قراءات ودراسات

العبرة التاريخية في رواية هاني بعل الكنعاني

ل صبحي فحماوي

رائد محمد الحواري- نابلس- فلسطين.

هناك شح في الأعمال الروائية التاريخية العربية، وذلك لأن تقديم مادة تاريخية بشكل روائي صعب، ويحتاج إلى معرفة بالتاريخ القديم والأحداث والشخصيات، ثم يحتاج إلى هضم هذه المعرفة وتقديمها بأشكال وطرق أدبية خاصة، عندها يكون الكاتب قد جمع خيرين، خير المعرفة التاريخية، وخير الرواية الحديثة. وإذا علمنا أن سيرة/تاريخ “هاني بعل” كان لها الأثر الأهم في تغيير مسار تاريخ العالم، نصل إلى أهمية الرواية.
السرد الروائي/الحكواتي
سنحاول التوقف قليلا عند شكل السرد الذي قدمت به رواية “هاني بعل” والذي بدأ من خلال ذهاب السارد الرئيس (صبحي فحماوي) إلى “مسرح الحكواتي القرطاجي جوال” ومن هناك بدأ الحكواتي في تقديم الأحداث وكيف تم بناء قرطاج، حيث انتقلت “اليسار” من مملكة صور إلى سواحل أفريقيا وأنشأت أهم حضارة في العالم:
“كان يا مكان،
يا سادة يا رجال
في سالف العصر والزمان
أميرة كنعانية سورية الأصول
قوية الشخصية ناشطة الأفعال
اسمها أليسار ابنة ملك صور (ماتال)” ص11و12، بهذا السرد الشعبي استطاع السارد أن يمهد المتلقي ليدخل إلى تاريخ قرطاج وتحديدا إلى الشخصية المركزية هاني بعل.
وبما أننا أمام حكواتي كان لا بد من أن يتدخل في السرد ويبدي وجهة نظره فيما يجري: “…وبعد فترة تمكن هاملكار البرق من إيقاع خسائر شديدة بين الرومان، فطلب القنصل الروماني دفن الموتى، فمنحه هاملكار هذه الفرصة..
يتوقف الحكواتي عن الحكي وهو يحدق في عيون جمهوره، ثم يتابع قوه:
وهكذا تلاحظون أن الرومان كانوا متوحشين في هجومهم، ولا يرتبطون بعهود، ولا قيم حربية، بينما كان القرطاجيون يدافعون بروح إنسانية عن مواقفهم” ص28، إذا ما توقفنا عند هذا المقطع سنجد ثلاثة صيغ للسرد، الأولى المادة التاريخية، الثانية السارد الرئيس الذي أوقف وتيرة السرد، الثالثة الحكواتي الذي يبدي رأيه في ما يجري من أحداث، وهذا ما منح الرواية بعدا جماليا روائيا، يختلف تماما عن المادة التاريخية المجردة.
ولم يكتف السارد الرئيس بهذا التنوع في السرد، فيعطينا صورة أخرى بحيث يُكلمنا هاني بعل مباشرة: “لقد وصلنا أيها الرجال الرجال إلى مبتغانا في قمة المرتفعات التي خفنا منها، وعلى أسوأ حال، سنفضل الموت سويا في هذه الجبال على الموت فرادى وانتم عائدون” ص94، ويحدثنا الحكواتي: “وللتخفيف من بردهم الذي تسري آلامه متغلغة داخل أجسادهم، طلب من مساعده هانو بن بوملقار إعادة فرك أجسادهم بالشحوم التي جلبوها معهم ليدفأوا” ص94، وهنا السارد الرئيس يدخل في السرد من خلال: ” كان الحكواتي جوال يتحرك في المسرح بتأثير ومؤثرات الصوت والضوء التي تشعرنا بتسلقه جبالاً بيضاء لا نهائية الارتفاع، لم يسبق لنا مشاهدة أمثالها من قبل، بينما هو يحكي قائلا:
“كان العبور المخيف أيها الحضور الكرام يتم من سراديب معيقة للمرور، وزوايا من الثلوج البيضاء المتصلة بالغيوم السوداء في السماء” ص94، إذن هناك تنوع في السرد الروائي وهذا ما جعل للأحداث التاريخية تقدم بشكل جديد، حديث، معاصر، بحيث تكون سهلة على المتلقي.

تأثُّر الحكواتي بالأحداث
بما أننا أمام حكواتي، فلا بد له أن يتأثر بما يرويه للمشاهدين، وإلا كان مجرد (آلة) تبث ما يُطلب منها، وهذا ما منح الرواية جمالية استثنائية، وجعل المتلقي يشعر بالأحداث ويتأثر بها، إن كانت خيِّرة أو سيئة، فبعد أن خاض هاني بعل معارك كثيرة وخطيرة ضد الرومان أصابه هو وجنود التعب: “وفي بوليا، أعطى هاني بعل لنفسه ولجيشه المنهك راحة، ومن هناك بدأ يشن غارات فرعية في جميع الاتجاهات.”
جلس الحكواتي جوال متعبا على دكة خشبية ليريح جسده المنهك من الحركة المتواصلة، ثم قال لنا نحن المشاهدين:
لا داعي لتفاصيل متابعة القائد في غاراته الفرعية، ما رأيكم أن أحكي لكم لمحة عن معركة كاناي التي حصلت في شهر أغسطس، آب من عام 216 قبل الميلاد؟…سمع أصوات مريدة، ومطالبة بالحكي فقال:
حاضر، سأحكي.. اسمعوا وعوا” ص123، نلاحظ أن تعب هاني بعل انعكس على الحكواتي، والذي بدوه نقله وأوقعه على الجمهور، وهذا ما أعطاه مبررا روائيا لنقل الأحداث إلى مواقع أخرى.
ونجد هذا التأثر في موقع آخر من الرواية، حيث لم يكن أمام الحكواتي أي مجال للمناورة أو للتحدث، فبدا منهكاً تماماً كحال بطله “هاني بعل” عندما اقتربت نهايته: “لم يأبه هاني بعل لهذه الخيانات العظمى من طرف معارضيه.”
جلس الحكواتي على جذع خشبي قصير لشجرة قديمة مقطوعة، ويده على خدِّه.. نظر إلى الجمهور بزاوية وجه.. بدت هيئته متهدلة، ومزاجه كئيبا.. ولكنه أكمل حكايته قائلا:
لا استطيع أن أقول لكم إن مساءكم سعيد، فقد وصلنا يا أخوتي إلى نهاية مأساوية محققة” ص156.. بهذا التفاعل بين الحكواتي وبين الجمهور، استطاع السارد الرئيس أن يوصل فكرة النهاية المفجعة للقارئ، ويمهد لأحداث جسام ستقع لهاني بعل.

السارد
هناك سارد رئيس (مسؤول) عن مجارى الأحداث وعن طريقة وشكل تقديم الرواية وأحداثها، فرغم أنه (ترك) المجال للحكواتي ليسرد الأحداث، إلا أنه كان حاضرا في الرواية، وكان يتدخل حينما يرى ضرورة لحضوره روائيا.
إذن العلاقة بين السارد الرئيس وبطله هاني بعل علاقة أدبية روائية، لهذا كانت الفانتازيا هي الوسيلة التي أعطت “صبحي فحماوي” مجالا ليكون حاضرا كسارد وكاتب في الرواية، فتم اللقاء بينه وبين بطله من خلال النوم: “قلبت جسدي النائم على الذراع الأيسر إلى الأيمن، فوجدت أن الأحلام تختلف..تغيرت الصور…شاهدته طفلا يلعب في الحارة ..”

تمثال هاني بعل الكنعاني في سنغافورة

أنا الجنين الذي حلمتَ به هذه الليلة، أعذرني إذ لم اكن استطيع الكلام وأنا في بطن أمي.. كنت أرى أبي يشد الجموع بحبال غلاظ.
وما أن غفوت ثانية، حتى جاءني في المنام.. عرفت أنه هو.. هاني بعل العظيم، بشحمه ولحمه .. كان هذه المرة في ريعان شبابه” ص40، الجميل في هذا المقطع أن هناك فانتازيا أدبية أخرجت المتلقي من أحداث التاريخ إلى عالم جديد خيالي، فكان لها أثر ناعم وهادئ عليه. هذا من ناحية، ومن ناحية أُخرى استطاع السارد من خلال هذه الفانتازيا أن يجعل هاني بعل يتحدث بحرية ومباشرة للقارئ، وهذا ما جعل كلمات/أقوال هاني بعل أكثر وقعا على القارئ بعد أن أبعد الحكواتي كوسيط لسرد الأحداث.
يقرب السارد الرئيس المتلقي أكثر من هاني بعل ومنه كاتباً من خلال هذا المقطع: “عدت من مسرح الحكواتي الكنعاني جوال إلى غرفتي في الفندق، تعمّدت في هذه الليلة أن لا أدعو أحدا من رفاقي لإكمال السهرة، إذ كنت مسكونا بأن يزورني هاني بعل الذي يشغل فكري في هذه الأيام والليالي التونسية.. لم ألبث كثيرا في نومي حتى وجدته يأتيني بشوشا متفائلا، كأنه يعرفني حق المعرفة… قال لي طيف هاني بعل: ليس الوقت الآن للطعام يا صبحي فحماوي… لا تأكل بعد المساء .. وذلك كي تنام مستريحا” ص80… هذا المفهوم سحب هاني بعل من زمن ما قبل الميلاد إلى هذا الزمن، وجعله يتحدث بعلم ومنطق عن الضرر الذي يسببه تناول الطعام قبل النوم يجعله شخصية (معاصرة/حديثة)، وهذا ما يقربه إلى القارئ الذي سيعجب بهذا الرجل العصري والحضاري، وعندما خاطب “صبحي فحماوي” باسمه الحقيقي وليس باسم روائي/مستعار، فأكد السارد على هذه المعاصرة، وهذا جعل القاريء يشعر أنه أمام شخصية حقيقة حاضرة في الواقع، إن كان في الماضي أو في الحاضر.
وبما أن السارد خرج من ثوب الرواية وتقدم من شخصيته بصفته كاتباً حقيقياً، فإن هذا الخروج يتماثل مع خروج هاني بعل من عالم التاريخ إلى الواقع الآن، فما عاشه ومرّ به من مرارة وتخاذل (قادة قرطاجنة) مررنا به نحن في هذا الزمن.
وهنا لا بد من أخذ أحداث الرواية إلى ما هو أبعد من المعرفة/المعلومة التاريخية المجردة، فما حدث ل (هاني بعل) الذي حاول أن يقف في وجه (روما)، فتعرّض للخيانة والتخاذل من قبل قادة (قرطاجنة)، وهذا ما أكده هاني بعل عندما خاطب (صبحي فحماوي) مباشرة بقوله: “صرت أعرفك يا صبحي فحماوي، وأثق بك كل الثقة.. صرتَ ظلِّي، حامل بيرقي، وكاتب روايتي لقرائك المنتمين للوطن العربي الكنعاني الأصل والفصل.. أو أنني صرت ظلك، وهاجسك… وأعتقد أن زيارتي لك ستكون سببا في نقل أفكاري، ونشر سيرتي في أحدى رواياتك التي يقرأها أهل عصرك، لهذا أتيت لأُطلعك على حقيقة هؤلاء الرومان الملقحين بالعِرق الكلتي، والعِرق الآري وباقي العروق، القادمين من بلاد الصقيع، إلى بلاد الدفء حيث يقصدون الانتشار في حوض بحرنا الكنعاني الرحب، والتوجه من هنا لاحتلال العالم كله إن استطاعوا.. ولو أنني متأكد أنهم سيُردّون على أعقابهم ولو بعد حين..” ص85، هذا التوضيح (المباشر) من هاني بعل، يؤكد على أن السارد لم يرد تقديم مادة تاريخية مجرد فحسب، بل أرادنا أن نأخذ العبرة مما جرى لقرطاجنة ولهذا البطل على يد روما، وكيف أن عدونا إن انتصر علينا فلن يبقى فينا نسمة حياة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق