قراءات ودراسات

تقنيات السرد الحداثي في رواية ‘ نَزَّأز’

للروائي السوري 'طلال مرتضى'

بقلم / خديجة مسروق (الجزائر)

كان للحداثة الغربية أثرها البالغ على المشهد الأدبي في الوطن العربي, وظهر هذا التأثير على مختلف الأجناس الأدبية. وكان للرواية نصيبها من هذا التأثير, بما أنها أصبحت الجنس الأدبي الأكثر جذبا للقراء. قام الروائيون العرب بتجديد و تحديث مقومات السرد مواكبة للإتجاه الأدبي التجديدي الذي يعبر عن توجهات القاريء المعاصر..
فارس هو ذاك الروائي الذي يمتطي صهوة الكتابة, يجيد التحكم في أصرمة السرد يحلق في فضاء اللغة, يتخير أبهى حروفها ليؤثث بها أركان نصه الإبداعي.
الروائي السوري ‘طلال مرتضى’ كان فارسا مغوارا حين قرر امتطاء صهوة السرد ليبدع للقراء نصا روائيا متفردا.
سنتناول روايته الموسومة بـ ‘نَزَّاز’ التي تعرض فيها و بكل جرأة لمجموعة من الموضوعات الساخنة التي باتت في دائرة المحظور وعالم المسكوت عنه في العرف الأدبي, معتمدا في ذلك على مجموعة من التقنيات السردية الحداثية.
و لأن الأدب يتغذى من الأزمات, فهي التي تحرك سكون الأقلام و تدفع الكتَّاب للإبداع. كان للأزمة السورية صداها على القلوب والعقول. وكان الأديب العربي حاضرا لرصد أحداث تلك الأزمة وتصوير وقائع الحرب على سوريا.
للروائي ‘طلال مرتضى’ حضوره المميز باعتباره سوري عاش وقائع الأزمة, ركز في روايته على آثار الحرب وتأثيرها على الإنسان السوري.
يملك مخيلة لا تنضب تسمح له بإغراق المشهد الإبداعي بأجود النصوص الروائية.
في أربع مائة وخمس وستين صفحة كانت رواية ‘نزَّاز’ الصادرة العام 2018 قام فيها بترويض اللغة لصالح الألفاظ, فجاءت طيّعة تخدم السرد فتدفق عذوبة ليروي ظمأ القاريء وهو في قمة عطشه المعرفي.
‘نزَّاز’ عنوان الرواية. و’النزاّز’ مصدر والفعل ‘نَزَّ’ و’النَّز’في معاجم اللغة ماء مالح يسيل من تحت الأرض. ويقال ‘نزَّزَت الظبية ولدها أي ربته طفلا.
قد يقصد بالعنوان الأرض النَّزَّازَة التي لا تنتج إلا الملح وأرض ‘خان السنابل’ التي تدور فيها أغلب أحداث الرواية كانت كذلك, و قد يكون ‘نزَّاز’ اشتق من الفعل ‘نزَّزَ’ ويقصد به ذاك الطفل وهو بطل الرواية الذي افتقد لحضن أمه التي ماتت فحضنته ‘ريم’ صغيرا..
مجموعة من العوالم الحكائية يدعو الروائي إليها قراءه عبر منجزه السردي, يجمع فيها بين عدة متناقضات, الجدي والساخر والواقعي والمتخيل والكلاسيكي والحديث .
أدى الروائي ‘طلال مرتضى’ في ‘نزَّاز’ دور الناقد والإعلامي والمؤرخ والراوي العليم والراوي الضمني ‘الرقيب’..
تعمد إخفاء مقصديته من النص في كثير من المشاهد بالمواراة خلف مجموعة من الدلالات السردية المفتوحة على التأويل, وذلك لإشراك القاريء في عملية إنتاج النص, فهو وحده الذي يضع له النهايات..
يمكننا تقسيم الرواية إلى فصلين. الفصل الأول متعلق بطفولة بطل الرواية ‘ساهر’ الذي عرف كل أنواع العذاب مع أب ظالم و زوجة أب لا تعرف الرحمة. والفصل الثاني خصصه الروائي لرحلة بطله, الذي قرر بعد معاناته تلك الفرار من جحيم أسرته ونار الحرب.
اشتغل الروائي في نصه على بعض تقنيات التعبير النفسي, كالاسترجاع والإحتفاء بالماضي و المونواوج, باعتبار أن الرواية تتحدث عن الإنكسارات والمآسي والحروب وأثرذلك على شخصيات النص.
بلدة بطل الرواية اسمها ‘خان السنابل’ إحدى القرى السورية أخذت اسمها من البلدة الأولى التي كان اسمها هي الأخرى ‘خان السنابل’. عاش سكانها في رغد العيش لما تنتجه من غلال وفيرة. بين بكرة وضحاها تتحول إلى أرض قاحلة تنزُّ بالملح, وتسربت تلك الملوحة إلى المنازل لتنُزَّ في أساساتها. وحولت تلك السكنات إلى آثار على شكل مغاور تعرضت للنهب من طرف مهربي الآثار..
يسلّم سكان ‘خان السنابل’ بمقولة إحدى العرافات التي أخبرتهم بأن بلدتتهم حل عليها غضب الله وستعيش لعنة أبدية. الإقطاع المستبد والحكم الظالم و الجوع الكافر والحرب المشؤومة, ولا خيار لهؤلاء السكان سوى اتنتظار الموت على أرضهم أو الموت غرقا في وحل الغربة.
‘ساهر’ بطل الرواية, يتيم ماتت أمه وهو صغير. لم يشعر يوما بأية عاطفة نحووالده, يناديه دائما بـ ‘السيد’
‘السيد’ كان كل يوم يشبع ابنه ‘ساهر’ ضربا مبرحا, لتأخره في النهوض فجرا لأداء الصلاة. يخاطب والده بتلقائية ‘بما أنك نصبت نفسك حارسا للرب كان عليك أن تخبرني بأن الرب رحمان رحيم, وليس فقط شديد العقاب’ الرواية ص 73.
ببراءة الأطفال لم يستوعب ‘ساهر’ فكرة موت أمه, وكيف اختاره الله من بين بقية رفقائه ليعيش يتيما ‘أود طرح سؤال على ربي, ألست عبدك, ألست من تلقيت لأجل حلالك وحرامك آلاف الجلدات ظلما؟ لماذا لم تترك لي أمي مثل باقي أبناء القري؟ ‘الرواية ص 74, تمنى لو كانت أمه موجودة حتى تهدهد قروحه وجراحاته التي كانت تتركها ضربات ‘السيد’ على جلده الطري. رسالة بريئة إلى ربه الذي أخذ أمه إلى جواره, ورسالة حسرة و عتاب إلى أب لم يعرف قيمة البنوة. إنه يسلم بسلطته عليه لكنه تمنى لو أن هذه السلطة استعملها أيضا مع زوجته التي كانت تتترك طفله جائعا من الصباح إلى المساء دون رحمة.
يتجرع ‘ساهر’ كل يوم المرارة بالألوان. لم يعد يشعربالوجع ولا بالجوع ولا حتى بالإنتماء..
‘ريم’ أبرز الشخضيات النسوية في الرواية. بين ‘ريم’ و’ساهر’ أكبر من حكاية. ‘ريم’ بالنسبة لـ ‘ساهر’ تمثل الأم والحبيبة والعشيقة. سيدة عشرينية لا يزورها زوجها إلا في العطل بحكم عمله خارج البلدة. ‘ساهر’ كلفه والده ــ الذي كان مسؤولا عنها في غياب زوجهاــ بخدمتها والقيام بشؤونها وتلبية طلباتها كالتسوق لاقتناء ماتحتاجه وأيضا حراسة منزلها ليلا.
‘ريم’ كانت تغدق عليه بمالها, تمارس عليه غوايتها كأنثى وتمده بعطفها كأم. تجتاح كل أوردته, تنتشله من الضياع. كان تعده صغيرها الذي تضع بيده كل الممكنات حين تلقمه ثديها لتمده بالحياة, وهي تعرف بأن هذا الطفل لم يذق طعم حليب أمه. ‘ريم’ كانت بمثابة الأم الثانية لـ ‘ساهر’, ‘ لكنها فطرة العقد والفطام, من يمنع المفطوم من الوصول إلى سهل صدر أمه العامر بسغب الحليب ‘ الرواية ص 142 …
‘ساهر’ يقرر الرحيل, لينجو بجلده من سلطة أب متعجرف , من زوجة أب مستبدة, من قهر بلدة حلَّت عليها اللعنة. ‘خان السنابل’ مثقلة بالمآسي .آلة الحرب بها تحصد الأرواح كل يوم بأعداد كبيرة. تشرد الكثير ومات الكثير. والبقاء فيها يعني الموت المؤكد. الأوطان تتألم لرحيل أبنائها, والحروب وحدها تغير جغرافيا العالم. إنها الحرب تعزّ من تشاء و تذل من تشاء, والبقاء فيها للأقوى ..


‘ساهر ‘ يرحل إلى المجهول … سلسلة من المحطات يجتازها بحثا عن أرض يعرف فيها طعم الحياة.
من حلب إلى دمشق الحضارة التي ظلت شامخة أمام عصف التاريخ ,إلى بيروت الانفتاح وتنوع المعارف. بيروت بالنسبة لـ ‘طلال مرتضى’ هي المدينة التي علمته الحلم و فتنة الحرف. احتضنته شريدا وكبرت معه و به..
أوربا الحلم.. الجنة التي كان يقرأ عنها ‘ساهر’ في الكتب وآمن بوجودها. فكانت وجهته خلف الضفة. من تركيا إلى بلاد اليونان حيث وجد الحفاوة الكبيرة, وكأن أفلاطون ترك وصية لشعبه بإكرام الضيف العربي الذي كان وفيا لفلسفته منذ التاريخ. من أثينا إلى صربيا إلى هنغاريا ثم بودابست ,إلى ألمانيا ومحطته الأخيرة كانت النمسا.
رحلة البطل كانت صعبة وشاقة كغيره من اللاجئين الذين لا يملكون وثائق تثبت هوياتهم. فكانوا يتنقولون عبر الغابات والمسالك الوعرة حتى لا يقعون في قبضة حراس الحدود الذين تضعهم كل دولة لحفظ أمنها من أي خطر داهم قد يأتيها من الخارج. والذين حتما سيعيدونهم من حيث أتوا أو يزجون بهم بهم في السجون.
أوربا وقف على حقيقتها ‘ساهر’ واكتشف بأنها مجرد كذبة. فقد أعلنت إفلاسها مثله تماما ولم تعد تلك الجنة التي تتحدث عنها المرويات و الكتب.
أوربا بجمالها و بثقافتها وبحضارتها خدمت العالم لكنها قتلت الإنسان.
في منتهى الغربة البارد يشعر ‘ساهر’ بالضياع والتشتت . ‘أكبر مقاطعة في النمسا لا يوجد فيها كتاب عربي’ الرواية ص 106. المكتبات فيها تتسع لاحتضان كل الكتب والكتاب من كل دول العالم, إلا بما يتعلق بالعرب وبالعربية. وماذا كان ينتظر ‘طلال مرتضى’ من الغرب غير ذلك؟..
يجد الروئي تشابها كبيرا بين معمار ‘فيينا’ ــ عاصمة ‘النمسا ــ ودمشق, إلا أن دمشق أطول عمرا منها, كما تشبه بيروت في تعدد الأعراق والديانات واللغات, وهذا ما يؤنس وحشته في غربته القاتلة..
الرواية عند ‘طلال مرتضى’ معصية يمارس فيها كل عنجهيات الكتابة. الكتابة عنده غواية والكاتب الحيد هو صاحب القلم الجريء الذي يكتب عن كل شيء. الذي يقول الحقيقة بكل ألوانها. فهل كان ‘طلال مرتضى’ في روايته هذه شفافا واضحا في قول الحقيقة, كل الحقيقة؟
بطل الرواية ‘ساهر’ كان نفسه الروائي ‘طلال مرتضى’. كان يتوحد معه في بعض المشاهد وينفصل عنه في مشاهد أخرى ليوهم القاريء بأنه لا علاقة له به ولا سلطان عليه. كان الروائي يتنصل من لعبة السرد ويتبرأ من بطله, مع انه اعترف أكثر من مرة في النص بأن شخصية ‘ساهر’ تمثله, وانه هو رب الحكاية و مسيّرها.
كما وضع الروائي شخصية ضمنية مرافقة للبطل, هي الحارس الضمني أو الراوي الضمني أوكل له مهمة الرقيب الذي يمارس سلطته على الروائي وعلى البطل إذا تجاوزا حدود السرد المتعارف عليها, بمنعهما من اقتحام بعض الموضوعات المحرمة اجتماعيا وديينا وسياسيا وتجنب تسمية الأسماء بأسمائها الحقيقية..
تتحدث الرواية عن سلطة النقد ومقص الرقيب, والكاتب الحذق هو الذي يمرر مضمراته بذكاء لذهن القاريء, وهو وحده الذي يملك زمام الحكاية.
‘نزَّاز’ تحرر فيها الروائي من النمطية. حيث استعان بكوكتيل متنوع من الآليات التي باتت ضرورية في النص الروائي الحداثي.
وكما يعلم جميعنا أن النص الحداثي يستمد وجوده وكيانه من غيره من الأجناس والأنواع الأدبية واستحضار بعض التقنيات السردية التقليدية بعد أن يبعث فيها الروائي روح التجديد و التحديث.
احتفت الرواية بالشعر وبالقصة واستحضار التاريخ والخرافة, إضافة إلى اشتغالها على فن المقال والسيرة الذاتية, كما كان للأغنية المحلية الشامية وجودها المميز داخل النص, وكل هذه الأشياء تعد تقنيات يستلزمها النص الحداثي..
‘المُلاَّ’ إحدى شخصيات الرواية. وظيفته الإجتماعية داخل الرواية إمام مسجد بلدة ‘خان السنابل’ يستشيره الناس في أمورهم الدينية. يؤمهم في الصلوات الخمس وفي صلوات الجنائز والاستسقاء. لكن في كل صلاة استسقاء كانت الأرض تزداد نزَّا وملوحة والسماء تجود بمائها على القرى المجاورة دون ‘خان السنابل’ .إلى أن اكتشف أهل البلدة أن ‘المُلاَّ’ لم يكن سوى ضابطا في المخابرات الاسرائيلية تخفى بزي شيخ , وأصبح خطيبا عليهم. إنها اللعنة التي تنبأت بها العرافة تحل على البلدة وأهلها..
سلطة المكان تجبر الفرد على البقاء وبالحب وحده تضمن الشعوب وحدتها. والثورة الحقيقية ليست بالسلاح بل بالفكر والوعي هكذا يراها الروائي ‘طلال مرتضى’..
الروائي مستاء مما وصلت إليه القصيدة العربية من انحدار بسبب العابثين بالشعر ‘والحبر إن الشعر لفي قهر’ الرواية ص 10. كما يبدي تحسره على وضعية الكتابة عموما والتناقض الذي عرف به الرقيب أو حارس النصوص الذي يطالبه بتعرية الحقيقة لكنه في الوقت نفسه يقف بالمرصاد في وجه المبدع والإبداع مشرعا مقصه لبتر كل ما يتعارض مع مصالحه. يتبع الروائي أسلوب السخرية في نقده لبعض المعتقدات السائدة عند العرب وطرق التدين التي لا علاقة لها بالدين.
الذاكرة المثقلة بالمآسي هي التي يمكن لها أن تبدع, فالإبداع يولد من رحم المعاناة.
وهناك كتَّاب خُلقت الكتابة لأجلهم. الروائي ‘طلال مرتضى’ أحد هؤلاء لذلك يحق لقلمه ممارسة غوايته مع الرواية, في زمن عدَّت فيه الكتابة معصية التائب منها كمن لا ذنب له.. الوصف في الرواية فاق الوصف ولا أعتقد أن هناك روائي عربي حداثي يضاهي الروائي ‘طلال مرتضى’ في ذلك. كل حدث في الرواية يخصه بالوصف الذي يتلاءم مع مشهديته بدقة, مثل ذلك الرسام المبدع الذي يتفنن في رسم جسد امرأة يستعمل الألوان والخطوط بإحكام, فتظهر للناظر حنجرتها وكأنها قطعة عاج صافية, ومفاز سرّتها بئر غارق بنشيج العطش لنهنهات الشبق.. الروائي متهم بشاعرية عالية تفوق التصور.
ما يعاب على النص التعمق الكبير في التفاصيل االدقيقة جدا, وهو أمر قد يراه الروائي يخدم العمل ولكنه في الواقع يرهق القاريء ويجعله يصاب بالملل وقد يرمي الرواية من قراءته للصفحات الأولى, ومن ذلك نأخذ مثالا ‘ عند وصول نقطة الحدود غابت كرة الأرض كلها في ظلام دامس يكدّر صفو هجعتها أضواء السيارات العابرة بين الفينة والأخرى, هذا ما يجعل الطقس متنبها ومتوترا حيث يتلمس المرء هذا من تقلب مزاجيته التي تتبدل بين اللحظة والأخرى, مرة مطر وأخرى عصف وتالية نوبات من الرعد والبرق المفزعة ‘ الرواية ص 219. كان بالإمكان التخلي عن هذا المقطع أو إختصاره في سطر واحد ومنه الكثير.
احتفت الرواية بالعمران الدمشقي وباللهجة السورية والشعر الشعبي الشامي وبالجمال الحلبي. كل هذا التنوع انسكب من روح روائي سوري مغترب فاض حبره عطرا لا يوازيه إلا عطر الشام الحاني..
‘طلال مرتضى’ كان صلب الحكاية وجوهرها.. فهل ‘نَزَّاز’ سيرة ذاتية للروائي, أم سيرة شعب, أم سيرة وطن ؟

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق