ثقافة المقال

الكتلة التاريخيّة: ماهيّتها، سياقها، تعريبها السياسويّ

علاء اللامي

“يكمن خطأُ المثقف في اعتقاده أنّه يستطيع أن يَعرف من دون أن يَفهم، وعلى الأخصّ من دون أن يحسّ، ومن دون أن تثور حماستُه إلّا للمعرفة في ذاتها فحسب…” (غرامشي)
ينسب البعض مفهومَ “الكتلة التاريخيّة” إلى القائد الشيوعيّ الإيطالي أنطونيو غرامشي،(1) فيما ينسبه آخرون، مثل سلام كاظم فرج، إلى مفكّرين أقدم كابن خلدون.(2) غير أنّ الواقع المعزّز بالأبحاث النظريّة يؤكّد أنّ غرامشي ذاتَه أخذ هذا المفهومَ عن كتابات المفكّر الفرنسيّ جورج أوجين سوريل (1847- 1922)، صاحبِ كتاب تأمّلات في العنف، ومترجِمِ أعمال ماركس إلى الفرنسيّة، ويصفه البعضُ (كمحمد المصباحي) بالماركسيّ، فيما ينسبه البعضُ الآخر (وأنا منهم) إلى النقابيّة الثوريّة (اللادولتيّة ـــ الفوضويّة).

سنفرّق الان بين تعريفين لـ “الكتلة التاريخيّة”: وصفيّ، ووظيفيّ. الأول يعرّفها بأنّها ائتلافٌ واسعٌ من عدّة طبقات وفئاتٍ اجتماعيّة، وقوًى وتيّاراتٍ سياسيّة واقتصاديّة وثقافيّة، تدور في فلك طبقةٍ أو فئةٍ مهيمنة بسبب نفوذها الاقتصاديّ أو الدينيّ أو الثقافيّ؛ كما كانت عليه الحالُ في القرون الوسطى “الأوروبيّة” وعصر النهضة في مواجهة الإقطاع المتحالف مع الكنيسة وطبقاتٍ أخرى. أما التعريف الوظيفيّ فيرى أنّها ائتلافٌ يَنْشط بموجب رؤيةٍ استراتيجيّةٍ جديدة تتوحّد حول نقاطٍ برنامجيّةٍ قادرةٍ على جمع فئات المجتمع حول هدفٍ واحد؛ وتلعب الإيديولوجيا، وبعضُ المكوِّنات الثقافيّة، دورًا حاسمًا في صياغة هذا التوجّه الائتلافيّ وتمتين الوحدة بين مكوّناته.

غير أنّ غرامشي، إذ استعار “بذرةَ” المفهوم من سوريل، طوّره في سياق لحظةٍ تاريخيّةٍ استثنائيّة، هي هيمنةُ الفاشيّة الإيطاليّة، متحالفةً مع النازيّة الألمانيّة، على الحكم، وانسدادُ آفاق البديل الطبقيّ الثوريّ في مجتمعٍ وقارّةٍ يتميّزان بكيانيّةٍ طبقيّةٍ مكتملةِ الاصطفاف والتركيب (مع أخذ التفاوت الطبقيّ الضخم بين الشمال والجنوب داخل إيطاليا ذاتها في الاعتبار). لكننا رأينا عربًا، وعراقيين، يستوردون هذا المفهومَ ويحاولون تطبيقَه على مجتمعٍ مائعٍ طبقيًّا ومشوّهٍ سوسيولوجيًّا كالمجتمع العراقيّ في أيّامنا؛ مجتمعٍ سحقتْه الدكتاتوريّةُ الصدّاميّةُ وحروبُها، ومعها الحصارُ الغربيُّ الضاري، سحقًا مخيفًا، فبات أقربَ إلى الهلام الغامض. فأيّةُ علاقةٍ تربط بين “الكتلة التاريخيّة” الغرامشيّة وواقعها الإيطاليّ من جهة، وبين الواقع العراقيّ الراهن من جهةٍ ثانية، حتى سَمح البعضُ لأنفسهم باستيراد ذلك المفهوم لتسويق التحالفِ مع أحد أطراف النظام العراقيّ؟ وهل كان مفهومُ “الكتلة التاريخيّة،” أصلًا، مفهومًا سياسيًّا يؤسِّس نظريًّا لنوع من التحالفات السياسيّة، أمْ هو مفهومٌ ثقافيٌّ ضمن سياق ابتكار غرامشي لمفهوم “المثقف العضويّ” عبر تنفيذ استراتيجيّته لبناء “الهيمنة الثقافيّة المضادّة” للهيمنة الثقافيّة الطبقيّة السائدة؟

***

يمكننا بسهولةٍ أن نميّز بين بدايات مفهوم غرامشي عن “الكتلة التاريخيّة،” وهو مفهومٌ لا علاقةَ له بالتحالفات السياسيّة، وبين التأويل اللاحق لهذا المفهوم وخصوصًا في فترة صعود “الشيوأوروبيّة” في سبعينيّات القرن الماضي وثمانينيّاته. ففي حين كان غرامشي يهتمّ بمفهوم “فلسفة البراكسيس” عند الحديث عن ممارسة السياسة من منطلقاتٍ تقدميّةٍ تغييريّة، فإنّه كان يعتمد مفهومَ “الكتلة التاريخيّة” عند الحديث في الجانب الثقافيّ. وإذا أردنا أن نسهّل فهم فكرة غرامشي قلنا إنّه كان يؤصّل للموضوع على الشكل الآتي:

الدولة، بموجب الفهم الماركسيّ التقليديّ، آلةُ قمعٍ مادّيّ ومعنويّ “باسم المجتمع” بعد أن سَرقت الطبقةُ السائدةُ دورَ هذا المجتمع وهويّتَه وشرعيّتَه. لكنّها تتكوّن في الوقت نفسه من أجهزةٍ تَغْلب عليها الإيديولوجيا (المدرسة، الكنيسة، الأحزاب…)، وتَضمن للطبقات المهيمنة موافقةَ الطبقات الأخرى على قيادتها لها. الجديد لدى غرامشي هو مفهومُه المقترح حول “الكتلة التاريخيّة لبناء الهيمنة المضادة”: فإذا كان مثقّفو البرجوازيّة، في طورها التقدّميّ الصاعد قد حاربوا المثقفين المرتبطين بالإقطاع (عبر الكنيسة)، قبل أن يشْرعوا ـــ من أجل تأكيد هيمنتهم الثقافيّة الطبقيّة ـــ بمحاربة المثقف الجماعيّ، الذي هو أحزابُ الطبقة العاملة، أو إلحاقِه بهم على طريقة عمل الأحزاب “الاشتراكيّة الديموقراطيّة” الفاشلة، فإنّ على المثقفين العضويين أن يشكّلوا “الإسمنتَ العضويّ” الذي يرَبط البنيةَ الاجتماعيّة بالبنية الفوقيّة، ويتيح تكوينَ “كتلةٍ تاريخيّةٍ” ذاتِ منطلقاتٍ وطرائقَ وآفاقٍ ثقافيّة.

ومن جديدٍ نتساءل: ما علاقة هذا التنظير الغرامشيّ عن “الكتلة التاريخيّة” بالترّهات السياسيّة المحلّيّة التي يتحذلق بها ممارسو البروباغندا الحزبيّة البلهاء في العراق وبعضِ الدول العربيّة وغير العربيّة لتبرير تحالفاتٍ انتهازيّةٍ بين قوًى تسمّي نفسَها حداثويّة وتقدّميّة وعلمانيّة ومدنيّة (وبعضُها متورّطٌ في خدمة مشاريع احتلالٍ أجنبيّة لبلاده)، وبين قوًى سلفيّة رجعيّة تُشْهر عداءها للعَلمانية والمدنيّة واليسار وتقود الحكمَ الفاسدَ أو شاركتْ في تأسيسه؟! إنّ الذين يُقَوّلون غرامشي مالم يقله ويجعلون كلامَه عن “الكتلة التاريخيّة” مبرِّرًا لسياساتهم السالفةِ الذكر سيَعْجزون عن الإتيان بمثالٍ واحدٍ على تحالفٍ سياسيٍّ من هذا القبيل دعا إليه أو شارك فيه غرامشي وحزبُه الشيوعيُّ الإيطاليّ حتى مع أقرب الأحزاب العمّاليّة اليساريّة إليه كالحزب الاشتراكيّ الديموقراطيّ؛ بل هو لم يحاول قطّ دمجَ (أو إلغاءَ) التكتّلات الثلاثة العريقة داخل الحزب الشيوعيّ الإيطاليّ نفسه!(3)

***

فإذا انتقلنا إلى محمد عابد الجابري فوجئنا بتناوله موضوع “الكتلة التاريخيّة” تناولًا بعيدًا عن كتاباته المنهجيّة المعروفة. فمنذ بداية نصّه المعنون “الكتلة التاريخيّة… بأيّ معنى؟” يكتب: “إنّ ما يحتاج إليه النضالُ العربيّ في المرحلة الراهنة [المقصود ثمانينيّات القرن الماضي] هو في نظري شيءٌ أقربُ إلى ما سمّاه غرامشي بالكتلة التاريخيّة.” لكنْ ما هو هذا الشيء الـ”أقرب”؟ وكيف نقيس قربَه أو بعدَه عن الجذر الجوهريّ حين يوظّفه الباحث لخدمة مفهومٍ فضفاضٍ هو مفهوم “النضال العربي”؟

ثم نقرأ للجابري كلامًا يجعلنا إزاء مفهومٍ مختلفٍ جذريًّا عن مفهوم غرامشي: “الكتلة التاريخيّة… كتلة تجمع فئاتٍ عريضةً من المجتمع حول أهدافٍ واضحةٍ تتعلّق أوّلًا بالتحرر من هيمنة الاستعمار والإمبرياليّة، السياسيّة والاقتصاديّة والفكريّة؛ وتتعلّق ثانيًا بإقامة علاقاتٍ اجتماعيّةٍ متوازنة يحكمها ـــ إلى درجةٍ كبيرة ـــ التوزيعُ العادلُ للثروة في إطار مجهودٍ متواصلٍ للإنتاج.” هنا، نحن بعيدون كلَّ البعد عن “الكتلة التاريخيّة” الغرامشيّة، وفي حياض النثر السياسيّ الباهت والسائد في أدبيّات الأحزاب اليساريّة والقوميّة في تلك الفترة.

وحين يحاول الجابري تبيانَ البعد العمليّ لمفهوم “الكتلة التاريخية” يقول: “إنّ الخطأ الذي ارتكبه الوطنيّون الليبراليّون والقوميّون والماركسيّون العرب، في الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن الماضي، والمتمثّل في إقصاء وتهميش التيّارات الإسلاميّة، تقترفه بدورها الثورةُ الإسلاميّةُ في إيران… وذلك حين أخذتْ في إقصاء حركة مجاهدي خلْق ذاتِ التوجّه الماركسيّ، وشخصيّاتٍ وطنيّةٍ ليبراليّةٍ وازنة، مثل مهدي بازركان، ثم أبي الحسن بني صدر، إضافةً إلى تهميش وتجميد شخصيّات إسلاميّة متفتّحة مثل آية الله شريعاتي ثم آية الله منتظري…” ثم يصل الباحث إلى استنتاجٍ ذي رائحةٍ حتمانيّةٍ قويّة، ويقدّمه بمثابة الوصفة الناجعة التي تضمن نجاحَ ما يسمّيه حركةَ “التغيير في المجتمع العربيّ،” فيقول:

“إنّ أيّ حركة تغيير في المجتمع العربيّ الراهن لا يمكن أن تضْمن لنفسها أسبابَ النجاح… إلّا إذا انطلقتْ من الواقع العربيّ كما هو، وأخذتْ بعين الاعتبار الكامل جميعَ مكوّناته، ‘العصريّةَ’ منها و‘التقليديّة،’ النخَبَ منه وعمومَ الناس، الأقليّاتِ منه والأغلبيّات، صفوفَ العمّال وصفوفَ الطلاب، وقبل ذلك وبعده صفوفَ المساجد…صفوفَ المصلّين.”

وليس أدلَّ على تبلبل هذا الاستنتاج ـــ مع وافر احترامنا للباحث الراحل وإنجازاته الفكريّة المهمّة في ميادينَ أخرى ـــ من هذا الجمع العجيب بين صفاتٍ ومسمَّياتٍ عديدةٍ في “كتلةٍ تاريخيّة” ينضّد الجابري داخلها: العمّالَ والطلبةَ وصفوفَ المساجد والمصلّين! ولكنْ أين نضع مثلًا عمّالًا وطلبةً يصلّون، وبرجوازيين لا يصلّون ولا يصومون؟ وأيّ علاقة يمكن اكتناهُها بين هذه المسمَّيات والصفات؟

***

مع محمد المصباحي نقرأ محاولةً وصفيّةً نقديّةً تتّسم بالكثير من الرصانة والدقّة التوثيقيّة لمفهوم “الكتلة التاريخيّة،” محافظًا على الجوهر الثقافيّ البدئيّ لها. لكنّه يجعل المفهومَ أكثرَ التباسًا حين يكتب عن إمكانيّة تأليف “كتلة إيديولوجيّة” و”كتلة ثقافيّة” و”كتلة فلّاحيّة” و”كتلة اجتماعيّة،” ويضيف: “كما يمكن الكلامُ، كما فعل غرامشي، عن كتلة وطنيّة شعبيّة تقوم في مواجهة كتلة كاثوليكيّة إقطاعيّة، وعن كتلة عالميّة، هذا فضلًا عن الكتلة التاريخية.” ثمّ يحاول جرَّ المفهوم إلى الميدان السياسيّ والإيديولوجيّ على حساب جوهره الثقافيّ، بكثيرٍ من العسف والخفّة الأكاديميّة، وخصوصًا حين يضرب أمثلةً سياسيّةً عن بعض التطبيقات التحالفيّة السياسيّة قبل (أو خلال) عمليّات تغيير جماهيريّة سلميّة ومسلّحة مشهورة في العالم المعاصر ولكنْ لا علاقة لها بالمفهوم الغرامشيّ، فيقول:

“يقدِّم لنا التاريخُ المعاصر في أوروبا وأميركا اللاتينيّة وأفريقيا والعالم العربيّ الإسلاميّ عدّة أمثلة عن قيام كتلٍ تاريخيّةٍ لإنجاز مهامّ إستراتيجيّة في بلدانها. فقد كان مطلبُ التعدّديّة السياسيّة والنقابيّة في وجه احتكار الحزب الواحد لمجال السلطة السياسيّة في بولونيا هو الذي عبّأ البولونيين حول نقابتهم المعارضة في غدانسك لتكوين كتلة تاريخيّة لإطاحة النظام. كما كانت مقاومةُ نظام الميز العنصريّ سعيًا وراء الحصول على مواطنة متساوية مع البيض هي التي دفعتْ سكّانَ جنوب أفريقيا الأصليين إلى تكوين كتلة تاريخيّة لتقويضه… ولعلّ انتفاضات الربيع العربيّ لها شيءٌ من معنى الكتلة التاريخيّة…”

والواقع أنّنا لو أخذنا بطريقة المصباحي في ضرب هذا النوع من الأمثلة على الكتلة التاريخيّة لأمكننا اعتبارُ هجوم قريش وحلفائها في غزوة الخندق (5 هـ / 627م) مثالًا على وجود “الكتلة التاريخيّة” ـــ وهنا سنبلغ ذروة الطيش النظريّ والتحليلي!

على أنّ انعدام الدقّة في التمثيل لدى المصباحي لا يعني خلوَّ محاولته من الأسئلة الرصينة والتحليل الجادّ لمحاولة الجابري، أو لعرض المفهوم الغرامشيّ الأصليّ، مشيرين إلى أنّنا لا ندافع عن مفهومٍ “أصوليّ غرامشيّ ما” بقدر تعلّق الأمر بمنهجيّة التحليل النقديّ التي نتبنّاها. غير أنّ تنظير المصباحي لا يخلو من التبريريّة والإرادويّة في مواضع مهمّة، وخصوصًا عند كلامه على ما يسمّيه “التركيب التوافقيّ والشموليّ للكتلة التاريخيّة.” فهنا يتجلّى جوهرُ محاولته استبدالَ الوقائع بتصوّرات ورغائبَ جلُّها ذاتيّ، كالقول إنّ الجابري كان يحرص على أن “لا يستثني أحدًا منها، لا أصحابَ المال ولا الكادحين ولا الثوريين ولا حتى أولئك الذين هم الآن في مواقع السلطة ويشعرون بضرورة قيام نوع من التعامل الجديد مع شعوبهم ومع خصومهم، تحقيقًا لمشروع سيكون من أولى مهامّه، لا تحقيق الوحدة العربيّة والإسلامية، بل الحفاظ على الوحدة الوطنيّة في كلّ قطر عربيّ.” ويمكننا أن نمضي قدمًا في تقصّي فهم المصباحي للكتلة التاريخيّة ولفهم الجابري كما رصده المصباحي إلى درجة التمازج بين الفهمين.

***

لقد طرح غرامشي مفهومَ “الكتلة التاريخيّة” في سياقٍ ثقافيّ إيديولوجيّ أخلاقيّ محدّد، هو إطار بناء “الهيمنة المضادة.” وهذا ما نجح في توضيحه الباحثُ العراقيّ حيدر علي محمد، مستعينًا بباحثةٍ أخرى يُكثر من الاستشهاد بها، هي د. أمينة رشيد. سأحاول أن أقدّم الآن خلاصاتٍ لما طرحة علي ورشيد لهذا المفهوم تسهيلًا لفهمه، تاركًا للقارئ مهمّةَ المقارنة مع المصادرات المعاصرة، ومكرَّرًا أنّني لا أدافع عن “أصوليّةٍ غرامشيّة” ما، بل أسعى إلى فضح تهافت المصادرات الحزبيّة المعاصرة التي سطت على هذا المفهوم محاولةً توظيفَه سياسويًّا وفي غير مقاصده:

ـــ فالجانب الأول لتحقيق الهيمنة الثقافيّة المضادّة يتطلّب تكوينَ “مجموعةٍ من المثقفين المستقلّين. وهذه المهمّة تتطلّب جهدًا شاقًّا بين الأفعال وردود الأفعال، بين الانتماءات والتكوينات الجديدة الشديدة التركيب…”

ـــ أما الجانب الثاني فيتركّز في ممارسة الهيمنة. تكتب رشيد: “إنّ الهيمنة إذن هي موقع الصراع الاجتماعيّ. فهناك طبقة سائدة تمارس الهيمنة عبر ‘المجتمع المدنيّ،’ وهناك طبقةٌ أو طبقاتٌ مَسُودة تحاول طليعتُها الثوريّة أن تشكّل هيمنةً جديدةً لها فكرُها وأخلاقيّاتُها وفعلُها الجديد. ويحدث ذلك في داخل هذه التكوينة التي أطلق عليها غرامشي تسمية ‘الكتلة التاريخيّة’ التي يعرّفها بالتالي: ‘تكون البنيةُ والبنى الفوقيّة كتلةً تاريخيّة؛ أيْ إنّ المجموع المركّب، المتناقض، المتنافر، للبنى الفوقيّة، هو انعكاس لمجموع العلاقات الاجتماعيّة للإنتاج…’ على حدّ تعبير غرامشي.”

ـــ دور “المثقف الثوريّ” إيجادُ ثغرات في الكتلة السائدة من أجل تكوين كتلة جديدة، بينما يعمل الفيلسوفُ الليبراليّ على صياغة الكتلة بإعطائها الاتساقَ، كما فعل كروتشه مثلًا، جاذبًا لجزءٍ أساسيٍّ من المثقفين الإيطاليين الجنوبيين في إطار جهده في تكوين “هيمنة ليبراليّة.” وتقع “مهمّةُ غزو الهيمنة على عاتق الحزب السياسيّ، كالمثقف الجمعيّ الذي يحلّل قوى الفترة التاريخيّة المعيّنة [من أجل تغيير الواقع]…” (4)

فأيُّ علاقةٍ يمكن أن تنعقد بين هذا التفكير الغرامشيّ لبناء الكتلة التاريخيّة في سياق تفكيك هيمنة ثقافيّة سائدة وبناء هيمنة جديدة تغييريّة طالعة، وبين ما تطرّقنا إليه من مصادرات سياسيّة انتهازيّة تهدف إلى تلفيق صفقات وتحالفات سياسويّة بين أحزاب وقوًى داخل (وعلى مقربةٍ من) نظامٍ تابعٍ أوجدتْه سلطاتُ احتلالٍ عسكريّ وسياسيّ أجنبيّ، كما هي الحالُ في عراق اليوم؟!

جنيف

(1) وُلد سنة 1891 ومات في 26 أبريل 1936 في سجون الفاشيّة الموسيلينيّة تحت التعذيب “مجازًا” لا حقيقةً؛ فهو كان مريضًا بخمسة أمراضٍ مزمنة: السلّ، وتصلّب الشرايين، وضغط الدم، والنقرس، والخناق… إضافةً الى اضطراباتٍ معويّةٍ حادّة. وكان يتعرّض للقتل البطيء من خلال الإهمال الطبّيّ المتعمّد في تلك السجون. وحين نُقل إلى المشفى في أيّامه الأخيرة كان عاجزًا عن الحركة والكلام.

(2) يخلط فرج خطأً بين هذا المفهوم ومفهومِ “العصبيّة” الخلدونيّ، وبين الأول ومفهوم تكتّل الطبقات في التاريخ لدى ماركس وإنجلز.

(3) في حزب غرامشي كانت تتنافس دائمًا ثلاثُ كتلٍ لها أطروحاتُها المستقلّة، كما في المؤتمر الحزبيّ سنة 1924، الذي شاركتْ فيه كتلةُ اليسار بزعامة بورديغا، والوسط بقيادة تولياتي، واليمين بقيادة تاسكا. وكان غرامشي قريبًا من كتلة تولياتي آنذاك!

(4) من كتاب ندوة القاهرة: غرامشي وقضايا المجتمع المدنيّ، ص 200.

* علاء اللامي: كاتب عراقيّ يقيم في سويسرا. له العديد من المؤلَّفات في الأدب والبحث العلميّ في التاريخ والتراث واللغة، منها: دليل التنشيز، سيرة اليمامة البابليّة (شعر)، قصائد حب باتجاه البحر (شعر أجنبيّ مترجم)، إيجابيّات الطاعون (نصوص مسرحيّة)، نصوص مضادّة دفاعًا عن العراق، نقد المثلّث الأسود (مقالات)، السرطان المقدّس: الظاهرة الطائفيّة في العراق من المتوكّل العباسيّ إلى بوش الأمريكيّ (دراسات)، المبسَّط في النحو والإملاء (لغة)، موجز تاريخ فلسطين منذ فجر التاريخ حتى الفتح العربيّ الإسلاميّ (تاريخ)، نقد الجغرافيا التوراتيّة خارج فلسطين (تاريخ).

*الآداب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق