ثقافة المقال

تجليات المفارقة في “عكس اتجاه السير” لعلي عيسى

دكتور السيد إبراهيم أحمد

عبر سرد ممتد في حيز جغرافي تتماس فيه حدود مصر مع أفريقيا صاعدا نحو حدود مصر مع آسيا، يلتقط الكاتب، من خلاله، العديد من الشخصيات الرئيسية التي قد لا يقابل بعضها إلا قلة من الناس، وهو ما يعني أنه رآهم وخالطهم بل ودرسهم دراسة متأنية لا تعتمد على أحجامهم أو أوصافهم الظاهرة بل على سماتهم النفسية التي نقلها بدقة تساند الرسام لو شاء أن يصورهم على لوحته بعناية، وهذه من أهم الأدوات التي أعانت القاص علي عيسى في خطف عقل القارئ واهتمامه لكي يسير معه عكس اتجاه السير أو في اتجاهه، أي أنه استولى على حواس قارئه المنبهرة بهذا التنوع غير النمطي في تركيبة أبطال أغلب قصص مجموعته المسماة بـ “عكس اتجاه السير” الصادرة عن مركز نهر النيل للنشر بالقاهرة، والتي تشبه قبسات غَرفها الكاتب من نهر الحياة الجاري بالأحداث عن وعي، وعمدٍ، وعناية.

لم يشغل علي عيسى ذهنه في السعي وراء التقنيات التي يستخدمها أغلب الكتَّاب والروائيين، وإن لم يهملها تماما، غير أنه عكف أكثر على استخدام “المفارقة” تلك التي تزخر بها الحياة الإنسانية وما تحويه من المتناقضات والغرائب القائمة في الأساس على التضاد الكاشف للصفة وضدها، والقيمة وعكسها، وهو ما حرص عليها الكاتب لإبرازها كقيمة فنية وجمالية تغطي معظم نصوص مجموعته القصصية، ليكشف زيف العلاقات الإنسانية أو تناقضها أو انسجامها، وهو ما برع فيه بالفعل حيث استأثر بوعي المتلقي واهتمامه الذي استسلم طواعية لكشف المخبوء من أحداث نثرها المؤلف بوعيِ وذكاء واحتراف في استخدام تجليات المفارقة التي تعتمد على اللغة أو السياق وإن كانت مفارقات أغلب النصوص “مفارقات نهاية”.

لقد أتت الشخصيات لترسم المشاهد داخل النص دون تدخل من القاص سواء بالتعاطف أو بالرفض، أي أن السلطة الفوقية نابعة من داخل أحداث القصة وبطلها، وكيفية تلقي القارئ لها، ذلك أن مقياس نجاح العمل في الأخير هو مدى قدرة المتلقي، وحدود ثقافته، وأبعاد إدراكه، كما أن مدى نجاح علي عيسى يقاس ليس فقط في إبراز المتضادات والمتناقضات بل في وصفها ووضعها داخل إطارها المنطقي والسليم الذي لا يوقظ عقل المتلقي برفض السرد الذي يراه بعيدا وغريبا.

اتسمت قصص المجموعة بالطول غير الممل، والمقدمات غير المسهبة، والأحداث التي اتسمت بالموضوعية تارة والغرائبية الفانتازية تارة أخرى، غير أن من عاش في نفس الأجواء التي ساقها الكاتب سيصدقها وأكاد أجزم أنها صحيحة وصادقة، وإن كانت صادمة بالنسبة لمن لم يقابلوا مثل تلك الشخصيات أو نفس تلك الأحداث. كما تشابك الحوار مع السرد في غير إقحام أو ترهل في المترادفات، بل جاء كله بالعامية المصرية السهلة التي لم يرهق الكاتب نفسه بتعدد مستوياتها بتعدد شخوصه في كل نص، غير أنها كانت خادمة للحدث وداعمة للمفارقة سواء في سياقها أو في تصاعدها نحو النهاية.

إن مما يدل على حيادية الكاتب أنه أورد ثلاث قصص تتناول الثأر: “خط سير”، و”كله سلف ودين”، والأخيرة جاءت توظيف لأسطورة “لعنة غراب” وقد يظن القارئ أنه يشرعن هذه الجريمة النكراء، ذلك لنقله للحدث ـ بحسب المذهب الطبيعي ـ بكل الصدق، تاركا للمتلقي الحكم عليه بالسلب أو الإيجاب تبعا لثقافته في تناول مثل هذه الأحداث بالرفض أو القبول.

يصف الكاتب شخصية “عبد الحميد” في قصة “حبيب أمه” بمنتهى البراعة حتى كأنه أخرجه على الصفحات تمثيلا، من خلال تعامله مع زوجته أو مع صديقه أو مع أمين الشرطة والضابط، كما نجح في وصف تصرفات “فتحي السايس” وهو عنوان القصة أيضا، والشيخ بختان في قصة “بركاتك يا شيخ بختان”.

صور علي عيسى الفشل في إعلان المحب عن عاطفته في “المحاولة”، وفي مدى التحام الإنسان بالحيوان في العاطفة النبيلة في “الصديق”، وفي تجييش جحافل الفشل والإحباط التي تحول دون إنسان يحاول أن يمسك خيوط النجاح، فيمسكها ثم تفلتها الظروف المخيبة حتى تنتهي به الحياة للقعود تحت “شجرة التوت”، كما صعد الكاتب بخط المفارقة في أعلاه عبر نصوص: “جحور”، و”نسيت أنك أخي”.

تنساب القصص في أحداثها بغير افتعال من كاتبها، بل عبر تأمل مضنٍ، ومراقبة جيدة لشخوصها، وصبر في انتظار تتمة النهايات التي تصنع المفارقة المؤلمة أو الصادمة أو المفجعة، كما نجح في قنص الفانتازيا المصرية الأشد غرابة من تلك التي يتصنعها بعض الكتاب أو يصنعها نقلا عن مجتمعات أخرى، مثل: “وأصبح وحيدا”، و”بركاتك يا شيخ بختان”.

لقد أتت هذه المجموعة للكاتب والإعلامي المتميز علي عيسى علي في سياق مختلف عن تلك النصوص التي تخرجها المطابع، على عجل، متوشحة بالافتعال أو متدثرة بالمحاكاة أو محترفة لإعادة الصياغة، لتعلن عن قدم راسخة في فن القص السهل الممتنع.. تاركا للقارئ اكتشاف ما خط الرجل بيمينه، والحكم عليه، من خلال سؤال يطرحه على قارئه مستمدا منه الإجابة، ومستلهما منه الحكم: (عزيزي القارئ أقدم لك مجموعتي القصصية لعلها تكون تفسيرا لما يجري في واقع الحياة. فهل السير عكس الطبيعة والتفكير خارج إطار الصندوق، والمعايير التي حددتها الطبيعة هو الحل؟!).

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق