حوارات المجلة

الكاتب والأكاديمي د. ماهر عبد المحسن للمجلة الثقافية الجزائرية:

من الضروري دمج الفلسفة في الفنون والآداب بعد تخليصها من التجريد الجاف..

من الضروري دمج الفلسفة في الفنون والآداب بعد تخليصها من التجريد الجاف..

الدكتور ماهر عبد المحسن كاتب وباحث أكاديمي من مصر، محاضر في علم الجمال والفلسفة المعاصرة بجامعة القاهرة، مثقف مهتم أيضاً بالنقد الأدبي والسينمائي ويكتب الشعر والقصة والمقالات الفكرية، ضيفنا يعمل على مشروع مهم يمزج بين الفلسفة والأدب بهدف تجديد الخطاب الفلسفي وتقريب المسافة بين الفكر والواقع، ولفت النظر نحو الحضور القوي للفلسفة في تفاصيل الحياة اليومية وتقديمها بلغة سلسة ومفهومة للقارئ العادي، ومن مؤلفاته في هذا المجال: (أطياف جادامرية..تأملات في الفكر الغربي المعاصر)و (مفهوم الوعي الجمالي في الهرمنيوطيقا الفلسفية عند جادامر)، ومن مؤلفاته الأدبية مجموعة قصصية بعنوان (الجانب البعيد من المنضدة)، وديوان (ميتافيزيقا البانيو) وغيرها.. المجلة الثقافية الجزائرية تواصلت مع د. ماهر عبد المحسن وسألته عن مشروعه الفلسفي والإنساني فكان هذا الحوار:
حوار: باسمة حامد

أحاول تقديم الفلسفة بلغة بسيطة

المجلة الثقافية الجزائرية: دعنا في البداية نفتح نافذة من خلالك على مشروعك الفلسفي الخاص.. هل يمكن التعويل على الفلسفة ببعدها العلمي ومعناها الأخلاقي؟ وهل تكفي النظريات الفلسفية لخلق متغير إيجابي في عالمنا في زمن الانترنت والجوالات والرقميات؟
د. ماهر عبد المحسن:
التعويل على الفلسفة لخلق متغير إيجابي في عالمنا في زمن الانترنت والرقميات مرهون بإحياء المعنى اليوناني القديم للفلسفة باعتبارها محبة للحكمة، والعمل على بث روح التفلسف في العالم من حولنا بحيث نكون قادرين على مواجهة التحديات القادمة. ولن يتحقق ذلك، في رأيي، إلا بطريقتين: تجديد لغة الفلسفة من ناحية، والاقتراب من قضايا الحياة المعيشة من ناحية أخرى. ومن هذا المنطلق صغت مشروعي الفلسفي الخاص الذي أطلقت عليه ” فلسفة الحياة اليومية”. ومن خلال هذا المشروع، الذي عبّرت عنه في معظم كتاباتي، أحاول الخروج بالفلسفة بعيداً عن أسوار الجامعة وقاعات الدرس الأكاديمية، والانخراط في الحياة والقضايا التي تهم الإنسان العادي من خلال لغة بسيطة لا تحتاج إلى تخصص دقيق من أجل فهمها. وأهم ما يميز هذه الفلسفة أن موضوعاتها تتقاطع مع العادي والراهن وتنظر إلى الظواهر اليومية الدقيقة برؤية مجهرية، كما أنها تتسلح بمخزون ثقافي موسوعي يضم العديد من المجالات المعرفية ذات الصبغة الإنسانية من قبيل علوم النفس والاجتماع والسياسة والإعلام والفنون والآداب. وبهذا المعني، كتبت عن ظواهر اجتماعية يومية مثل الفضيحة والسلبية والبقشيش واقتناء الكلاب، وكتبت عن ظواهر نفسية مثل الخوف والعصبية وتوقع الكوارث، وكتبت عن ظواهر ثقافية مثل الأكل والشرب وسماع الأغاني الشعبية، محققا بذلك المعني الوجودي للمقولة الشائعة: “إن سارتر جعلنا نتفلسف حول قدح من القهوة”.

ما زالت أسئلتنا الإشكالية مطروحة بغير إجابة!

المجلة الثقافية الجزائرية: لأسالك إذاً عن الواقع العربي اليوم، كيف تراه من منظور المثقف والمفكّر ومن موقعك كصاحب مشروع فلسفي يُعني بالواقع وقضايا الراهن؟
د. ماهر عبد المحسن:
الواقع العربي اليوم لا يختلف كثيراً عن الأمس، فمازالت قضايانا المصيرية قائمة كما كانت في الماضي دون حل، وأسئلتنا الإشكالية حول النهضة والتحرر مطروحة بغير إجابة! إن نظرة مدققة لمنجزنا الفكري والفني خلال المائة عام الماضية يكشف لنا كيف أننا مازلنا لم نبرح مكاننا المتأخر عن الركب الحضاري بعد، وأن أية حركة ظاهرة لا يمكن تفسيرها، في الحقيقة، إلا باعتبارها بمثابة “الجري في المكان”. فما زالت روح الانقياد مهيمنة على السلوك، والخرافة مسيطرة على العقل، والانقسام ضارباً بجذوره في الوعي، والخطاب الاستهلاكي هو الوسيلة المضمونة لتحقيق انتصارات وهمية، وإصلاحات سريعة الزوال. ليس أدل على ذلك من أن مشكلات المواطن العربي اليومية، التي شاهدناها في أفلامنا القديمة، وسمعناها في أغانينا، وقرأناها في أشعارنا ورواياتنا، خاصة ما تعلق منها بالصحة والتعليم والبطالة والإسكان، لم تزل هي محور الأعمال الأدبية والفنية نفسها في هذه الأيام. فما بالك بقضايانا الكبرى، المتعلقة بالنهضة والحرية والتقدم .

المثقف العربي والواقع..

المجلة الثقافية الجزائرية: المثقف بوعيه النقدي التنويري يحمل التزاماً تجاه مجتمعه، لكن برأيك لماذا تخلى الكثير من المثقفين العرب عن هذا الالتزام في السنوات الأخيرة وانخرطوا بالسياسة وأوحالها؟
د. ماهر عبد المحسن
: الواقع فرض على المثقف العربي واحد من مواقف ثلاثة، الانسحاب، أو التمركز حول الذات واجترار الماضي، أو التواطؤ مع الحاضر ومحاولة الاستفادة من لحظة الضياع التاريخية التي عجز المثقف الناقد عن تغييرها. الموقف الأول تبناه المثقفون المثاليون أصحاب المدن الفاضلة الذين كانوا يحلمون بالتغيير من منطلق أخلاقية سلمية تروم التصالح مع العالم علي اختلاف أطيافه، لكنها اصطدمت مع الواقع الخشن وفقدت براءتها الأولى، فآثرت الانسحاب على العودة للنضال في مناخ مشبع بالفساد.

الموقف الثاني تبناه المثقفون المبدعون، الذين لديهم هم خيالي جمالي بجانب الهم الواقعي السياسي والاجتماعي، وهؤلاء انسحب بعضهم انسحاباً جزئياً، فهجروا قضايا الواقع المتردي واتجهوا للبحث عن حلول لقضايا الفن والفكر النظريين، وحاول البعض الآخر، بجرأة في بعض الأحيان وعلي استحياء في معظم الأحيان، أن يمزج بين قضايا الفن وقضايا الواقع بحيث يكون الأول أداة كشف ونقد للأخير.
الموقف الثالث اتخذه هؤلاء المثقفون، وهم كثيرون، الذين يُعرفون، على مر التاريخ، بالمنتفعين أو الوصوليين، وهم لا يحملون همّاً جمالياً أو اجتماعياً أو سياسياً، ولكن همّاً شخصياً فردياً، بحيث يجيدون اللعب على كل الحبال ويتلونون بحسب الطيف السياسي المتحكم رغبة في تحقيق مصالح ذاتية خالصة. فهم لا يعدون بمدينة فاضلة في المستقبل مثل الفريق الأول، ولا يبحثون عن فردوس مفقود في الماضي كما الفريق الثاني، لكنهم يملكون القدرة على العيش في الحاضر والتعاطي مع أبجديات اللحظة الراهنة، وهم، للأسف، نجوم اليوم الذين يحوزون الشهرة والمال، ويحتكرون المنابر الإعلامية التي تتيح لهم التعبير عن أفكارهم المغلوطة بحرية لا يتمتع بها أصحاب الرؤية النقدية الواعية والرغبة الحقيقية في التغيير!

المجلة الثقافية الجزائرية: وكيف ترى دور المثقف العربي ضمن التحولات الجارية على صعيد غياب الحريات وتفشي الظاهرة الأصولية؟ وهل تجده مدركاً للراهن وأزماته: (العولمة وإرهاصاتها، التعصب الديني، غياب الحريات، التغريب، أزمة الهوية، العنف المسلح، التقسيم، إلخ)؟
د. ماهر عبد المحسن
: مهما كانت التحولات الجارية، سياسية أو دينية أو فكرية سيظل دور المثقف العربي كما هو دون تغيير. فالمثقف، على مر التاريخ، هو إنسان يملك من الأدوات المعرفية والمنهجية ما يجعله قادراً على الفهم وانتزاع الدلالة من الأحداث المحيطة، والتغيرات التي تنال الواقع بشقيه الطبيعي والثقافي، الإنساني والتقني، وهو بهذا المعني يتحمل عبء نقل هذا الفهم إلى الآخرين ممن تنقصهم هذه القدرة، ومن ثم يصيرون فريسة سهلة للانقياد من قبل الأنظمة القمعية والاصوليات الدينية. وإذا كان ثمة إضافة يمكن لمثقف هذا العصر أن يقدمها للمواطن العربي زائدة على نقل الفهم، فهي تعليم هذا المواطن وتدريبه على الفهم وانتزاع الدلالة بنفسه دون وصاية من أحد حتى لو كان المثقف نفسه.

وهذا ينقلنا إلى الشق الثاني من السؤال المتعلق بمدى إدراك المثقف للراهن وأزماته (العولمة، التعصب الديني، غياب الحريات، التغريب،…إلخ). فمن حسن الحظ أن أزمات الراهن التي يمكن إجمالها في طمس الهوية ومحو الإرادة وقتل الحريات، لا يمكن إغفالها من قبل المثقف الواعي، المدرب على الإدراك السديد للأمور، بمعنى أن الظروف التي صنعتها العولمة في الخارج والآليات التي ابتكرتها الأنظمة القمعية في الداخل لم تنل من الوعي، ولم تؤثر على قدرته في فهم السيناريوهات المحكمة التي تعمل على إخضاعه لسلطتها، وإدراكه لطبيعة القيد الذي يكبله ويمنعه من الحركة.
ومن هنا تأتي أهمية أن يكون هناك دوراً تعليمياً وتدريبياً للمثقف العربي المعاصر، لأن غاية التغيير لم يعد من الممكن بلوغها عن طريق مجرد “الدعوة” أو “التحفيز”، ولكن ينبغي أن يبرز عنصر المشاركة الذي يجعل من الاستنارة مهارة يمكن اكتسابها بالتعلم. وبهذا المعني يبدأ التغيير من الداخل والمقاومة من الداخل تمهيدا لتغيير العالم من الخارج.
العرب والعولمة والحداثة..

المجلة الثقافية الجزائرية: العالم أصبح قرية صغيرة بفضل التقدم التكنولوجي الهائل.. لكن انتشار التكنولوجيا والتقنيات الحديثة رافقه تفشي التطرف والإرهاب المسلّح وطغيان العولمة.. كيف تفسر هذه المفارقة؟!
د. ماهر عبد المحسن
: مقولة أن العالم أصبح قرية صغيرة، مقولة مضللة تجافي الواقع، فالعالم في ظل التقدم التكنولوجي الهائل أصبح بالأحرى كون كبير، فلو أخذنا شاشة التلفزيون كمثال، لوجدنا أن الأسرة في الماضي كانت تلتف حول الفيلم أو المسلسل أو مباراة الكرة بحيث تتابع المشهد ذاته، في الوقت نفسه، ومن ثم كانت هناك ذائقة جماعية تضم الأفراد في لحظة واحدة على مستوى الوعي.

لكن ماذا فعلت التكنولوجيا الآن؟ قامت بتفتيت شاشة التلفزيون الكبيرة إلى أجزاء صغيرة في شكل شاشات الموبايلات، بحيث صار كل فرد في الأسرة يشاهد مشهداً مستقلاً ومختلفاً عن الآخرين الموجودين في الحجرة نفسها. فالتكنولوجيا عملت علي تقسيم الأفراد وعزلهم بعيداً عن بعضهم البعض، وهنا يحق لنا أن نقول إن العولمة ساعدت في انتشار التطرف عندما استطاعت بأدواتها التكنولوجية أن تقصي الأفراد عن المركز ( شاشة التلفزيون) كي يستقروا عند الأطراف (شاشات الموبايلات).
وحتى على المستوى اللغوي نجد أن لفظ “قرية” غير موفق، لأن القرية، على الحقيقة، لا يقتصر معناها على المكان الصغير، ولكن تحمل بداخلها قيماً وعادات وتقاليد تخالف ما جاءت به العولمة، لعل أهمها التواد والتراحم والحفاظ على الهوية. ويكفي أن كلمة القرية في القرآن الكريم أينما وردت فهي تدل على مجتمع متجانس متفق على شيء واحد، مهنة أو فكر.

المجلة الثقافية الجزائرية: العرب ليسوا غرباء عن منابع الحداثة إذا ما اعتبرنا أن الحداثة نتاج سياق تاريخي طويل حلمت به البشرية منذ أقدم العصور، لكن لماذا فشلت الشعوب العربية بالانخراط في فضاء الحداثة كنظام فكري علمي وتقني وقيمي وسياسي؟
د. ماهر عبد المحسن
: ربما كانت الحداثة حلماً إنسانياً مشتركاً، لكن تحقيق الحلم جاء على يدي الآخر، الغربي خصوصاً، ولم نشارك في صنعه، لأسباب أهمها الاستعمار الخارجي والاستبداد الداخلي، فكانت النتيجة أن صرنا “متفرجين” على العالم وهو يتقدم، و”مستهلكين” لمنجزاته التكنولوجية والثقافية التي يحرزها أولا بأول. فنحن نشاهد التليفزيون ونركب السيارة ونستخدم الموبايل ولا نصنعهم، وحتى علي مستوى الفكر لا نملك إلا أن نستورد المذاهب والنظريات، مثلما نستورد السلاح، كي نحارب بها بعضنا بعضاً.

وكما أن السلعة المستوردة كانت دائماً مدعاة للفخر والزهو بين الناس، فقد صارت الأفكار والقيم المستوردة كذلك، بل صارت شكلاً من أشكال الموضة كما حدث في تيارات مثل الماركسية والوجودية والبنيوية والتفكيكية، وحتى العبث واللامعقول. وعلى المستوي القيمي شاهدنا انتشاراً للكثير من الاتجاهات المخالفة لأعرافنا وتقاليدنا الأخلاقية والدينية وصل إلى حد الترويج للشذوذ والإلحاد وعبادة الشيطان!
فإذا لم يكن العرب غرباء عن منابع الحداثة، فيمكن القول إنهم صاروا غرباء عن تيار ما بعد الحداثة، لأن تجربتهم الحداثية لم تكتمل. أما لماذا فشلت الشعوب في الانخراط في فضاء الحداثة، فلأنها عانت طوال تاريخها من افتقادها لأسباب العيش ما جعل وعيها الجمعي قاصراً على تحقيق مطالب الجسد، بحيث لم تتجاوز في أحلامها توفير لقمة العيش وصعود منتخباتها إلى تصفيات كأس العالم!

الفتاوى المضللة صارت سمة لعصرنا!

المجلة الثقافية الجزائرية: مجتمعاتنا تشبعت بفتاوى مضللة إلى درجة كبيرة بحيث تبدو وكأنها لم تعد قادرة على التحرر منها، ما دور الاجتهاد الديني للخروج من هذا الجمود الفكري ضمن ما نعيشه من أحقاد طائفية بغيضة وأفكار تكفيرية متطرفة؟
د. ماهر عبد المحسن
: الفتاوى المضللة لم تعد قاصرة على الدين، ولكن صارت سمة مميزة لعصر السوشيال ميديا الذي نعيشه بأكمله. فمن لديه قناة على اليوتيوب أو حساب على الفيس بوك يمكنه أن يدلي بدلوه في أي قضية أو مسألة بما فيها قضايا ومسائل الدين. ولقد عانينا كثيراً بسبب فوضى الاجتهاد في أمور حياتنا، السياسية والاجتماعية والدينية والطبية، بحيث صار تضارب الآراء هو السمة الغالبة لهذا الاجتهاد غير المنضبط، الصادر عن غير أهله، ولعل في جائحة كورونا وما صاحبها من تضليل في المعلومات وارتباك في الأداء أكبر دليل على ذلك.

بالنسبة للفتاوى الدينية، فهناك مجهودات كبيرة بُذلت خلال القرن الماضي لنقد التراث الديني قام بها مفكرون كبار من أمثال حسن حنفي ومحمد عابد الجابري ومحمد أركون ضمن مشاريعهم الفكرية، كما ظهرت مراجعات تليفزيونية لبعض الكتب الإسلامية ذات التأثير الكبير في وعي المسلمين مثل صحيح البخاري. وأصبحت هناك جرأة في وضع الكثير من المسائل تحت معاول النقد، وهي التي من فرط تأثيرها، ظن الناس أنها من ثوابت الدين. غير أن فوضى الاجتهاد، التي تحدثنا عنها، فتحت الباب واسعاً أمام من لا يملكون شروط الاجتهاد للتصدي لهذه المسائل ذات الأهمية الخاصة. فأقوال من قبيل “لا كهنوت في الاسلام”، “هم رجال ونحن رجال”، تحتاج إلى مراجعة، لأن الذين يمنحون أنفسهم الحق في أن يتصدوا لمسائل الدين دون تخصص دقيق في علومه، لا يقبلون من عالم الدين أن يتدخل في أمور أخرى غير الدين كالعلم والفن والسياسة.
توظيف الدين مسألة تخص كل الأديان

المجلة الثقافية الجزائرية: ثمة توظيف مفزع للدين من قبل الأطراف المتصارعة (الإسلام السلطوي والإسلام الأصولي) في هذه الحالة كيف يمكن الوصول إلى تمثّل عقلي للدين وبلوغ رؤية متزنة في علاقة النص بالواقع؟
د. ماهر عبد المحسن
: من المهم في البداية أن نؤكد على أن توظيف الدين مسألة تخص كل الأديان لا الاسلام وحده، وهي حقيقة يدعمها التاريخ والواقع ولم تعد خافية على أحد، فقد قامت الحروب الصليبية علي دعاوى دينية وقامت (دولة إسرائيل) المحتلة على دعاوى دينية كذلك. والشيء نفسه يمكن أن يُقال عن ظواهر أخرى سلبية متفشية في عصرنا من قبيل التطرف والعنف والتعصب، غير أن الخطاب الغربي، ولأسباب سياسية واستعمارية، يضع الدين الإسلامي في صدارة المشهد العالمي المرعب الموسوم بالإرهاب. ليس هذا فحسب، بل إن الخطاب العربي العلماني يتخذ المنحى نفسه بحيث يرى أن التيارات الإسلامية هي سبب تخلفنا العلمي وردتنا الحضارية، ومن هنا انتشرت مفاهيم “الإسلام الأصولي” و”الإسلام السلطوي” و”الإسلام السياسي”، وهو خطاب يغفل صورة أخرى من الإسلام أكثر استنارة وهي “الاسلام الوسطي العقلاني”.

والإسلام العقلاني له حضور قوي لدى فلاسفة المسلمين مثل ابن طفيل وابن سينا وابن رشد في الماضي، وأمين الخولي ومحمد عثمان الخشت في الحاضر. والفرق بين الاتجاهين أن العقلانية في الاسلام في الماضي جاءت لتعالج قضية الإيمان وبالتالي كان هدفها حل إشكالية العلاقة بين العقل والنقل، في حين أن الإسلام العقلاني في الحاضر جاء ليعالج قضية العيش، ومن ثم كان هدفه حل إشكالية العلاقة بين النص والواقع.
ولأن النص ثابت والواقع متغير نشأت الحاجة إلى التأويل، وبالرغم من أن التأويل له مداخل وطرائق عديدة، إلا أن المدخل العقلي مهم جدا في سياق التوفيق بين النص البعيد في الزمان والواقع الآني المعقد، الذي يحفل بالكثير من المستجدات. وفي هذا الصدد، هناك دراسات إسلامية مهمة تؤسس لما يُعرف ب” فقة الأولويات” أو ” فقه المصلحة”، والمسألة بهذا المعني تحتاج إلى تضافر جهود الإسلاميين مع جهود العلمانيين، فالأولون يجيدون تأويل النص والآخرون يجيدون تأويل الواقع. وفي عبارة واحدة يحتاج الإسلام العقلاني إلى الاستفادة من المنجز الإنساني بعامة، ديني وسياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي.
الازدواجية موجودة في كل الظواهر

المجلة الثقافية الجزائرية: التدين في المجتمعات العربية ظاهرة واضحة للعيان لكن تلك الظاهرة يقابلها الكثير من ظواهر الفساد الأخلاقي.. ما تفسيرك لهذا التناقض؟!
د. ماهر عبد المحسن
: الازدواجية في المجتمعات العربية موجودة في كل الظواهر، لكنها تبرز أكثر في ميدان التدين والأخلاق، لأنها مسائل تحقق المفارقة في أعلى مستوياتها، على مستوى السلوك وعلي مستوى النظر، ولعلنا نذكر شخصية “سي السيد” التي رسمها نجيب محفوظ ببراعة في رواياته الثلاثية الشهيرة، وصارت أيقونة لظاهرة الازدواجية أينما تجلت، فقد كان رجلاً متديناً في الصباح وسكيراً عربيداً في الليل. والازدواجية ليست على مستوى الشعوب فحسب، لكن على مستوى الحكام كذلك، خاصة عندما يقولون أشياءً ويفعلون أشياءً أخرى. والمسألة برمتها ترجع إلى غلبة الشكل على المضمون في حياتنا، فالتدين شكلي والعلم شكلي والفكر شكلي، حتي إنجازات الحكومات العربية صارت شكلية. فالمتدين يحرص على أداء العبادات الظاهرة من صلاة وصيام وزكاه لكنه لا يبذل نفس الحرص في المعاملات، خاصة ما تعلق منها بحقوق الغير. وطالب العلم الذي يعد أطروحته العلمية يحرص علي أن تستوفي رسالته الشروط الشكلية من مراجع وأسماء أجنبية أكثر من حرصه على تقديم فكر حقيقي أو رؤية جديدة تعبّر عن شخصيته العلمية. وفي ميدان السياسة تحرص الكثير من الأنظمة العربية علي صياغة الدساتير وسن القوانين وإجراء الانتخابات، لكنها على أرض الواقع تقوم بأكثر الممارسات ديكتاتورية في حق المواطن. إنها ليست مجرد ازدواجية دينية، لكن حالة عامة من النفاق!

أما لماذا يميل الناس إلى النفاق، فلأن ما يتظاهرون به يكون في الغالب هو المقبول اجتماعياً وسياسياً وعلمياً، ولم يعد الصدق هو طريق النجاة، والمسألة في التحليل الأخير وليدة أزمة في الأخلاق واختلال في منظومة القيم.

نحن بحاجة للوعي والتسامح

المجلة الثقافية الجزائرية: المجتمعات العربية من أكثر شعوب الأرض استهلاكاً لاختراعات الغرب وتقنياته الحديثة لكنهم في الوقت نفسه الأكثر رغبة في محوهم وتكفيرهم وقتلهم.. كيف نحلل هذه الازدواجية؟!
د. ماهر عبد المحسن
: كما ذكرت، الازدواجية في المجتمعات العربية ظاهرة عامة في الفكر وفي السلوك، وعلاقاتنا المتوترة بالغرب هي أحد تجليات هذه الازدواجية، غير أننا ينبغي أن نميز بين أنواع ثلاثة من الشخصية العربية، المتشدد، المحافظ، المتحرر. المتشدد يجسد أقصى درجات الازدواجية لأنه يستفيد من اختراعات الغرب وفي الوقت نفسه يشعر ضدهم بالكراهية ويتمنى محوهم من الوجود باعتبارهم كفرة خارجين علي الدين. المحافظ يشترك مع المتشدد في أنه لا يجد غضاضة في الاستفادة من اختراعات الغرب، لكنه لا يكفرهم ولا يرغب في القضاء عليهم، أنما يظل محتفظا في داخله بشعور سلبي تجاههم كونهم يتفوقون عليه ماديا لكنه يتفوق عليهم أخلاقيا وروحياً، فهو يحاول أن يحقق لنفسه نوعاً من التوازن، غير أنه يظل ممثلاً لأحد أشكال الازدواجية الأقل تطرفاً. المتحرر هو الذي لا يستفيد من منجزات الغرب فحسب، وإنما يعترف، صراحة أو ضمنا، بعبقريتهم وإعجابه بهم لدرجة التقليد، وهذه الشخصية في الحقيقة لا تعاني ازدواجاً، ولكن اغتراباً، لأنها بالرغم من مصداقيتها لا تشعر بالانتماء للأنا قدر شعورها بالانتماء للآخر.

والحقيقة أننا في حاجة إلى نموذج رابع من الشخصية العربية لا تكون فيه الأنا مزدوجة ولا مغتربة، وإنما تكون واعية متسامحة بحيث تكون قادرة على الاستفادة من منجزات الغرب، التكنولوجية والفكرية، بما يتناسب وقيمنا وثقافتنا، وفي الوقت نفسه تحترم خصوصية الآخر وثقافته المغايرة، وبحيث لا يكون هدفا للكراهية أو الإقصاء بقدر ما يكون نموذجاً حضارياً يُحتذي، وبما لا يتعارض مع قيمنا الروحية والأخلاقية. ولا ننكر أن هذا النموذج موجود، لكن بدرجة أقل مما ينبغي لتحقيق نهضة علمية حضارية تواكب العصر الذي نعيش فيه.
الإرهاب أصبح أداة لتحقيق مكاسب سياسية

المجلة الثقافية الجزائرية: دعنا نقف قليلاً عند الإرهاب كظاهرة ثقافية شغلت العالم بأسره، برأيك هل تم طرح هذه القضية بشكل جدي بعيداً عن المقاربات الاختزالية والتجاذب السياسي؟
د. ماهر عبد المحسن
: الإرهاب يقصد به إثارة الرعب في نفوس الآخرين بهدف تحقيق أهداف سياسية أو أيديولوجية، وأداة الإرهاب هي العنف المسلح. وأهم ما يميز تعريف الإرهاب في الأدبيات السياسية والقانونية أنه لا دين له. غير أن الصراع السياسي، خارجياً وداخلياً، جعل من فكرة الإرهاب أداة لتحقيق مكاسب وانتصارات سياسية لصالح بعض الأطراف المتصارعة ضد أطراف أخرى.

وفي هذا الصراع يلعب الإعلام دوراً محورياً للتأثير في عقول الشعوب بحيث ينتقل الإرهاب من الشارع إلى البيت، أو من العالم إلي الوعي، بمعني أن الذين يدركون الإرهاب علي الحقيقة هم قلة قليلة، أما الذين تصلهم صورته عبر وسائل الإعلام فهم الكثرة الغالبة من الناس، وهنا يأتي دور الإعلام المؤدلج في تحريف الصورة بحيث يتم التحكم في العقول عن طريق بث الرعب في قلوب الآمنين في بيوتهم وصناعة أعداء وهميين كما حدث في الغرب بعد أحداث سبتمبر عندما تم تصدير صورة مغلوطة عن الإسلام والمسلمين بحيث تم الربط بين الإرهاب والعرب من ناحية، وغض الطرف عما يحدث من أعمال قتل وعنف في البلدان العربية مثل فلسطين والعراق من ناحية أخرى.
ومن المؤسف أن الصورة الذهنية للإرهاب التي صاغها الإعلام الغربي، التي تربط بين الإرهاب والمسلمين، وجدت صدى لها في الاعلام العربي بحيث ترى الإرهابي دائماً ملتحياً ويردد أقوالاً من القرآن أو السنة لتبرير العنف والقتل الذي يمارسه، وهي الصورة النمطية التي تلقفتها السينما المصرية دون محاولة بذل أي جهد لتعميقها والبحث عن أسبابها الحقيقية، وليس أدل علي سطحية الطرح من أن الذين كانوا يقومون بأداء هذه الأدوار تحت شعار “محاربة الإرهاب”، هم نجوم الكوميديا، وعلي رأسهم الفنان الأشهر عادل إمام! إن مقولات من قبيل “الجهاد” و”نيل الشهادة” و”تكفير المجتمع” لم تعد كافية لتفسير ظاهرة الإرهاب في ظل أيديولوجيات دولية معقدة وواقع أكثر تعقيداً. وفي هذا السياق، نقترح العودة إلي المبدأ الهام في التعرف الاصطلاحي للإرهاب باعتباره “لا دين له”، وأن نعمل علي تخليص المصطلح من دلالته الدينية والسياسية، بحيث يشمل كل سلوك عنيف من شأنه أن يؤدي إلى ترويع الآمنين، وبهذا المعني تدخل حوادث العنف اليومي، التي تُمارس ضد الأفراد في المجتمع، في مصطلح الإرهاب، خاصة بعد أن شاهدنا حوادث مروعة وقعت في الشوارع والأماكن العامة على مرأى ومسمع من الناس لأسباب واهية ودون أن يشعر القاتل بالندم!

ثقافة التفلسف غائبة عن الوعي العام

المجلة الثقافية الجزائرية: تنمية التفكير الفلسفي أصبح ضرورة عصرية ملحة لنهوض مجتمعاتنا، لكن من أين نبدأ الإصلاح في ظل ما تواجهه الفلسفة من رفض وعدائية وتهميش بزعم أنها تتعارض مع الدين؟! وكيف نعيد الاعتبار لهذا العلم في ظل التوتّر التاريخي في العلاقة بين العقل والنّقل؟!
د. ماهر عبد المحسن
: البداية تكون من الطفولة، فالسمعة السيئة للفلسفة والفهم المغلوط لعلاقتها بالدين يرجع إلى غياب ثقافة التفلسف عن الوعي العام، فالأسئلة التي يطرحها العامة، حول جدوى الفلسفة، والاتهامات التي تصف ممارسيها بالزندقة والكفر باتت من الأمور التي يتم التسليم بها دون فحص أو برهان، ما يعني أننا نتلقي هذه الأحكام المسبقة بالوراثة مثل الكثير من الخرافات المضللة التي تصحب مراحل نشأتنا وتربيتنا.

والحقيقة أن هناك اهتماماً بتدريس الفلسفة للأطفال في المراحل التعليمية المبكرة، وهناك ندوات ومؤتمرات بدأت في الظهور في الوطن العربي في الفترة الأخيرة تُعني بهذه القضية، وهي خطوات مهمة جداً، بجانب خطوات أخري، لتصحيح الصورة المغلوطة عن الفلسفة.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ينبغي إعادة تأهيل الكبار وتثقيفهم فلسفياً بأن نعمل علي أن تدخل الفلسفة في الفضاء العام وتصير جزءاً من الخطاب الجماهيري، وذلك من خلال تخليص الخطاب الفلسفي من التجريد الجاف ودمجه في خطابات أخرى أكثر حيوية كالفنون والآداب، وبهذا المعنى يمكن أن نعثر على الحكمة الفلسفية أو الرؤية الميتافيزيقية في القصيدة والأغنية واللوحة والفيلم.
وليس هناك ما يمنع من أن نستفيد من الخطوات البعيدة التي قطعها الغرب في هذا المجال، فقد دخلت الفلسفة عندهم إلي المؤسسات العقابية لإعادة تأهيل المساجين، ودخلت رياض الأطفال لتربية النشء، كما دخلت البيوت لتنظيم العلاقة بين أفراد الأسرة، بل بدأت تنافس علم النفس في علاج المكروبين، الذين يعانون من الازمات الأخلاقية، والذين تنقصهم الرؤية الكلية الواضحة لحياتهم الحاضرة والمستقبلية.

كورونا لن توقف الحروب..

المجلة الثقافية الجزائرية: كيف ترى المستقبل الإنساني في أبعاده المعرفية والأخلاقية والسياسية ضمن واقع كورونا ومتحوراتها؟ برأيك هل ستستمر حرب الإنسان على الإنسان؟
د. ماهر عبد المحسن
: بالرغم من أني متفائل، لكن يؤسفني أن أقول إن المستقبل ضبابي ومخيف، فقد كشفت لنا جائحة كورونا عن هشاشة البشر، وكيف يمكن لفيروس ضعيف مثل كورونا أن يصيب العالم كله بالشلل، ويعجز هذا العالم بكل علومه وإمكانياته التقنية الجبارة أن يوقف هذا الكابوس المتحور، لكن في الوقت نفسه أعادت كورونا إلى الأذهان نظرية المؤامرة، وبدأ شبح الحرب البيولوجية والتحكم في التغيرات المناخية يطل برأسه من جديد.

إن نظرة متأملة لأحداث العالم في السنوات الأخيرة كافية لأن يشعر إنسان هذا العصر بالقلق والخوف. فمخططات التقسيم واتفاقية القرن والحرب الروسية الأوكرانية التي لوح فيها بوتين باستخدام السلاح النووي في إشارة إلي الرغبة في استعادة أمجاد الإمبراطورية الروسية، كلها أمور تنبئ بأن العالم يقف حافة الهاوية. فمازال الفكر الاستعماري مهيمناً على الصراع الدولي، وأخلاقيات المنفعة هي التي تحكم العلاقات بين الدول.
ونظرة أخرى على الأعمال الأدبية والفنية التي تم إنتاجها مؤخراً تكشف عن حضور قوى للأفكار المرتبطة بالديستوبيا (المدينة الفاسدة)، وهي أعمال تروج لنهاية العالم، والبدء من جديد مع مجموعة مختارة من البشر!
وبالرغم من أن هذه الأعمال تصدر عن خيال جامح، إلا أنها تعكس نزوعاً عنصرياً يميز بين البشر، بحيث يرى أن الحياة في المستقبل ستكون مقصورة على فئة دون أخرى، وهو نفس النزوع الذي كان يحكم حركة التاريخ الاستعماري في الماضي. فدائماً هناك، في الماضي أو المستقبل، فئة يتم التضحية بها لصالح قلة متميزة، سواء بالقتل أو التسخير من أجل خدمة هذه القلة، وقد تنبأ هربرت ويلز بهذه الأخلاقية في روايته الشهيرة “آلة الزمن” عام ١٨٩٥م، وأعاد طرحها يوسف الشريف في مسلسل “النهاية” عام ٢٠٢٠م.
والحقيقة أن التقدم العلمي لم يقض على هذه الفكرة السوداوية، ولكن على العكس تم استخدامه من أجل مزيد من التحكم في مصائر البشر عن طريق الهندسة الوراثية من ناحية والسيطرة على العقول من ناحية أخرى.
وبهذا المعنى، فإن حرب الإنسان ضد الإنسان لن تتوقف، ورؤيتي التي تبدو تشاؤمية لا تصدر عني كمفكر يمتلك أدوات منهجية منضبطة، لكنها تعبّر عن شعوري بالقلق كإنسان عادي يعيش في هذا العصر! وإذا سألتيني كيف السبيل إلى الخروج من هذا المأزق؟ فسأجيبك بكلمة واحدة “الإيمان”. فبالرغم من الأحاديث المطولة عن العلم والعقل والحداثة، سيظل الإيمان بوجود إله قادر عادل حكيم هو الضامن للحقيقة، وهو الملاذ الأخير لكل من يقع في دائرة التيه ويشعر بالضياع في هذا الكون الكبير.

تأثير الصورة بات كبيراً جداً

المجلة الثقافية الجزائرية: يقال بأن الصورة (خطاب متكامل غير قابل للتجزئة)، إلى أي حد تتفق مع هذه المقولة في ضوء بحثك حول (جماليات الصورة في السيميوطيقا والفينومينولوجيا) ؟
د. ماهر عبد المحسن
: أتفق تماماً مع هذه المقولة، وقد قيل أيضاً، تعبيراً عن هذا المعنى، إن صورة واحدة تساوي ألف كلمة، واختياري لموضوع الصورة في أطروحتي للدكتوراه كان من هذا المنطلق، ومن قناعتي بأن اللغة البصرية هي الوسيلة المناسبة للتواصل والتعبير عن هذا العصر المليء بالتناقضات. فتكاملية الصورة لا تعني شموليتها فحسب، ولكن تعني أنها قادرة علي رؤية الشيء ونقيضه في الوقت نفسه.

والمفارقة أن هذه القدرة لا تدعم التناقض بقدر ما تسهم في رفعة من ظواهر الوجود التي نفهمها خطأ إذا ما استخدمنا لغة الكلام أو الكتابة. فعبارة من قبيل ” نصف الكوب فارغ” تناقض منطقياً عبارة “نصف الكوب ممتلئ”، غير أن صورة الكوب تكشف لنا عن أن للكوب نصفين أحدهما فارغ والآخر ممتلئ. وإذا أردنا الدقة فإن اللغة المنضبطة يمكن أن تصل إلي نفس النتيجة، غير أن مجال الحياة اليومية يعتمد أكثر على لغة الصورة وحيويتها.
وبالرغم من أن أطروحتي كانت معنية بالصورة في الفن، إلا أن تأثير الصورة في الواقع بات كبيراً جداً، خاصة في ظل اختراع الهواتف المحمولة وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي، فالعالم كله أصبح مهوساً بتسجيل اللحظات التي يعيشها ونشرها على العامة. في عصر الصورة انتقلت البشرية إلى مرحلة “الإنسان العادي”، وهي مرحلة تحطم فلسفات القوة التي جاء بها نيتشه وبرنارد شو وسلامة موسى حول “الإنسان السوبر مان”.
وقد كان الأدب سابقاً للفلسفة عندما جعل من الإنسان العادي بطلاً لقصته، غير أن الموبايل جعل من هذه البطولة الفنية حقيقة راسخة على أرض الواقع، خاصة في ظل توافر تقنية البث المباشر، التي تجعل الإنسان مرأيا للآخرين، طوال الوقت، وهو يمارس حياته العادية كأي نجم سينمائي.
ليس هذا فحسب، بل إن الإنسان العادي صار قادراً علي التأثير في الواقع عن طريق رصده وتسجيله كوثيقة إدانة للمجتمع ولأنظمة الحكم. غير أن الخطورة تكمن في توتر العلاقة بين ما هو حقيقي وما هو مزيف، لأن إتاحة تطبيقات المونتاج للصور الفوتوغرافية ومقاطع الفيديو منحت الأفراد فرصة التلاعب بالحقائق بنحو ما يحدث في أجهزة الإعلام الاحترافية، فإنسان هذا العصر محاصر من كل ناحية بالخطابات المراوغة والملتبسة، ولا سبيل أمامه للخروج من هذا المأزق سوي اكتساب مهارة التأويل التي تمكّنه من قراءة الواقع والنفاذ إلى حقيقته، وهنا يأتي دور الفلسفة.

اهتمامي بالأدب سبق اهتمامي بالفلسفة

المجلة الثقافية الجزائرية: كتاباتك الأدبية في القصة والشعر ظهرت مؤخراً وجعلتني أتساءل إلى أي مدى سرقت الفلسفة د. ماهر عبد المحسن من الكتابة الإبداعية؟
د. ماهر عبد المحسن
: هذا سؤال ذكي، فقد استحوذ كلا المجالين على اهتمامي منذ مرحلة مبكرة من حياتي، غير أن الاهتمام بالأدب سبق اهتمامي بالفلسفة لأن تخصصي المدرسي كان علمياً، ودراستي الجامعية كانت في القانون، وفي هذه الفترة كنت أقرأ كتب الفلسفة على سبيل الهواية، وقد هداني تعلقي بالمجالين إلى محاولة الجمع بينهما، فكنت أبحث عن الأدب الذي ينطوي على روح التفلسف بنحو ما تبدت في أعمال سارتر وكامو ونجيب محفوظ. وعندما مارست الكتابة الإبداعية، القصص القصيرة بخاصة، كنت أضمّن أعمالي قضايا فلسفية، غير أني كنت متأثراً بتيار الرواية الجديدة لدى آلان روب جرييه الذي كان يعتمد على الوصف الفينومينولوجي لمواقف الحياة اليومية. وفي هذه الفترة كتبت عدداً كبيراً من القصص، نشرت بعضها وحصل بعضها الآخر على جوائز، غير أني لم أجمع هذه القصص في كتب إلا مؤخراً عندما نشرت مجموعة “الجانب البعيد من المنضدة”.

في فترة تالية، بعد أن التحقت بكلية الآداب وحصلت على الماجستير عام 2005م، هجرت الكتابة الأدبية وتفرغت للكتابة الفلسفية الأكاديمية منذ ذلك التاريخ، ونشرت عدداً كبيراً من المقالات والأبحاث و ثلاثة كتب تحمل عناوين “مفهوم الوعي الجمالي في الهرمنيوطيقا الفلسفية عند جادامر” و” جماليات الصورة في السيميوطيقا والفينومينولوجيا” و”أطياف جادامرية..تأملات في الفكر الغربي المعاصر”، غير أني في السنوات الثلاث الأخيرة بدأت في التحرر من الكتابة الأكاديمية واتجهت إلي مشروعي في “فلسفة الحياة اليومية”، الأمر الذي جعلني أعود مرة أخرى لمحاولة الجمع بين الفلسفة والأدب، لكن هذه المرة لصالح الفلسفة، بأن عمدت إلي كتابة الفلسفة بلغة أدبية، وجاء ذلك بالتزامن مع ممارستي للنقد الأدبي والسينمائي، واتجاهي للإبداع الشعري في ميدان قصيدة النثر، فنشرت ديوانين العام الماضي أحدهما بعنوان “ميتافيزيقا البانيو” والآخر بعنوان “فوبيا المشي على حبل الغسيل”، وهناك ديوانان آخران ومجموعة قصصية قيد الطبع. وفي كل الأحوال، فإن كتاباتي في الفلسفة وفي الأدب تعكس اهتمامي المتزايد بهذين الميدانين من المعرفة، وكذا قناعتي بالصلة الوثيقة التي تربط بينهما، بحيث لا نعدم حضوراً للأدبي في الفلسفي ولا للفلسفي في الأدبي، فكلاهما يكمل الآخر ويعضده. وقد عبّرت عن هذه العلاقة في مقال نشرته مؤخراً في مجلة ميريت الثقافية الالكترونية بعنوان “آيريس مردوخ بين الفلسفة والأدب”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق