قراءات ودراسات

انزياح مفهوم النَّار في رواية أَفاعي النَّار

حكاية العاشق علي بن محمود القصَّاد لجلال برجس

أحمد أَبو سليم

في الأُسطورة الإغريقيَّة يُشدُّ بروميثيوس إلى صخرة في جبال القوقاز، بأَمر من زيوس، كبير الآلهة، لأَنَّه علَّم الآدميِّين فنَّ النَّار، ويرسل له زيوس، عقوبة له، نسراً ينخر قلبه.
يتحدَّى بروميثيوس حتَّى وهو مقيَّد ربَّ أَولمبيس، ويستعرض كيف أَخرج النَّاس الَّذين كانوا يعيشون في ظلمة الكهوف من الظُّلمة إلى النُّور، وعلَّمهم كيف تشرق النُّجوم، واخترع لهم العدد باعث الفلسفة، وتركيب الحروف، ووهب لهم الذَّاكرة، وذلَّل لهم الحيوانات، وعلَّمهم الفنون.
وحسب علماء الاجتماع، فإنَّ الإنسان قد انتقل من مرحلة البدائيَّة الحيوانيَّة إلى المراحل الإنسانيَّة الأُولى مع اكتشافه للنَّار الَّتي هيَّأت له ظروفاً إنسانيَّة لم تكن موجودة من قبل.
وبذلك فقد أَصبحت النَّار حسب الميثولوجيا رمزاً للمعرفة، وصولاً إلى تمدُّد الأَديان السَّماوية، حيث سيصبح مفهوم النَّار، دينيَّاً، شكلاً لعقاب البشر، حيث ارتبطت بها مادَّة إبليس الأُولى الَّتي خلق منها، وارتبطت باسمها جهنَّم الَّتي يوعد بها البشر، في الدِّيانات الثَّلاث، وبذلك، مع إعادة ربط الأُسطورة بالموروث الدِّينيِّ، سنجد أَنَّ النار تعود إلى سيرتها ضمن انزياح محدَّد، وهو أَنَّ الإنسان مكلَّف ضمن حدود العقل، وأَصبح كذلك نتيجة لعقوبة العصيان الَّتي مارسها آدم وحوَّاء، وأَنَّ عقوبة هذا العصيان هو النَّار، وكأَنَّ النَّار هي المعرفة الَّتي ستكون عقوبتها النَّار، أَي، بالمعنى الأَرسطيِّ نار = نار، وبذلك نعود إلى مركز الدَّائرة الأُولى، حيث النَّار تمثِّل المعرفة، وتمثِّل، هي ذاتها العصيان، فتصبح المعرفة هي العصيان، لكنَّ الدِّيانات السَّماوية تذهب إلى تحوير مفهوم النَّار، حسب الأُسطورة، لتفرِّق بذلك بين النُّور والنَّار، حيث إبليس صاحب النَّار رمز الشُّرور، والملائكة المخلوقة من نور، كما الإله يقول جلَّ وعلا: الله نور السَّموات والأَرض.
علي بن محمود القصَّاد، سيتعرَّض للنَّار ثلاث مرَّات، كعقوبة، ينجو منها في المرَّة الأُولى، ثمَّ يحترق في الثَّانية، ويتشوَّه شكله، ويصبح أَشبه بوحش بشريٍّ، وفي الثَّالثة يموت.
إنَّه ذلك الشَّخص الَّذي يتمرَّد على واقعه، بكلِّ تلك الأَحاسيس الَّتي يملكها، والرَّهافة، والعلم الَّذي يحاول أَن يواجه به جهل المجتمع، والحبِّ الَّذي يحاول أَن يجعل منه أَداة لمواجهة جحيم الواقع، فيتحوَّل إلى أُسطورة الرَّجل المبروك.
وبذلك سيثبت عليُّ ما ذهبنا إليه، فهو الَّذي يمثِّل المعرفة في بلاد لا تعرف المعرفة، وصولاً إلى قرية مفعمة بالجهل، يسيطر على الأذهان فيها الغول الَّذي لا يعرف أَحد إن كان قد نما داخل الإنسان فسيطر عليه أَم خارجه فافترسه، وسيتساوى فعل علي بالنَّار مرَّتين: الأُولى في إحراقه، والثَّانية في سبب إحراقه، وهو المعرفة، حيث يلجأُ جلال كما قلنا إلى التَّحوير الدِّينيِّ للنَّار باتِّجاه النُّور كقوَّة للمعرفة.
تحتلُّ النَّار مكانة خاصَّة في الرِّواية، بدءاً من العنوان: أَفاعي النَّار، بما تشكِّله كلمة أَفاعي من دلالة سلبيَّة للنَّار، وليس انتهاء بالنَّار الَّتي اشتعلت في بيته ثلاث مرَّات، وتتكرَّر مفردة النَّار، ويتكرَّر فعلها، والأَفكار الَّتي تبثُّها، أَو تُبثُّ حولها، وهناك مثلاً، النَّار الَّتي اشتعلت في بيت خاطر أَيضاً، الرَّاوي، وحوَّلت حاسوبه إلى شيء يشبه الوحش، منكمش على نفسه، يقبع في زاوية الغرفة، ويعيد تشكيل وعي خاطر، لأَنَّه المعادل الموضوعيَّ لابن القصَّاد، والنَّار الَّتي زعمت بارعة أَنَّها حلمت بها، لكنَّها كانت قد عاشتها مرَّتين بالفعل مع ابن القصَّاد.


وهناك أَيضاً تلك المقولات المتكرِّرة عن النَّار:
“ثقيلة أنت يا ذاكرة الحبِّ، في دخانك أُغنِّي وأَحترق، أَما الآخرون فلا يرون فيك إلا لهباً يدفِّئ أَرواحهم الباردة”…مستعارة من آنا أخماتوفا.
“وكأَنَّ جزءاً من ذاكرتي احترق مع مقتنيات غرفتي” ص 25
“النَّار لا تأكل إلاَّ ما تراه العين، لذلك تصاب بالجنون حينما لا تجد سبيلاً إلى ما نداريه دواخلنا” ص 41.
وأَبي حطمة…لقب القصَّاد يعني أَبا النَّار، إذ يمثِّل أَبو حطمة هنا قانون الصِّراع الأَزليِّ بين النُّور والنَّار.
تحترق ذاكرة خاطر مع الحريق الَّذي شبَّ في بيته وأَخذ معه حاسوبه الَّذي دوَّن فيه روايته، بنسخة وحيدة، وفقدها، وكاد يفقد عقله معها، فاختلط عليه الأَمر، إن كان قد كتب أَفاعي النَّار، أَم حكاية العاشق محمود بن القصَّاد، الَّذي سيثبت في نهاية الأَمر أَنَّه لسبب ما يعيش داخله، لأَنَّه كان يعيش داخل أُمِّه من قبل، وستثبت أَيضاً تلك العلاقة الوثيقة بين القصَّاد، وبين النَّار، بدلالتيها، كعقوبة كما جاء في الدِّيانات السَّماوية، وكمعرفة كما جاء في الأُسطورة.
يقول القصاد وهو يقف يتأمَّل وجهه أَمام المرآة:
“من أنا هل هذا الوجه الماثل في المرآة بعد أَن أتت عليه نار شرهة، فأحالته إلى ملامح ليست لي، هو لي؟ أَين وجهي؟ هويَّتي؟ كلمتي الأُولى قبل أَن أَشرع بقول أَيِّ كلام؟ ها أنتَ محض ناج فاشل، من حرب بين النُّور والظَّلام”
لقد تأسَّست الرِّواية على مفهوم النَّار، وكأَنَّ النار بطل رئيسيٌّ يضاهي بقيَّة شخصيَّاتها بل يتفوَّق عليهم، إذ من قلب النَّار، تخرج الحكاية الَّتي لم تستطع النَّار رغم قوَّتها أَن تأتي على كلِّ تفاصيلها، فكيف للنَّار أَن تأكل النَّار؟
ثمَّة معرفة متراكمة عبر مئات السَّنوات، بل آلاف السَّنوات، عبَّأَها ابن القصَّاد في الورق الَّذي نجا من النَّار، لأَنَّه يشكِّل نار المعرفة، الَّذي يتحوَّل حسب المفهوم الدِّينيِّ أَيضاً إلى نور، فتلقَّفته يدا الحكَّاءة الَّتي سيثبت في نهاية المطاف أَنَّها بارعة.
سيقدِّم جلال برجس من خلال آليَّة سرد متداخل، سلس، أُسطورة النَّار كمرجعيَّة للواقع تُحاكم على أَساسها الوقائع.
فثمَّة ابن القصَّاد الَّذي وقع في حبِّ بارعة، ما جعل أخوتها يقومون بحرق بيته، في محاولة لحرقه، دفاعاً عن شرفهم أَمام المجتمع، لينجو من النَّار الأُولى، ويسافر خوفاً على حياته إلى باريس، ويكمل علومه فيها، ثمَّ ليعاد حرق بيته مرَّة أُخرى بتهمة الإساءة إلى الدِّين والعادات والتَّقاليد، رغم أَنَّ العمليَّة كانت انتقاماً شخصيَّاً مبطَّناً من زوج بارعة السَّابق، لأَسباب شخصيَّة، ويصاب في الحريق بعاهة دائمة، ويتشوَّه شكله، ثمَّ يعود إلى عمَّان الَّتي تلفظه، ويقرِّر العودة إلى قريته، ليواجه هناك وحش الخرافة والجهل، وغول الإهمال.
وثمَّة على الطَّرف الآخر أَشقَّاء بارعة، وزوجها، ومحمَّد القميحي الَّذي خدم في أَفغانستان، وجماعة الإرهاب الَّتي تحاول أَن تجرَّ العالم نحو الظَّلام.
إنَّ محاولات الحرق الثَّلاث ليست إلاَّ محاولات لإنهاء كلِّ ما يمثُّله القصَّاد من حريَّة للتَّفكير، وتمرُّد على الواقع، ومحاربة للفقر والجوع والتخلُّف.
كلُّ محاولاته في القرية لإخراج الغول من وعي البشر باءت بالفشل، لأَنَّ الغول هو جهل هؤلاء البشر الَّذي يعشِّش في أَعماقهم، لذا، ستنجح محاولة إحراقه الثَّالثة، وسيموت، لكنَّه سيموت بعد أَن يترك بذرة ما، يزرعها بدمه في أَرض بور، علَّ هذه البذرة تنمو في يوم ما، وتتغلَّب على رائحة الواقع النتنة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق