتضح أن كثيراً من الأرقام الشائعة عن القراءة والكتاب في الوطن العربي غير صحيحة، بل إنه يجري ترديدها أحياناً لتكريس أننا شعوب غير واعية ولا مدركة وهذا غير حقيقي، والأرقام تظهر أن العرب انتجوا في عام 2019 ما يقرب من 79000 كتاب في حين أن أفضل التقديرات تذهب إلى 40000 كتاب في السنة كما أن بعض الكتب تقرأ رقمياً بصورة ملفته للانتباه، فهناك العديد من الكتب التي تجاوزت المليون قراءة سنوياً وتنزيلات لكتب تخطت 200 ألف تنزيلة من الكتاب الواحد من مواقع الانترنت، كما أن عدد دور النشر العربية في تزايد مستمر، الإشكالية التي تعيق تنمية القراءة والثقافة هي قلة عدد المكتبات العامة في الوطن العربي فالمعدل مكتبتين لكل 100 الف نسمة، وهذا الرقم غير متحقق في عدد كبير من الدول العربية، فضلاً عن سوء سياسات التزويد لهذه المكتبات، لكن القارئ العربي يتحدي هذا عبر الكتاب المستعمل والكتاب الرقمي وكلاهما في السنوات الأخيرة أحدث اختراقاً في حاجز وهمي اسمه (العرب لا يقرأون)،هذا الحاجز كسرته الأجيال الجديدة بصورة جيدة حتى رأينا في بعض معارض الكتب طوابير انتظار غير مسبوقة، هذا بعيداً عن العديد من المشكلات التي ذكرتها في دراستي .

الثقافة المعاصرة مفهوم واسع

 المجلة الثقافية الجزائرية: كورونا وسلالاتها باتت تمثل تحدياً جديداً أمام دول العالم، ما دور القطاع الثقافي في هذه المواجهة؟

الدكتور خالد عزب: كورونا أو غير كورونا القطاع الثقافي العربي في حاجة لإعادة بناء مرة أخرى بصورة عصرية، وبدون إعادة البناء لايمكن الحديث عن دور للثقافة، كما يحدث في العديد من الدول خاصة مع تنامي اقتصاديات الثقافة التي حولت الثقافة والتراث من عبء على الدولة إلى مساهم في الدخل الوطني بصورة جيدة، فأنت حين تتحدث عن الثقافة نتحدث عن المطبخ الوطني الذي لو جرى تسويقه جيداً فأنت تسوق منتج وتفتح فرص عمل وتنبي دعاية للتراث الوطني، هكذا هي الثقافة المعاصرة هي أوسع من فكرة أنها القصة والرواية والكاتب، هي كل منتج نابع من أرض الوطن يساهم في صياغة الشخصية الوطنية ويجعلها شخصية صلبة أمام المحن والأزمات، وعليه فإن أزمة كورونا وتداعياتها الاقتصادية القادمة إذا لم تتوجه ببرامج ثقافية معدة جيداً سنجد اضطرابات على الصعيد الوطني، والفاضل دولياً في هذا السياق هو النموذج الياباني والكوري الجنوبي الذي صاغ أبعاداً جديدة متعلقة بثقافة الأزمة وكيفية توظيف الرصيد الوطني لمعالجة تداعيات الأزمات .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق