ثقافة النثر والقصيد

تدمر

توماس لوف بياكوك – نقل معانيها إلى العربية محمد عبد الكريم يوسف

فيك روح الأيام الخوالي
بينما أنت ، في كهفك المسكون،
بجوار الشاطئ الهادر
تشهدين هذيان عاصفة الخريف.

أو حيث يوجد بعض اللبلاب على الجدار
وحيث تسقط أشعة الشمس الممزوجة بالشفق
عميقا في الممرات والأديرة المعتمة
تستمع إلى ترنيمة الرهبان الرمادية.

أو تحت ظلال شجر السرو ،
حيث يتم وضع الرؤساء المنسيين ،
يخطرون ببطء بخطى مقدسة
يتنفسون الشعر الذي يوقظ الموتى
بجانب دير اللبلاب المنفرد.
بجانب حجر المحارب الروني
وبجوار خرير الشلال الجبلي
أبتها الروح! لا أطلب شيئا سواك.

دعني ، بعيدا عن العناية الأرضية،
وشارك الأخرين وقفاتك الفلسفية،
وسط حطام الزمن الغابر
حزن كثير ، وقار كبير ، ،سمو رفيع
نصفها غارق في بحار من الرمال،
وتمتد بقايا رخام تدمر على مد النظر.

هذه الحطام الصامت ، أكثر بلاغة من الكلام ،
وتشي حكايته بالكثير من الملاحظات الفظيعة،
الحقائق أشد قسوة مما ينطق به شاعر أو حكيم،
إن هذا الخراب يضغط على القلب
الذي يتنهد كالنسيم حزينا كل مساء بين أشجار النخيل.

تسود العزلة إذ لا صوت لإنسان
وسط هذه الأجساد الممزقة المستلقية للملوك القدامى،
قاعات نما وسطها العشب ، وأعمدة هاوية تحت الرمال المنجرفة، والحشائش المتداخلة،
هنا تستريح الٱثار الفخورة للسلطة الراحلة،

لا يجوز لأحد أن يقرأ اللوح المصنوع كنصب تذكاري.
على الجرة المنذورة أو البرج التذكاري
ولا أحد يخبرنا عن الهياكل الضائعة
التي تشكل القبور المزروعة في المكان

خيالي المتحمس ، المكلل بالنور
يبدد ليل النسيان العميق.
يتكشف سحرها قطارا مهيبا وقورا
يسمو على غيوم المساء الذهبية،
للملوك الرائعين يقفون في صف فخور
ورؤساء مكللين بالغار ، وحكماء غطاهم الشيب
أي شكل من أشكالها يمكن أن تعلن شهرته
للحشود المهيبة في العلن؟

اسكب ما تشاء من مديح لا ينتهي ولا يموت
للملوك المشهورين في الأيام الخوالي،
أنادي عبثا! بجدول من الترحيب والمديح
لهم لا يعود.
وتغفو أعمالهم المشرقة في الليل
حتى ينهي الزمن دورته الغامضة،
لقد جرف تيار السنين
أسماءهم وأمجاد نفوذهم القديم
والأمم التي سمعت عنهم بخوف
ولن ترن أسماؤهم بعد الأن في أذن بشر.

مع ذلك، مايزال باستطاعة العين الملهمة
أن تقتفي أثر أنبل زعيم من الجنس التدمري.
الذي استطاع، من خلال أمواج الفرات المتلاطمة،
أن يثير غضب روما ويمزق غرور فارس
ويضع إكليل النصر المصبوغ باللون القرمزي
فوق رؤوس عبيده الطائرون
ليتدحرج بعده الخراب.

يجلس بجانبه شكل جميل متوج
شابة وقورة سامية
تشع مثل شعاع الشمس مخترقا عاصفة متناثرة
تضيء عبر ضباب الزمن العائم:

تشرق كما في السنوات الأخر
عندما ثبتت هنا عرش الصحراء،
تنتصر لدى ابتسامات القدر العابرة
عندما قاد القائد زبدة جيوشها الغازية
نحو أراضي أسيا العديدة
واحتشد الملوك الخاضعون عند بوابة قصرها،

وحتى قبل عاصفة انتقام الحرب الشديدة
والأسر المثير للاحباط
وغضب الموت والعزلة والظلام،
الذي أطبق على النجم الساطع الذي حكم الشرق،
تحوم الظلال القاتمة حولها مرة ثانية،
لتعود من ذاكرة طمستها السنون:
ومع ذلك ، وفي مقدمة القطار المقدس
يظهر الحكيم الجليل
الذي ذات مرة،حامت الظلال القاتمة
حول الأروقة المقفرة والقديمة مرة أخرى
لتعود من ذاكرة طمستها السنون.

يتم الافصاح عنها للأمراء الشبان والأميرات
والنوافير السرية للأغنية المعينية
و تتبعت غرائز قيثارة المتاهة
بكل فنون النقاد ونار الشعراء.

يا له من سكل غريب فظ ورهيب
خد ذابل ورأس أشيب،
سريع كما تشق نيران الموت السماء
يمسح كل شيء بخفقة جناح طائر.
لقد تأخر الوقت !أنا أعرف عدو الملوك
أعرف منجله و رمله وأجنحة نسره.

ألقى نظرة مشتعلة حوله
و لوح ببده العظيمة وقطب وجهه عابثا
وبعيدا عن عبس النار
تتراجع أشكال الخيال الضعيف
وتتلاشى أشباحها المتولدة في الهواؤ
كما تتلاشى النجوم قبل شروق الشمس.

ظلال لون واحد تغلف السهل
لا يوجد شخص قريب، لا يوجد من يتطفل
ليكسر عهد السكون والكٱبة
والصمت والعزلة.

ٱه ! هنا كان الفكر الثري الفخور
حيث ضحكت السعادة بصوت عال،
و صدحت الموسبقى السيمفونية بصوت عال
بانسجام مع أفراح دنياهم الاحتفالية
هنا ، وسط أرضهم القديمة.

يلاحظ المتجول في الأيام البعيدة
بنظرته الغائمة الحزينة
وحشة الرمال العظيمة
وسط هذا الصمت المطبق
حيث لا عين ترى ولا أذن تسمع
إلا عواصف الصحراء
التي تهب بنفحاتها العميقة المكان،
والقبور الضائعة أعلاه
لأولئك الذين احترفوا هنا
السعادة والحب.

قصيرة هي مساحة الحياة المخصصة للإنسان،
قصيرة هي دربه الدنيوية التي يخطوها
في تيه وضلال وعمى وضعف وخطيئة،
تقوده فيها مشاعر متناقضة.

والحب الذي يتدفق بلطف
والذي يغير الخوف المحتوم
و يضئ كل ابتسامة للقدر
يشارك الأرواح اللطيفة.
وتنفجر الغيرة بأنفاسها السامة
لتبرعم من جديد

واليأس البري المتوحش يضحك وسط الموت،
ويغرق الانتقام الصارم في الدم،
و يكفن الخوف نفسه بالظلام،
و يرتجف المرء من الهواء الهامس
و الأمل الذي يرتسم على الغيوم
برؤى سماوية زائفة لكن لطيفة.

من الشفق الأول للفجر
ومن اليوم الأول لولادة الخليقة،
حتى حريق الأمس المتناقص
لايزال الإنسان يتدحرج في حيرة من صراع إلى صراع
وسط اختلاط عجلات الحياة،
وسوف يتدحرج حتى انتهاء ٱخر شعاع
في نور الحياة.

وهكذا في كل عصر وفي كل حين
بينما السنوات تدور بسرعة وتطير
فإن الاعمال المختلفة في العصر الحالي
لن تكون إلا ظلالا للأيام التي خلت.

كل شيء سريع مثل مسار نيزك منتصف الليل،
كل شئ سريع كرمشة عين،
كل شئ سريع مثل الغيوم في تغير أشكالها،
مثل من يتعلق بمؤخرة العواصف المتحركة على عجل،
سريعة خطوات الزمن الهائلة،
عندما تمر فوق حطام كبرياء الإنسان.

هذه المعابد المهولة التفكك والخراب
والذي بقي نصفها برونقه القديم
وهذه الأقواس العابسة يوم الفراق
وهذه المسطحات الملوثة بالغبار
وهذه الأعمدة التي يفخر بها سجودها
وهذه الأعشاب الصحراوية التي تتشابك مع أكاليلها

وهذه العواصم التي نثرت على الأرض
أعمدتهم المحطمة تحتها كالقش
وهذه الأعمدة البيضاء المتطاولة
والقبور الرمادية والأطواق المكسورة
قد يكون من المفيد الاحتفاظ بها
أجيالا بعد الأجيال
كدليل على أبهة عهد تدمر الضائع.

والزمن بهتز ، ويطأ بخطى عملاق
مدينة الموتى الرخامية
التي تحطمت أخيرا وتحولت إلى كومة رخام لا شكل لها،
لترقد في ثبات عميق تحت الرمال.

الزهرة التي ترشف ندى الصباح
تطير بعيدا في عاصفة المساء
والقارب الذي ينزلق فوق مياه المحيط الأزرق
يتحطم على صخور الشاطىء البعيد،
والبرج العابس في طلته العسكرية
تمزقه حزم البرق العنيدة.

أما القوس الذي يمتد على طول الصيف
فسرعان ما تغمره فيضانات الشتاء
والضريح الذي يحرس في جنباته اسم عظيم
سيسلم للزمن خزنته المقدسة
وعربن الشهرة الملكية
سيذبل ويتحول إلى غبار تحمله الريح.

تطير عباءة النسيان السوداء
حول ٱثار الملوك،
الذين قهروا مرة صرخات لا تحصى
مع أبواق المجد والشهرة و أبواق النصر
و الأن تمر مثل صدى التل والوادي
بصرخة برية واحدة
لتتوقف ولا يسمع بها أحد بعد الأن .

لكن الزمن الأرضي لن يرمي أخبار
الكومة الخالدة الناتجة عن الفضيلة،
والعرش الذهبي والتاج المرصع بالنجوم،
والذي لا يمحى مع توالي السنين
لأنه ، بصوته المقدس الجليل،
يحكم تأثير الضرورة الغامض.
والمجرات السماوية الشاسعة التي انبثقت من الفوضى،

على طول المسارات الإهليلجية اليوم
وقد عززت إمبراطوريتها السامية العالية
و وحدتها تحت سماء صافية
بانسجام منقطع النظير،
الموت يفصم العرى والروابط.

العنوان الأصلي:

(C) Thomas Love Peacock ,Palmyra, (2nd Edition) (trans.2021)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق