ثقافة المقال

الهند.. بقرة فكتوريا السمينة

وديع العبيدي

(1)
الامتعاض هو الانعكاس الغالب لقارئ المصنفات العربية عن الاقوام والشعوب القديمة. ذلك الامتعاض هو دالتنا الانسانية وانحيازنا لما يدعى مساواة البشر ومواثيق حقوق الانسان. ذلك هو ايضا مبرر نظرتنا الدونية لذاتنا القومية، وموقفنا النقدي المنفصم لاصول ثقافتنا العربية والاسلامية، قديما وحاضرا.
كأن لسان حال ذلك الامتعاض يقول: نحن لسنا افضل شأنا من الهنود، والعرب ليسوا اكثر رقيا من الهنود!. وسوف نجد ذريعة اخرى للاحتداد والتهكم على موقف معروف الرصافي:
تجوز سيادة الهندي فينا…. واما ابن البلاد فلا يسودُ
إذن فالهند اشرف من بلادي.. وافضل من بني قومي الهنودُ
وعرب اليوم.. اقصد/ عراقيو اليوم اكثر دراية وقناعة بمساواتهم مع الهنود، بل بأفضلية الهنود عليهم. وثمة فارقا هائلا، بين مقارنة الذات بمثال أدنى، منها بالمقارنة مع طرف اسمى.
عرب التراث كانوا يضعون من مواقع غيرهم، ليبزوهم مكانة، ينتقون فضائلهم في مقابل معايب غيرهم. فظهرت مقولة [العرب خير العالمين!] و [كنتم خير أمة!]. والعرب القدماء ما زالوا اصل عرب اليوم، وثقافتهم النظرية يفترض انها نفسها ثقافتهم اليوم.
ولكن المفارقة.. ان نظرتهم للهنود وأنفسهم، وموقفهم من غير الهنود والعالمين، ليست هي نفسها!.
والسرّ في تلك المفارقة، [إما.. أو..]: اما ان العرب تطوروا عن بداوتهم الاولى وتمدنوا بحيث اختلفت نظرتهم للعالم، واما انهم تردوا في الانحطاط، بحيث صاروا يرون الهنود وغيرهم اكثر رقيا منهم!.
سواء شئنا ام لا، فان واقع حالنا يؤكد الامرين، وذلك نكاية بالسيرن كيركجود، بحيث ان كلا من [اما.. أو..] صحيحة تماما في راهن العرب. نعم.. لقد تطورنا غاية التطور، بحيث نقارن انفسنا بالامم المتقدمة، كما اننا تردينا غاية التردي، بحيث اصبحنا في مؤخرة الامم، وصار الهنود مثالا لنا وقدوة!.
ويمكن تأكيد ذلك في مثالين:
1- الهنود هم الداينمو المحرك للماكنة الخليجية الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية.
2- الهنود هم الداينمو الرئيس في تشغيل الاقتصاد البريتاني وادارة مؤسساته الوطنية- (قطاع المال والاعمال داخل انجلتره).
3- الهنود هم صدارة الهرم الاثيني والجدول العرقي للدولة الانجليزية في كل مجالات الحقوق والامتيازات الممنوعة على العرب.

لابد ان ثمة احصائية مفصلة عن دور وحجم القوى البشرية الهندية في الجيش البريتاني الفكتوري، فضلا عن طاقم الخدم والعبيد في المجتمع الفكتوري. هذا التفوق الهندي انعكس في تحفيز رغبات افراد الادارة الكولونيالية الانجليزية في اختيار الهند للاقامة والمعيشة وبناء قصورهم الفارهة فيها، كما في جنوب افريقيا العنصرية. فنتجت اجيال من الانجليز والبرتن من مواليد الهند.
وعندما استقلت الهند وباكستان شكليا عام (1945م) بدأت العوائل الانجليزية الكولونيالية في مغادرة الهند الى جنوبي افريقيا العنصرية او الولايات المتحدة الاميركية او المملكة المتحدة، مستقدمة معها طراز البناء الهندي والشاي والبخور والبهارات.

(2)
لقد كان احتلال الانجليز لشواطئ الهند، من غير مقاومة حقيقية، صدمة للانجليز انفسهم. ولحين من الدهر، كان القراصنة متوجسين، متشككين، من حقيقة خضوع بلاد عظيمة بمساحة شبه جزيرة الهند وما تتوفر عليه من شعوب ومجتمعات وموارد اقتصادية للتاج الانجليزي.
ولكنهم عندما تأكدوا من خنوع الهند وغياب فكرة المقاومة والثورة ضد المحتل، بدأوا في نسج احلامهم الوردية ومشاريعهم الامبراطورية. فالهند هي مفتاح الامبراطورية الانجليزية، ، وليس جزيرة استراليا الخاوية.
ومن خلال تجنيد الهنود في خدمة التاج قامت انجلتره ببدء احتلال جنوبي افريقيا وبناء مستعمراتها البيضاء في روديسيا وموزمبيق. واعتماد جماعات الهنود لاستيطان جنوبي وغرب افريقيا، ضمن المؤسسات العسكرية والمدنية.
وفي مجال امتزاج العروق، تشكلت جماعات هندية مهجنة، مع اصول اثنية غير هندية. وظاهرة مواليد هنود خارج الهند، ممن كان اباؤهم يخدمون التاج في تلك الارض. ويحظى هؤلاء بالاولوية والامتياز في القوانين الانجليزية والمعاملات المدنية المختلفة، جزء ومكافأة على ولاء اهاليهم للمحتل.
فلولا الهند لما امتدت واستعرضت امبرطورية التاج، ولما كان مصير العرب وبلادهم، فريسة ترانزيت المصالح الامبراطورية. فكيف لا تشكر الحكومة الانجليزية الهند وتكون مدينة لمجتمعاتها. وكيف لا تجعل الهند ومجتمعاتها، مثالا لسكان المستعمرات للتعلم منها والحذو حذوها، باستقبال المحتل بالورود، والاناشيد، والشعارات والفتاوي الخيانية.
ما يفوت عيون الانجليز والاميركان، ان الهند ما زالت تعاني من فنون المجاعة والكوارث والتخلف الاجتماعي والتناحر الديني بعد قرون من وقوعها تحت نعمة الاحتلال الانجليزي.
هذا هو الدرس الذي حاول العراقيون تطبيقه مع سادتهم الاميركان، للفوز بنعمة الزواج والمتعة والهجرة في الفردوس الامريكي. فلماذا الاستغراب اذن، من تردي العراق الشامل بعد مرور اربعة عشر عاما على غزوة محرم مبارك.
ولا شك ان العراقيين، وليس الهنود، سيكونون اصحاب الامتياز الاكبر في القوانين الامريكية، على غرار امتياز الهنود في انجلتره.
هذا يجعل من الخنوع والعبودية، – وليس الرفض والتمرد والعصيان- باب النعمة والسعادة الابدية، في قوانين الاحتلال الانجليزي والاميركي، كما في شرائع الخنوع والعبودية الدينية التي تسوغها وتروج لها ما تدعى شرائع سماوية.
واذا كانت الهند تنوء من خصوبة الانجاب الجهنمية وملايينها التي تجاوزت المليار، فلابد لقفاها من الانحناء اكثر واكثر، ويكون الميل للهروب والانانية والبحث عن مستقبل شخصي، باب خلاص وحيد من مصير الاغلبية الجائعة.
المفارقة هنا، في مثال الهنود، انهم ابعد الناس عن السياسة، والادنى تحدثا في الاساسيات التي ترفع البشر وتبني المجتمعات، وهي الاكثر رسوخا في مستنقعات الدين وعبودياته، – ليس الهندوس والبوذية والسيخ والاسلام، وانما عقيدة الكاثوليك الانجليكانية التي زرعها الاحتلال الانجليزي في غرب الهند-.
لقد كان اولى، ان تبدأ الثورة الاشتراكية من الهند، وان يكون نظامها العبودي الاقتصادي والاجتماعي، كانون الانتفاضة والتمرد والنهوض لتحسين انماط المعيشة، واكتساب القيمة الاجتماعية والاحساس بالكرامة والاعتزاز، بدل التسليم للخنوع والمذلة، والمشيئة القدرية التدميرية.
فمهانة الهنود كانت اعمق واكبر من مهانة فلاحي روسيا القيصرية، ولكن الوعي السياسي والوطني والانساني، ودور المقفين الروس كان اكبر من مقابله الهندي. فأين هم مثقفو الهند اذن، اين هي طليعتهم السياسية، هل لديهم حزب طبقي او بروليتاري، وماذا يعمل؟..
لقد عاشت ملايين الهنود خارج حركة التاريخ قرونا، وغابوا تماما عن منتجات التمدن والحضارة والثقافة العصرية، التي بقيت حكرا للطبقات الارستقراطية وما فوق المتوسطة في افضل الاحتمالات.
اما المظهر الاخر لعبودية الهند، هو اعتمادها اللغة الانجليزية لغة رسمية، رغم تعددية لغاتها وعراقة تقاليدها وفلسفاتها التي زادت سلبية ورجعية مع الوقت.
الهند وقصتها مع التطور والاحتلال والعبودية، ظاهرة مميزة وغريبة، تتحدى المنطق والعقل والديالكتيك، ولكنها تخدم الظاهرة الاستعمارية ونشأة الامبراطوريات القائمة على الشر والعدوان.

(3)
غريب هو صمت التاريخ عن اصول الهند القديمة وجذور شعوبها ومعتقداتها الدينية الراسخة. فنسبة لما يعرب عن تاريخ بلدان النيل والميسوبوتاميا والصين، بقيت تواريخ الهند من الصفحات المجهولة، رغم خضوعها للاحتلال الانجليزي منذ القرن السابع عشر الميلادي.
ولما كان للبحاثة الانجليز دور في حفريات التاريخ حول العالم، يبقى لغز احجام الانجليز عن كشف تواريخ قدامة الهند مثارا للغرابة والاستفهام. كما ان سيطرتهم على شبه الجزيرة، اعاق البحاثة الاخرين من الاقتراب منها.
لا احد من سكان المستعمرات، يجرؤ على سؤال الانجليز، على ما فعلوه وما لم يفعلوه في بلدانهم. ولا يعنى للغرور الانجليزي احترام من يسألهم او يعترضهم او يشكك في سياساتهم وممارساتهم المنزلة، طالما تضمن لهم السيادة والهيمنة الابدية على قفا الزمن.
من هذا المنظور يكون العرب القدماء من اوائل المهتمين بالهند وعارفي اصولها، والناقلين من معارفها وبهاراتها وقواها البشرية نحو الغرب. ورغم ان العرابيا هي قبلة وحاضنة العمالة والشبيبة الهندية منذ سنوات طويلة، قبل انتقالهم منها غرب العالم، ومنه انجلتره، فأن الثقافة العامة للهنود مضمخة بكراهة العرب – على الشبهة-، مقابل الانحياز للانجليز والمبالغة في توقيرهم.
في هاته المفصلية الدقيقة، لا اجزم بنسبة اسباب الكراهة الهندية وزرايتهم بالعرب، لأي من..
1- احتلال العرب المسلمين لبلاد الهند والسند في ايام بني العباس.
2- الثقافة الكولونيالية الانجليزية وتحقيرها للعرق العربي والدين الاسلامي.
3- التجارب الشخصية والعامة للشغيلة الهندية في مجتمعات العرابيا.
4- مشاعر عدائية ناتجة عن امتلاك العرب المتخلفين للثروات النفطية، مقابل فقر الهند وتصنيفها ضمن خرائط المجاعة والمرض- [مع صمت الهنود على النهب الكولونيالي الانجليزي لهم].
قبل ان تظهر البلدان الغربية الحديثة للوجود، وقبل ان يعرف شيء اسمه [مملكة متحدة، ولايات متحدة]، كانت الملاحة التجارية العربية تتصدر التجارة بين شواطئ الهند ومسقط وعدن وصولا الى شواطئ افريقيا وموانيء زنجبار.
وهذا يفترض عمق العلاقات التاريخية بين العرابيا والهند، وانعكاسات تلك العلاقات ثقافيا واجتماعيا وسياسيا. وهي اصول قابلة للنمو والازدهار وبناء ارضيات للتوافق والاتفاق والتلاحم اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا.
فشل العرب في توظيف هاته الامكانيات التاريخية، من مظاهر عطبهم العقلي والقومي، وتحولهم، بدلا منه، الى مجرد جسر –ترانزيت- تمر الملاحة الغربية الانجليزية وغير الانجليزية عبر محيطهم الجغرافي والمائي، نحو الشرق والجنوب.
على عرب اليوم وأمس والمستقبل، العودة والانتباه لمراجعة ودراسة اسباب عجزهم وعطبهم التاريخي والراهن.
دخل الانجليز المنطقة العربية في أثر العناصر الاوربية الاقدم منها في استكشافات الجغرافيا الاقتصادية والسياسية والدينية، سواء في الصحارى الجنوبية او المعابر المائية او تخلخل النفوذ العثماني.
وكان الانجليز اكثر دهاء وخبثا من سواهم في استمالة العرب وتحريضهم ضد ال عثمان مقابل وعود مجانية رخيصة بالحكم والنفوذ الذي اسفر لاحقا عن نشأة بلدان وحكومات تابعة للسيد الانجليزي وتاج الملكة.
جاء الاحتلال الانجليزي لبلاد العرب في القرن السابع عشر، وذلك عقب ترسخ اقدامهم في شبه القارة الهندية وتأسيس دائرة الهند الشرقية.
كان جنوب العرابيا مهملا من النفوذ العثماني، ومتروكا لوصاية دولة محمد علي باشا في مصر. ولكن الاحتلال البريتاني لمصر (1870م)، وسيطرتهم على قناة السويس في عهد الخديوي اسماعيل، اضعف نفوذ الخديوية، كما حجم النفوذ العثماني في شبه جزيرة العرب، مقابل نمو النفوذ الانجليزي في المنطقة، بشكل انتهى لانشاء دائرة القاهرة البريتانية لادارة المصالح الانجليزية في [الشرق الادنى/ مصطلح انجليزي]، والتابعة سياسيا وعسكريا لدائرة الهند البريتانية.
في هاته المفصلية يلحظ ان تقارب الجواسيس الانجليز مع جماعات البدو الصحراوية [نجد واليمامة] كان اسبق تاريخيا واوطد من علاقاتهم بسكان الحضر في مصر والحجاز والعراق واليمن.
الى هاته المرحلة الشائكة تاريخيا ايضا، تعود قصة لغز شخصية محمد عبد الوهاب التميمي زعيما لطائفة اصولية تصحيحية في الاسلام. (وهابية) عبد الوهاب في بادية نجد، ليست مستقلة عن هرطقات اسلامية منشقة في بلاد السند وغرب ايران- [سوف تشكل جميعها ارضية خصبة لانبات حركة حسن البنا لتقويض نفوذ الخديوية في مصر لاحقا].
بعبارة اكثر وضوحا، ان الطائفية الاسلامية المعاصرة، المؤسسة للاسلام السياسي والاصولية الحديثة وصولا لجماعات التشدد والقاعدة واخواتها..
1- ظهرت خلال النفوذ الكولونيالي الانجليزي لمنطقة الشرق الاسلامي من الهند حتى مصر.
2- ان الهرطقات الاسلامية المعاصرة ظهرت في مناطق النفوذ الانجليزي المباشر، والممتدة عبر ما يدعى بخطوط الملاحة التجارية لانجلتره.
3- ان معظم رموز الهرطقات من المتثاقفين المتعاونين مع الادارة الكولونيالية الانجليزية.
4- فكرة الهرطقات اخذت عنوان (الاصلاح الديني/ Reformation) الذي عرفته اوربا منذ القرن السادس عشر الميلادي، فعملت انجلتره المهمشة اوربيا على توظيف الفكرة لاختراق العالم الاسلامي وترويضه لبناء قاعدتها الامبراطورية الكولونيالة [اصلام ديني + تنوير وتمدن].
ويمكن القول، ان تلك المرحلة التاريخية زمنيا، هي فترة الاصلاح العثماني وانفتاحها على الغرب المتمثل بفرنسا والمانيا، مما جعل انجلتره تتحسس عزلتها الاوربية وغيابها من مستقبل الشرق.
فكان الموقف الانجليزي معاديا للنفوذ العثماني والخطاب العثماني الثقافي في كل تفاصيله. وتأكدت كل اطماعها ومشاريعها في استغلال اجواء الحرب العالمية الاولى في داخل القارة الاوربية، لانزال جيوشها في مدينة البصرة والاحتلال المباشر للعراق، فضلا عن قوات اللندي المتقدمة عبر سيناء/ مصر لعزل المنطقة العربية عن النفوذ العثماني، والفوز بتحويل المنطقة الى غنائم حرب فذلكة غير حقيقية.
المفارقة هنا ان كتابا يتناول علاقة انجلتره بالعرب ينفي اطماعها في المنطقة، عدا كونها منطقة (ترانزيت) نحو مستعمراتها الشرقية في اسيا، مع العلم ان وجود الانجليز في مصر والخليج سابق لتدفق النفط، وتأسيس البريتش بتروليوم (BP) وشركة الملاحة النهرية والنقل المائي عبر دجلة في القرن الثامن عشر الميلادي.
{The Arab world is a region of transit; apart from oil, which the Arab people are at present content to see handled by others on a royalty basis, there is no British interest in Arabia as such; but it is a vital region from the fact that it lies between Asia and the Mediterranean, right across the highways of the Commonwealth.}- Freya Stark, East Is West, Arrow Books 1991, First published 1945, p.xv

فالعرب والمسلمون العرب جملة ساهموا في اسقاط ما دعوه لاحقا (دولة الخلافة)، ووراثة دولة الخلافة من باب الرياء السياسي والديني ليس الا. واذا كان اتباع حسن البنا او الوهابية ممن تداعى وتنافس لوراثة (الخلافة)، فكلاهما من صنيعة [ابو ناجي] وأدواته الرئيسة في خدمة المصالح الكولونيالية الانجليزية.
وعلى المسلمين الاصوليين الانتباه جيدا، ان اصول الاسلام السياسي امس، كما اليوم، عمل لخدمة حكم امرأة تتربع العرش الامبراطوري سواء كانت فكتوريا الامس او اليزابيث اليوم. بينما يؤكدون عدم شرعية (ولاية المرأة) وعدم شرعية (ولاية الكافر)، الى بقية السلسلة والانعكاسات المترتبة على ذلك.
لقد نشأ الحكم السعودي والاصولية الوهابية في حاضنة غربية امبراطورية انجليزية واميركية، وكان لهما الدور الاول في تقطيع اكبر عدد من اعناق العرب والمسلمين في العصر الحديث. وهو ما ينطبق على كل نشاط تنيظمات القاعدة واخواتها حتى داعش وما شابهها، منذ الثمانينيات لليوم.
فرغم مئات الوف المسلمين والعرب من ضحاياها، لم تنل من أي مسؤول سياسي او عسكري انجليزي او اميركي، مما يفضح زيفها وزيف تمثيلها وشعاراتها. بل ان الانجليز والاميركان من عناصر مخابرات وتخطيط وهندسة جزء من قيادة القاعدة وداعش، مما يتكشف من وقت لاخر، ويتم تبريره بعنصر منشق على الجيش الاميركي او متطوع انجليزي في الجهاد ونشوة قطع الرقاب.
ما اقوله هنا، بصوت هامس، ينفر كثيرون من سماعه، سوف يذاع على الملأ/ على السطوح من قبل منابر الانجليز والاميركان انفسهم قريبا. ففي كل حال، لم يعد العرب والمسلمون مثار خوف او تهديد للنظام الامبراطوري الفاسد.

(4)
من لذة الهند المنحرفة، وزهوها الفكتوري، ولدت فكرة البركست [23يونيو 2017م] لحزب المحافظين، لاعادة استمناء بقرة الهند الحلوب، طريقا لتفكيك ازمة نظامها الرأسمالي من جهة، وتعويض عجزها عن تصدر منصة الاتحاد الاوربي في مواجهة المانيا وفرنسا.
فكما كانت عزلة انجلتره بين مدنيات اوربا الحديثة، وعجزها عن مواجهتها العسكرية، او التفوق عليها- انظر مسرحيات شيكسبير الملكية-، سببا في هروبها لبلاد عبر البحار/ [oversees]، وبناء امبراطورية على حساب بلاد بدائية ومجتمعات ضعيفة، -لم تتعرف على مظاهر الدولة والجيش وتنظيم المجتمع والاقتصاد-، مثل استراليا ونيوزيلنده وافريقيا السوداء وامريكا الشمالية والهند.
فالمطلوب العودة لاستحلاب ابقار الهند وبلدان الشرق وغلق اسواقها لصالح التجارة الانجليزية. وضمن مشروع البركست، لابد للانجليز من تصدر امور السياسة والدين والاقتصاد في الشرق الاوسط.
وعلى مجتمعات العرب وجيوش مهاجريها للفردوس الانجليزي، عودة نوستالجية لعدوها القديم وحامل لواء الاحتلال الاول لبلادها. انها عودة مزدوجة للماضي والعبودية وغياب الوعي الثقافي والسياسي.
نحن نتعلم من الهنود، نعم نعيد الدرس ونروض انفسنا.. فليس ثمة بديل.
البلاد العربية يوما بعد يوم، تفقد صلاحيتها لحياة حرة كريمة.. تفقد المستلزمات الاساسية لاحتضان ابنائها وصيانة كياناتها السياسية.. بلاد العرب لا تسع عربا، وبلاد المسلمين لا تسع مسلمين.. ولكنها تسع الاجنبي والجيوش والمآفيات الغريبة عنها..
والعرب والمسلمون المهاجرون ينافسون الهنود والافارقة والصينيين ومجتمعات اوربا الشرقية في فرصة السكن والعمل ولكنهم يصطفون وراءهم- في نهاية الصف – في أي امتياز.
هذا هو ايضا معنى ومغزى استيرادها الدمقراطية الغربية، لطرد سكانها – عدا الاغنياء واتباع السلطة-، واحتضان الشركات العابرة للقارات وتجارة الرقيق.
الهند لم تسأل نفسها عن مبرر انجاب مزيد من البشر بلا وطن او طعام او كرامة.. هل يسأل العرب انفسهم عن معنى الانجاب ازاء غياب الاوطان وسواد الجوع والهجرة والتشرد في بلاد غريبة!.
انجلتره امبراطورية، تحتل وتغتصب، تحكم وتتحكم.. تروض لنفسها اتباعا وعملاء وعبيدا.. ونحن نفقد اوطاننا.. نفقد شرعية وجودنا.. نفقد ارضيات انتمائنا الوطني والقومي والديني.. ما كان يجعلنا شعبا او جماعة ثقافية تفتت تماما.. وتقاطعت الاهواء والاراء والمصالح ماشاء الله!.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق