ثقافة السرد

قُطوفٌ واخِزةٌ

سليم عبادو

01: تمنّى لو لم يكن…
بدأ الثلج يتساقط خفيفا على المنحدر الجبلي، بعد ليلة باردة بيضاء، لم يُغلَق له فيها جفنٌ بسبب تخييم مفاجئ لفرقة من الجيش الروسي بِقُرب مخبئِه، يكاد يُحسُّ بتسرّب البلل إلى جلدِه. تجمّدت لِحيتُه الطويلة حتّى كادت أن تُصبِح قطعة من الجليد لو لم تدعّمها أنفاسُه طوال الليل…
بِيدِه اليُسرى يُمسِك الكلاشينكوف، السلاح الذي انقلب في يدِه على صانِعيه، قد وضعه مُتّكِئا على صخرة موجّهه بإحكامٍ نحو حارس خيمة العدوّ، أمّا يده اليُمنى فقد التصقت بالزناد منذ ساعات، وساعات حتّى أنّه أصبح لا يُحِسّ بوجودِها. عيناهُ لا تُفارِقان الحارس الشاب اليافع، وردِيّ الوجنتين، الذي يجِدُه في أعماقِ نفسِه جميلا جِدّا على أن يكون عسكريّا، وعدوّا في آنٍ واحد، تمنّى لو لم يكن الأمر كذلك، تمنّى لو لم تكن كلّ الطرق في رأسِه تؤدي إلى القبور…

02: الحلاّق
وهو يحلِقُ لحية الرجل المسنِّ في العِقدِ التاسع من عمره.. بعدما انتهى من حلْقِ شعرِه.. يتسامر معه عمّا يجذُبُ في النساء، فيسترسِل الشيخ باستحضار ومضاتٍ من ذكرياتِ شبابِه البعيدة.
ينتهي من الحِلاقة، يُنظِّفُ ما تغلغل من الشعر حول الرقبة، ومناطِق أخرى. يُخاطِبُ الحلاّقُ الشيخَ
ـــــ أصبحتَ تبدو أصغر من أولادِك يا حاج.
يبتسِمُ الشيخ مُنتشِيًا:
ـــــ يرحم والديك…كم حقُّكَ؟
يحزَنُ الحلّاق لأنّ والِدَه لم يعُد يتذكّر بأنّه ابنُهُ لكنّ عزاءَهُ الوحيد هو أنّ الشيخَ يُحِبّه ويستلطِفه حتّى إن لم يكنْ يتذكّره.

03: لم تبدأ رِحلتي بعد…
التقيا وجهًا لوجه، بعد أن فاض الجِلدُ على الجسد. قالت له:
ـــــ كيفَ كانت رِحلتُكَ؟
ـــــ مُوحِشةٌ، ومؤلِمة بِدونِكِ، وأنتِ كيف كانت؟
ـــــ لم تبدأ رحلتي بعد، لا زِلتُ أنتظِرُكَ في نفسِ المحطّةِ التي أنزلتَني بها…
وذرفت دمعتين.

04: سحبتُ جَدَّكَ ذاتَ عام الى هناك
كبُر العِيال، استقلّ كلٌّ في منزله الخاص مع عائلتِه الصغيرة.
تُوفِيت عجوزُه منذ سنوات.
بقيَ الشيخ الطاعِنُ في السنّ يسكُنُ بيتَ أبيه مع عائلةِ ابنِه الصغير المدلّلِ.
ذاتَ صباح تعالى الصُراخ بالمنزل، قالت زوجة الابن:
ــــــ لم أعُد أُطيقُه عِندنا، ارمِ به في الشارِع.
أخذ الابن يجُرُّ والِدَه من رِجلِه حتّى تعدّى به الباب الخارجيّ، وأصبح في مُنتصفِ الزُقاق فأفلتَه، وهمّ بالرجوعِ لداخل الدار.
خاطَبه الشيخ:
ــــــ أرجوكَ بُنيّ واصِلْ، واسحَبْـني أمتارًا إضافية فقد سحبتُ جَدَّكَ ذاتَ عام الى هُناك، مُشيرًا بيده الى المكان.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

16 رأي على “قُطوفٌ واخِزةٌ”

  1. هنيئا .. هنيئا دكتور .
    حروف متميزة وأسلوب واخز فعلا . قصص من الواقع تلامسه بشكل فني وبطريقة رشيقة تقفز من فكرة إلى فكرة وتقفل النص يشكل جميل ومستفز
    نهنيء أنفسنا بهذه الاضافة القيمة للساحة الأدبية في الجنوب والجزائر

  2. الف الف مبروك دكتور
    احترم فيك انك شخصية تحب الشموخ و الانتصار لا وجود للانهزامية تصل عندما تريد واصعب ما فيك انك دقيق جدا ما يسهل لك دروب الحياة اعرفك مغامرا ولكن حاسم للنتائج كونك تعرف اين تضع قدميك وقوفك باتزان دائما منتصرا لانك عودت نفسك ان لا تضع يدك على اكتاف الاخرين ليس تكبرا ولكن تعود نفسك الاعتماد على الذات لاقتحامك لمعركة الحياة متميز في اتخاذ قراراتك المزيد من التألق و العاقبة لإصدارات أخرى دكتور .

  3. أحييك أخي العزيز دكتور سليم على هذه النصوص السردية القصيرة التي تتميز بلغة أدبية جميلة.فيها الكثير من التكثيف والخفة والرشاقة. مرحبا بك في عالم الإبداع. أهنؤك ونهنىء أنفسنا بنبوغك وأقول لك واصل الكتابة فأنت تمتلك الحس الفني. و الأدوات الأدبية اللازمة

    1. شهادة أعتز بها من أكاديمي و ناقد كبير
      شكرا الأستاذ الدكتور العزيز عبد الحميد هيمة…

  4. أحييك أخي العزيز دكتور سليم على هذه النصوص السردية القصيرة التي تتميز بلغة أدبية جميلة.فيها الكثير من التكثيف والخفة والرشاقة. مرحبا بك في عالم الإبداع. أهنؤك ونهنىء أنفسنا بنبوغك وأقول لك واصل الكتابة فأنت تمتلك الحس الفني. و الأدوات الأدبية اللازمة

  5. من الطبيعي جدا أن تجد بعض الأشخاص تتعدد لديهم المواهب
    و الاختصاص من نفس الجنس ولكن نادرا ما تجد دكتور طبيب و صحفي و اديب و فنان و مدرس
    عمي سليم انت رائع و قصصك رائعة و معبرة خاصة قصة الحلاق التي هي مثل في الابن البار لوالديه
    رحمة الله عمي العايش و وفقك الله و بارك لك

    1. بعض ما عندك يا فنّان يا مُروّض آلة العود الجامح…
      شكرا على الالتفاتة الطيّبة

  6. أحييك دكتور على هذا السرد الجميل، والقصص المستمدة من الواقع والمصطلحات والأسلوب الراقي، والشُحنة الكبيرة من الأحاسيس الجياشة. كل الدعم دكتور و نحن في انتظار أعمال لاحقة لك.

  7. بدون مجاملة، قصصا قصيرة جعلتنا نتمنى لو كانت أطول بكثير نظرا للأسلوب الرائع و الجذاب الذي ينم عن الحس الرهيف لكاتبها و عواطفه الجياشة. نتمنى له كل التوفيق في أعماله المستقبلية و ندعوه من هذا المنبر إلى الكتابة الروائية و نحن متيقنين من نجاحه في هذا المجال.

    1. القصة القصيرة و خاصة القصيرة جدا اختيار شخصي أسرني و أودّ التخصٍص فيه.
      شكرا دكتور عبد الباسط بومادة

  8. سرد رائع و كلمات موجزة واخزة بحقّ ، كشفت لنا ابداعاتك و تنوّعك ، نهنئك على هذا العمل الراقي و المبدع ، و نتمنى المزيد يا دكتور الطب و الأدب و الفن و السياسة و …. وما زلنا نكتشف فيك ميادين اخرى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق