قراءات ودراسات

ترتدي الانتظار وطين الخرافة

قراءة في رواية ترتدي الانتظار لسهير ديوب

*د. محمد ياسين صبيح

مدخل:
يعتبر تداول القيم والموروثات الاجتماعية، حالة عامة وعادة في الكثير من المجتمعات العربية، هي قيم متوارثة عبر التاريخ، ولكن كيف سنصل ماهيتها، صدقها، تأثيرها وموجباتها؟ عن كل ذلك تبدأ رواية (ترتدي الانتظار) (صادرة عن دار حوران للطباعة والنشر – دمشق- سوريا -2012) من بيت الطين ص(8) (بعد أن يرفع الأطباء أيديهم تضرعا إلى السماء، من أجل شفائي. أنقل إلى مزار بيت الطين في قرية بكبن. تتجه بي والدتي ذات الرقبة المتيبسة. إلى هناك، كي تخرج الشياطين من جسدي، بعد أن يفسر لها شيخ الطائفة الحكيم، من أن الشياطين تقرر أحياناً، أن تسكن الأجساد الملعونة، لتعيث فساداً بمن حولها.. من تقاة.. تصطحب أيضاً والدي. ربما يشفى هوا لآخر، من سقوطه المتكرر، من عواصف فقدانه لوعيه. سقوطه.. الذي يكاد يجننها).
تستدعي تأملات السكون وفلسفة الصحراء، حيث تشفر الكون في 52 حرفاً من الأماكن التي تتجمع في بيت الطين، إنه الطين الأبدي، ذرة البداية وذرة النهاية، شفرة الحياة المخبوءة تحت زنار التاريخ، فثلاثية (الحب والجنون وبيت الطين) مزيج من الحكمة والانفلات الوجداني إلى فضاء الصحراء الواسعة. تقول في الصفحة (12) (ثم لا أدري.. كم أحبك. مع أنني أعتقد، أنك مصاب بما يسمى، جنون البحث عن الكنوز، منتقماً من جنون الاضطهاد. كما أعلم أن هذا الجنون، لا يترك لك بقعة ضوء واحدة، لتتوقف.. وتتمعن في ذاتك، أو لتضعها على المحك. بدأت.. تسلب انتباهي، كي أعجب بك. بعد أن سلبت انتباه الكائنات، في قرية بكبن. والآن.. في المزار.. لانتزاع إعجابهم بك، بحديثك، بعشقك للحليب الكستناء. ينصتون إليك بإجلال، يلعقون رذاذ لعابك، ينبهرون، بمعجزات بيت الطين، الذي تحول إلى مزار للشفاء).

حكايا الرواية
تبدأ الرواية بوضع الساردة الشخصية الرئيسية في بيت الطين من قبل أمها، لعلاجها من مرضها الذي لم تظهر ماهيته إلا في صفحات الرواية المتأخرة كما سنرى، وهناك تبدأ بتسجيل حكايا المنطقة وقصص الحب، والأهم ما فعله ويفعله القيّم على بيت الطين نوار حبيبها، والذي تعشقه، وتنتظره على الطاولة 52 دائماً كل ثلاثاء مع فنجانين من القهوة، والذي يعرض أفلامه على كتانة، حيث عملت هذه الأفلام على تغيير نظرة أهل القرية للحب ولفلسفة الحياة، ثم تسرد لنا الكاتبة قصة حب ياسمين وحنا، الفتاة التي زوجوها من رجل لا تحبه، وعاملها بقسوة ثم طعنها بالسكين، فهربت منه الى بكبن القرية.
وأهم حدث في الرواية مكمل لسيرة الشخصية الساردة هو قصة حنا وياسمين، الفتاة التي أحبت حنا الوفي، ولكن أهلها زوجوها من مثقف مدعي الثقافة، فقد عذبها وضربها، حتى وصل معه الأمر لطعنها بالسكين، فهربت منه بعد أن سجن، إلى حبيبها حنا في القرية-بكبن- الذي تفنن بصنع الأحذية لها، لقد صنعت من هذه القصة ومن قصة حبها لنوار مشرف بيت الطين ومزاول الخدع (المعاجز) فيه، قصص حب غير عادية، فهي ليست قصة حب رجل وامرأة فقط، بل هي روح كونية متمردة، تلف الطبيعة والأرض لتخلق تفاعلاتها الحياتية والإنسانية، وتختلف عن الحب والعاطفة، كما نعرفهما تقليدياً، هي لحظة كونية، يختلط فيها المكان باللامكان، وباللازمان، هي حالة تحول فيزيائي من حالة إلى حالة، وكأننا نعيش في أكوان متعددة، فداخل العشاق كون صافي لانهائي، يمتلئ بالحب والحرية والجرأة، مختلف تماماً عن ما هو في الواقع والخارج، هي حالة هيولى تتشكل لتخلق كائناتها المجيدة، التي لا تعرف الفشل أو التراجع أو الموت بمجانية.
لا يوجد في الرواية أحداثاً كثيرة، بل هي صدى لعلاقة الساردة بنوار وعلاقة حنا بياسمين، وكل ما يجري خلال ذلك، هو مكمل فقط للأحداث الرئيسية.

جسد الرواية
لكن الكاتبة لا تعتبر نصها رواية، وتعتذر سلفاً من النقاد، تقول ص(14) (لا تنكبوا على هذا العمل بسكاكينكم هذه ليست رواية، ولا قصة، ولا مسرحية، ولا حتى قصيدة شعر مسكونة بالوهم. هذا نص، أو وردّ.. نص، أو ورد أنثى، ضيعت بوصلتها. نص عنزة جسدها بشع، وقوائمها مشلولة، أذناها طويلتان. لسانها يمتد إلى حيث تستطيعون الوصول. دون أن تعثروا على نهايته. هي ليست من القطيع، وأنتم لن تلاحقوا حرة. وهي حرة.. هنا. في هذا المكان). لكن النص يقول غير ذلك، فهو منزلق متفاعل ومستقبلي، ينجو بسرديته من الخمول إلى بهاء الرواية، ففي بدايتها تقوم الكاتبة بسرد ذات القارئ، وتعريها من الوهم وتدخلها إلى ذات النفس المحبة، الغاضبة والعاشقة والمتأملة، هكذا يبدأ مشوار استلاب القارئ من مخيلته التقليدية إلى مخيلة الكاتب بالمعلق بين خيوط النفس وإلهامات الفلسفة ووصايا الآلهة.
وتحاول الكاتبة أن تبدأ بالسرد التقليدي لكنها ما تلبث أن تبتعد نحو سردها الخاص الملون بالمونولوج الداخلي، الذي يستنهض الرغبة والحلم والرؤية بنفس الوقت، ونوار حاضر دائماً تستنطق عن طريقه كل الأحلام والرغبات، تقول ص(29) (نوار هل تسمعني؟ تكاد تخنقني، أنا مثل ذاك الأصم الأبكم.
لمن أحكي؟ للغيم الذي يلثم وجه الغروب، للشمس المتزحلقة على وجه البحيرة الدافئة؟ حكاية طينية أخرى هي حكايتي معك؟ أنا كما لست هنا. أنت.. أيضا، لست هنا).
لكنها تسهب كثيراً في بعض الأحيان، مما يشكل ارهاقاً للنص وخاصة عندما تصف الحالة الواحدة، كما في ص(29) (من خلف بيت الطين، يمر سائقو الخراب. ليبدأوا عملية تقشير البيت من الطين. ثم.. من الرواية، قشرة، قشرة، طينة، طينة، وحكاية، حكاية، كما لو يقشرون حبة برتقال، أو قمح). وتعود في إلى تكرار ذلك عن بيت الطين والحكاية ص( 74 ) وص (64 وغيرها) (والشهوة زرقاء صفراء، خضراء، بيضاء أو ألوان قزحية مبللة بالندى، أعشاب جوية وبرية، أزهار، وورود، بنفسج، زنبق، زيوت دبقة، كثيفة، خفيفة وزيوت ثقيلة، … الخ).


تبدأ في الكشف عن علاقة الطين بالخرافة في لمحات السرد الوامضة، فهي لا تهتم للواقع المجرد عن الحلم والخرافة، بل تراه مزيجاً من كل ذلك، تقول ص(32) (من ثقوب خلف بيت الطين رأيت حكايتك، أول مرة أنت صاحب الاشراقات، الملقب بالمرام، تحفر بمثقب حديدي يدوي، ثقوباً للأعين الصغيرة، لمن يوّد أن يتلصص على كتانة السينما، سينماك ..في بيت الطين، المبني فوق سر من أسرار الوجود، منذ زمن الخرافة بالأحجار، والأوهام، والقصائد ،التي تقود كائناتها ،إلى وهم بالخلود). تصف حالتها كيف حاولت من الثقوب مشاهدة عرض فيلم السينما، وهكذا تدخل السينما الى الحكاية، كحالة مزج مستقبلية، لتبدأ في تفكيك يقين الخرافة كحالة تقليدية للعادات. فلقد استخدمت السينما كمحفز للانفلات من الرؤية التقليدية للعشق والحب والحياة، ومحاولة لاستنهاض قوى العقل المتأصلة والمنسية في أدراج العادات، فالرواية ليست سرداً لأحداث نائية في بيت الطين، بل هو الطين الذي يشكلنا جميعاً، يجب أن نغرف منه وجداناً ورؤية للمستقبل. فتعلن أنها تعيش في بيت الطين المجبول بالخرافة تقول ص(36) (هنا.. القرية المنسية- الحكاية أو الخرافة أو بكبن) هنا تمزج الزمن بالمكان الخرافة. فالمكان القرية-بكبن- بيئة قاسية للحب، فلقد توقف الحب ص(42) (منذ قرن على الأقل في بكبن-تيبس الشهوة- ثم يبس الحب، ثم يبس الوعي أيضاً، ثم يبس الموت أحياناً).
إنها حالة ثقيلة من الاعياء والسكون، تبتعد عن المستقبل بخطوة إلى الوراء، هذه هي حالة بكبن القرية مكان الحدث، وفي هذا الإطار تخلط بين أحداث الفلم السنيمائي الذي يعرض لأول مرة في القرية وفي الهواء الطلق أمام سكان القرية وضيوفها، وبين جمود وتناقض الأحداث الفعلية في القرية مع أحداث الفلم، هي حالة تضاد تخلق حركة ديناميكية سردية ودلالية، تجعل المتلقي ينتج مفاهيمه الجديدة من هذا التصادم الخلّاق. فالفلم ساعد سكان القرية على كشف حالة الخداع والخواء العاطفي الذي يعيشونه، وكأنه سراب يمشي في عروقهم، وجعل هذا كل منهم يحلم بتغيير مفاجئ، أو أن يعيش تجربة النشوة العاطفية التي عاشها أبطال الفلم، كما في ص(48) (بينما أخذت كائنات بكبن القرية المنسية في براري الله البعيدة، أو المقطوعة عن الحضارة، سراً، تستمرئ الخيانة، بل تنشدها بطريقة سحرية، فالنساء هناك.. على حافة الماء، كن يتوقعن بل يترقبن. خروج كائن ما.. ليس بالضرورة أن يكون من عالم الأرض، كي يمنحه ما يعتقدن أنهن يملكنه دون سواهن من اللذة).
هي لحظة انعتاق معرفي، تنفض غبار الرتابة والتقليد بعيداً عن معنى الخيانة التقليدي، فهي نقلة باتجاه المستقبل، فلقد جعل الفلم سكان القرية يستفيقون من غفوة طويلة، تجسدت بتقاليد وكبت جنسي وقوقعة اجتماعية، حيث تصدح الجرأة في حنايا أرواحهم، فتبدا دانا بجرأتها وباكتساب لذتها مع نائل الأخرس والذي حرموها منه أهلها سابقاً، وزوجوها إلى زوجها العاجز جنسياً، وبعد مشاهدة أهل قرية بكبن لأول فلم سينمائي، يعرضه نوار حبيب الساردة، وقام بيت الطين، يحصل شيئاً غريباً في القرية، حيث يستيقظ الجميع من غفوتهم الذاتية، من كبته الجنسي، من قوقعته الاجتماعية، وتصدح الجرأة في حنايا أرواحهم، وهكذا تبدأ دانا بجرأتها وباكتساب لذتها مع نائل الأخرس العجوز، والذي أحبته في صغرها وزوجوها عنوة عنها الى أخر. تحصل هذه التحولات الغريبة والقليلة، ولكنها بداية طقوس التحولات في القرية.

أسئلة وشفرات الرواية
-تبدأ شفراتها وترمي علينا أحجياتها الكونية، مبتدئة بترقيم الرواية بشكل مشفر، فهي تنطلق من الرقم 1 ثم تبدأ الترقيم ثانية بالرقم 1/2 ومن ثم تعود ثانية إلى 3 و4 وهكذا. هي لعبة الزمن الذي يخلط الحاضر بالماضي، حيث تقول ص(18) (كالبداية الآن .. يحدث الآن .. كما يحدث غدا، أو البارحة أسهو، وأنا أقلب صفحات الحكاية، على الطاولة ذاتها في مقهاي الذي على النهر. كآلهة حجرية تقلب وجه الحياة. تتراءى لي بحيرة بكبن الجديدة). هي لعبة تحول فيزيائي كمومي، في نفس الوقت نفترق إلى أكثر من حالة وأكثر من مكان، هي حالة تداخل وتنافر، تداخل للمستوى الخيالي المرتبط بحبكة الحدث وبالتالي احضار أكثر من فكرة وتأويل، وتنافر للاتجاهات لتخديم المشهدية المتعددة الصور.
-لقد جعلت من بيت الطين منطلقاً لرؤياها عن الكون والأحداث، ومسرحاً لكل الهمس الذي يسمع في بكبن القرية التي يوجد فيها بيت الطين، فالطين متلازم مع كل حدث، وكل لحظة ص(28) (من باب البيت الطيني المزار الآن، إلى أسفلت الشارع الجديد المرصوف بالسواد، مسافات تعدو كالأحصنة، من ابيضاض طريق الحلم، طريق الطين، طريق قصتنا. قصتنا الطينية، التي تكاد تميل إلى اسوداد إسفلت ما كان.. أو ما حدث، أو سيحدث.( تحاول أن تزرع شيفرة الطين في الحكاية كأساس لها ومنطلقاً للحبكة.
-لقد اقترن اسم القرية بالاسم -بكبن- انها ساعة بكبن الشهيرة في لندن والتي اعتدنا على سماع دقاتها منذ الصغر، فتغيرات العالم كانت تضبط على بكبن، وهنا الأحداث تضبط على إيقاع بيت الطين- فهو قلب الأحداث دوماًـ الكل ينتظر المعجزات، وينتظر التغيير، أي تغيير- فالزمن هنا منغلق ومتكور على أحداث بيت الطين، على القرية -بكبن- المختلفة التي تخلق زمنها ووقتها.
-فلا تنفك ترمي تحت بصر المتلقي أرقامها المشفرة، كترقيم الرواية والطاولة 52 وهنا كالمائة وخمس وعشرون خطوة ص(29) (مئة وخمس وعشرون خطوة اخطوها من باب الطين نحو الخراب، كأنها الهلاك، خراب ما.. يحلمون ببنائه الآن. يعيدون ترميمه كأنه لم يحدث. أدور حول البيت). فالطاولة 52 قد تكون رقم الطاولة في المقهى فعلاً، أو عمر الخيبات التي لم تستطع تحقيقها، هي شفرة تفكك لغة الانتظار.
-الشفرة الهامة التي تقحم النص بها هي السنيما، نعم عرض الأفلام على كتانة بيت الطين، وهي أول شفرة شكلت خرقاً للمفاهيم التقليدية في القرية، فأغلب الناس أصبحت لديهم الرغبة برفغ أغلال الحياة كما يعيشونها، والعيش بحرية، وأقلها مع من يحبون. فالسينما شكلت حافزاً، وسبيلاً لخرق المألوف التقليدي.
-الشفرة الأخيرة التي أتت في نهاية النص تقريباً، هي الغمر، عندما يغمر السد القرية وكل الذكريات، انما هي شفرة تعبر عن التغيير وعن المستقبل، فالعادات وبيت الطين شكلا رمزاً للتقاليد القديمة، وبالتالي فالغمر، هو التغيير المنشود، وخاصة بأن حنا وياسمين تأقلموا معه وشكلوا لهم مكاناً صالحاً للحب.

قضايا الرواية
نتيجة بعض الأخطاء التنسيقية والاملائية، يحصل التباس في الإشارة إلى نوار، فتارة تخاطبه بالفتاة، وتارة بالشاب ص (73) وص (235) عندما تقول (ترمي نوار شالي الأخضر، تنزل من سرير الغابة لتعد القهوة لأول مرة)، هنا تخاطب كفتاة، وتخاطبه كرجل ص (237) (هنا تتلو صلواتك النادرة أمامهم، يظن الجميع أنك واقف متوحد، بالحب بالمعرفة، شارباك هلال مكتمل في سماء وجهك الليلكي)، كان يجب الانتباه إلى مثل هذه الهفوات، لأنها تؤثر على مستوى سرد الرواية.
يقف المتلقي متأملا في وضع الساردة الصحي، ولا سيما بأنها تركت للعلاج في بيت الطين بمساعدة الأولياء، وتكشف في الصفحة (73) الساردة مرضها (بأنها مشلولة)، وهذا يفسر لماذا تتفرج على عرض الأفلام من ثقوب بيت الطين، وأحياناً مع نوار، وتعلنها صراحة بأنها حرة، وبأنها لا تمثل نموذج المرأة الشرقية التي تقتل حلمها، وتتقوقع ضمن عالمها (غرفتها) ص (74) تقول (أنا أختي، أنا أمي، أنا كل نساء الشرق، أنا لم أعلم أنني حرة منذ ولدت، وكل إناث الأرض حرّات، أنا من لفت الحجاب على رأسها، وأنا من وضعت اللجام ما بين الفك السفلي والفك العلوي، أنا من طرد الهواء من شعري المتناثر، أنا من خنق خصلاته الحرة، أنا القاتلة، السجانة لحلمي). هي تمثل صحوة المرأة التي تكبلها التقاليد. وما حادثة انتحار دانا ومن بعدها نائل، إلا عبارة عن جسر مؤلم لعبور فكرة التحرر من القيد المجتمعي، ووسيلة لبقاء الجرأة مشرعة على التجريب.
هي الفتاة المشلولة والحالمة، والعاشقة، التي لا يمكن لها أن تحقق حلمها هكذا ببساطة (هي كل نساء الشرق)، وهو المتعجرف الذي لا يعترف غير بمغامراته مع النساء، المرأة له شبق وشهوة (مثل كل رجال الشرق)، إنه تجسيد للتقاليد المتوارثة، وبين كل ذلك يرزح بيت الطين، رمز التقاليد الخرافية، فالشرقي يحتاج إلى خرافة ليفسر ضعفه وماضيه، ولتهدئ من ضياعه وغياب الفعل العقلي لديه. وحتى لعدم قدرته على رفض أي ظلم مهما صغر.
تتطور الرواية لتعالج علاقة الأسرة داخل هذا المجتمع المفترض الذي وضعت فيه شخصياتها، من هنا نرى كيف تنظر إلى أمها مثلاً، فهي لا تعتبرها المثال الذي يجب أن تكرسه أو تكونه، بل تراها الخطأ الذي اندلق على الشهوات، ابتداء من الشيخ إلى أن تركتها وحيدة في بيت الطين لتشفى، هي حالة انفصال ذاتي عن التقاليد العنفية، وجرأة الخروج عن الاطار العام للموروث التقليدي، تقول ص (112) (تهملني أمي، يهمل الشرق كل إناثه اللواتي يحضرن، بينما أمهاتهن ينتظرن ذكراً، تهملني كما كل نساء الشرق يهملن إناثهن، بينما ينتظرن مهديهن الذي لم يأت بعد).
تبقى عالقة في الفضاء الكوني بعلومه الظاهرة والمخفية، فوالدها كما تقول، يبقى دائماً ميتاً وحياً بنفس الوقت، هكذا يدور في حلقة كونية فيزيائية، حيث تتوالد فيه بنفس الوقت الرعشة والضجر، الموت والحياة، الموروث والمستقبل، هو صراع مرير لازال لم يحدد اتجاهه بشكل نهائي، فكل أحداث الرواية تدور في هذا الفلك، فالطاولة 52 والانتظار، والعودة إلى بيت الطين، هي شفرات، تمثل متواليات الحدث المكرر دائماً. هي مركز الحدث ومركز اشعاعه وتشعباته، منه تنطلق كل الشخصيات وباستمرار تلجأ للانتظار على نفس الطاولة 52 وتطلب نفس الشيء (فنجانان من القهوة السادة) ص(113) (أطلب فنجانين كالعادة لي ولك)، وتقول ص (115) ( ثلاثاء أخر مديد.. مديد الظل.. مديد القامة.. فنجانان من القهوة السادة.. واحد لن ينتظر شفتي.. الآخر يترقب اللحظة!).
تعتمد الكاتبة كثيراً على السرد الذاتي المنفلت من حدود الحدث والزمن، إلى حدود وصف مكنونات الذات وتحولاتها، بلغة شاعرية شفافة، وتقف على عتبة قضايا النساء، فهي متمردة على كل شيء، تحلم أن تكون امرأة وحسب وتملك كل الكون والحب، فهي ليست كأي امرأة عادية، بل امرأة متمردة ترى أبعد من افق بيت الطين المجبول بالخرافة، ويبقى سؤالها عالقاً في دهاليز الفضاء ص(20) (من سأكون؟).
ما يميز الرواية أنها لا تكشف ماهية الشخصيات إلا بعد الصفحة (115)، حيث نعرف مثلاً بأن الساردة المريضة، هي مشلولة، وأن نوار الذي أحبته الساردة هو يقوم على خدمة بيت الطين، وهو من يقوم بتنظيم العروض السينمائية وغير ذلك من بداية كشفها لقصة ياسمين وحنا، هي مقدرة سردية، استطاعت من خلالها الكاتبة أن تحافظ على التشويق واللغة الشاعرية، فتبدأ من الصفحة (126) بتفكيك شفرة العلاقة بين ياسمين وحنا قطبة قطبة، فتبدا بسرد حياتها منذ صغرها وكيف تعرفت إلى حنا، هي سيمفونية الحكاية المنسية على ضفاف بحيرة بكبن، يدير نغماتها مايسترو الحلم من بيت الطين.
كما تتميز الرواية بتعدد أصوات الراوي، فتارة تكون الساردة هي نفسها الشخصية الرئيسية، وتارة تذهب إلى ساردة عالمة بالتفاصيل، فهي تنتقل بحرية بين الشخصية الساردة والراوي السارد العليم، كما في ص (186+192) وعيرها، فالفرق هنا يندرج في أن الشخصية الراوية، هي موجودة فعلاً في قلب الحدث، أما سرد الراوي، فهو ينتقل بين الأحداث في أماكنها الفعلية البعيدة عن بيت الطين، هي طريقة مبتكرة للخروج من مأزق ازدواجية الرواة.

رؤية أوبرالية وسوريالية
تبهرنا الكاتبة بصورها السريعة، وهي تتراكم وتشكل نهراً من الحكايا والصور والذكريات، رغم الاطالة بالسرد، وكأننا نسمع ونرى أوبريت غنائي مميز ينتهي بسيمفونية لحنية سردية، وخاصة عندما تصف عودة ياسمين إلى بكبن القرية بعد خيبتها من زواجها وهروبها من زوجها، بعد أن أبرحها طعناً بالسكين، تقول ص (195) (قدم ياسمين اليمنى تغرق في فردة حذاء بعمر الشوق، اليسرى تغرق بورود الياسمين البري، بعد الحذاء.. الذي تحتذيه، يمتد طريق طويل من أحذية، نبت فيها عشب بري واقحوان أحمر، بلون شوق حنا، وبحجم غضب الجدة، عشب وورود بطول الغياب، طريق تتلوى فيه الأحذية من ساحة القرية حتى يصل خلف بيت الطين، حيث عينيها ما تزالان عالقتان بثقوب جدار بيت السينما).
وحتى الحوارات في الرواية وعلى قلتها لم تكن تقليدية، بل أتت من عوالم الموسيقا والأوبريت، هي رؤية حلم شاعري، تقول ص(196) مخاطبة الجدة بعد غياب (-كيف علمت بقدومي؟.. -عطرك!.. -اشتقت لقرصتك ولألوانها تتمرغ على جلدي.. -حاذري من احتذاء ما تحملينه في حقيبتك، أنت لست بحاجة له.. -كيف علمت؟.. – رائحة اللون الأحمر تفوح.. -ألم تنسي؟.. -وهل نسيت أنت؟.. -ومن ينسى؟..).
تخلق الكاتبة حالتها السوريالية على مدى صفحات الرواية، في الكثير من المقاطع، وكأنها تريد إعادة ترتيب الحدث على مقاس الحب بين العشاق في الرواية، لا تترك حجراً بحالته الجامدة، بل تشارك الشخصيات بمشاعرهم وخيباتهم وفرحهم، فيجتاح الخيال الجامح الصور الروائية كمكون سردي مهم، يرمم جسد القص ويكمله ببنى خيالية واسطورية حتى يصبح متخماً بالدلالات والايحاء. تقول ص (199) (مياه النهر تجتمع في حمامة، في دمعة، في ابتسامة، في أكثر من ذلك. الخيل الطائرة تملأ الهواء بغبار حوافرها، أنفاسها تصهل بحرية، أملا بحياة أخرى، بأحلام أخرى).
كان الحدث الأبرز في القسم الأخير من الرواية هو ظهور السد وغمره الغابة والبيوت والذكريات معه، هي دلالة رؤية مستقبلية، ربما لترك التقاليد القديمة بأخرى منفتحة ومتحررة من القيود العقلية، وجديدة تستحق المحاولة كما تقول بلسان حنا ص (213) بعد أن يغمر السد أغلب الأماكن ويدل ياسمين على المكان الجديد لعشهما (خذي حجراً وارمه نحو البحيرة، وعدي الدوائر. حاولي ثانية، وثالثة، حتى تتسع دائرة على امتداد البحيرة.. سترين حبنا يتسع، ويتسع حتى تغار منه البحيرة فتبتلعه، لا تخافي ياسمين هو غمر ماء وحسب.. اعلمي أن كل ما يحدث الآن، ما هو إلا حصاة لمستها قدم عاشقة فسقطت في الماء)، إذاً فالغمر هو لمسة عاشق ستغمر الكون بتعالقاتها، تستبدل الكاتبة التقاليد والموروثات المقيدة للحياة، بالحب وهو بالنسبة لها فلسفة وجود، وحضور وتجدد، فهو من يعطي الأشكال ألوانها، ومن يجعل النهر يضحك والتلال تزغرد، هو رؤية خبايا الكون قبل النفس، هو الحرية في أبهى صورها، عندما تشعر بالفرح وانت مغمض العينين دون أن يكون لأي سكين خطر على شعورك وأفكارك.

مطبات الرواية
– كادت الرواية أن تفلت من الكاتبة، بتحكمها بالأحداث وسيرها، حيث كثرت الصراعات الذاتية الداخلية والتأملات، والانتظار على الطاولة 52 بيوم الثلاثاء، وهو موعد الساردة مع حبيبها نوار، والذي غالباً لا يأتي، وذكريات حنا وياسمين دون أن نعرف تفاصيل علاقتهما، إلا أن الكاتبة بلحظة اشراق، تعود بنا كالصاعقة إلى قلب الرواية، واعتباراً من الصفحة (124) عندما تبدأ بقص حكايا حنا وياسمين وقصة حب أزلية، وقصة مها التي تعيش في المقبرة، وهكذا تتجدد حكايا الرواية، بشكل مختلف وسريع بعد أن كان البطء سيد الموقف، وكذلك أرى وجود الكثير من الإطالات المتشابهة، في الوصف والمعنى، كان يجب عدم الاسراف فيها.
– المطب الثاني الذي كاد أن يشكل خطراً على الرواية هو مرض الساردة وتفاصيله، فحتى الصفحة /73/ تكشف مرضها وعلاقته ببيت الطين وتفاصيل جلبها من قبل الأم لتعالج هنا. ولكن وكساردة متمكنة، تستطيع الإفلات ببراعة من هذا المطب أيضاً، فالعبرة دائماً هي بامتلاك الروائي المقدرة على رؤية الأحداث من الأعلى ومن الأسفل بنفس الوقت، حتى لا يفلت منه أي تفصيل مهم.
-المطب الثالث الذي أفلتت منه الكاتبة ببراعة أيضاً، هو ابتعادها عن اللغة الصوفية، رغم حميمية العلاقات العاطفية، وقوة العشق التي صبغت علاقة حنا وياسمين، وعلاقة الساردة بنوار، ورغم التداعيات العاطفية واللغة الذاتية المفرطة في الحب، لكنها بقيت بعيدة، عن الانحياز الصوفي الذي قد يأسر العلاقة، ويشبهها بعلاقات الحب الصوفية التي درجت، بغير وجه حق.
فهذه المطبات لم تكن فعلاً عوائق أو مطبات، بل كادت، إنما يوجد بعض المطبات التي يمكننا ان نقول بأنها، أثرت بشكل أو بأخر على سير الرواية، منها مثلاً:
– الشاعرية المرهفة في متن الرواية، قد أصبحت في بعض المطارح عبئاً وسرداً زائداً نوعاً ما، فمثلاً ص (235) (بدأت بنزع ملاءات سرير أرض الغابة، عندما اكتشفت أن القمر قد انتهى، من لملمة ملاءاته الفضية، عن صفحة الماء، ورتبها بعناية في خزانته وأقفل الأبواب)، نلاحظ أن وصف ما فعل القمر بالملاءات غير ضروري هنا ولا يخدم السرد، فالأهم هو الحالة، أي أن ضوء القمر ذهب. وهكذا نجد بعض هذه الحالات التي كان بالإمكان تجاوزها، ولكنها بالعموم لا تؤثر على جمالية السرد وشاعريته.
-لا شك أن بطء السرد وبطء تدفق الأحداث في الرواية ناتج عن الوصف الزائد للحالة الذاتية للساردة كما في الصفحات (147+148+171 وغيرها الكثير) وأثر على مستوى التشويق ومستوى السرعة الدرامية للحدث، ولكن هذا لم يؤثر في اتقان الكاتبة لمزج الواقع بالخيال، بحيث تنتج واقعاً سوريالياً، تعبر به عن غرائبية العادات والموروثات، وكيف يعيش الجميع كقطيع من الرؤوس المجمدة على أفكارها، تقول ص(163) (أرى كائنات المزار تمشي على رؤوسها، في كل رأس حذاء، مقاسه، يناسب مقاس الرأس الذي ينتعله، لون يناسب لون منتعله، جديد، قديم، مهترئ، أسود، أبيض، بني، أحمر على ما لانهاية).
عن النهاية
برعت الكاتبة في الخلط بين قدسية العشق وبين قدسية الوهم، وهم العادات والتقاليد، فالعشق هو المحرك الحقيقي لكل شيء في بكبن القرية، والوهم والتقاليد هم المعيق لكل أفق كوني ينطلق من العقل.. وبنفس الوقت تفلت من المأزق الصوفي، لأنها لا تقحم في تداعيات عشقها لنوار أو عشق حنا لياسمين، أية عبارات أو مفاهيم صوفية، وبهذا تكون قد تفردت في ابتداع عشقها الخالص البعيد عن اية تشبيهات أو تأثيرات. ولكن الثقوب التي في بيت الطين، والتي من خلالها راقبت الساردة ونوار وحنا وياسمين السينما، هي ثقوب تطل على الأفق الاتي وإلى المستقبل، تقول ص (243) (أعلم كل شيء.. أعلم أنه لم يعد في القرية حمام غرفة نوم، إلا وأحدثت فيه ثقباً سرياً، يشبه إلى حد كبير ثقوب بيت الطين). هي ثقوب في عادات وموروثات لا فائدة منها، هي إعادة رؤية جديدة لكل شيء.. وعماد كل ذلك الحب، الحرية والانطلاق نحو أفق أرحب..
تنتهي الرواية بموت ياسمين وحنا طوعاً في قاع البحيرة، التي تشكلت حديثاً، رمزاً للغمر القادم من الأفكار، ربما لتحل عادات جديدة من الجرأة والتسامح والعقل، وتكمل الرواية برحيل نوار حبيب الساردة، وهكذا تبقى الساردة وحيدة بانتظار الحب، فهل الانتظار هو قدر الكائنات العاشقة، كما هو قدر كائنات بكبن القرية، هي شفرة بيت الطين بيت التقاليد الموروثة والتي لا ترحم عقل.
خاتمة
ترتدي الانتظار، رواية بطعم الحلم، بلون السيمفونيات العابرة للأزمان، تحكي وتحلم وترقص وتنتظر بنفس الوقت، وكل ذلك على أنغام الشاعرية الملفتة، رواية أجادت فيها الكاتبة صياغة الأحلام، وتفكيك شفرات التقاليد، ولولا وجود بعض الأخطاء في الطباعة والتنسيق، وتستحق الرواية أن تدقق بشكل أكبر وان تعطى الاهتمام المطلوب، غير ذلك لكانت رواية متفردة، وهذا لا يمنع كونها رواية مستقبلية، ما فوق حداثية، تجربة سردية جديرة بالملاحظة والتعمق، اخترقت فيها الكاتبة حدود السرد التقليدي، الذي يتصاعد فيه الحكي والحدث حتى درجة الغليان، بينما في الرواية، نجد في كل صفحة تغلي وتبرد الأحداث.
تتميز رواية ترتدي الانتظار بأنها مختلفة تماماً عن أي عمل روائي تقليدي، فلا يمكنك أن تمسك سرد الحكاية بسهولة، فهي ليست حكاية أو حكايات تبدأ أو تتصاعد وتنتهي، بل هي أشواك تنزعها، لتجدها ثانية، حكايات تنتهي لتبدأ ثانية، قصص حب من نوع كوني غير مألوف.. ما أن تنتهي حتى تبدأ بشكل أكثر اشراقاً وجنوناً، هي نبع من الحكايا في حكاية واحدة، نبع من الصور في صورة واحدة، هي طريقة وأسلوب لم نجده في أي عمل روائي أخر.
تبشر الرواية بولادة روائية متميزة تجيد التشويق والابهار، والمزج بين السوريالي والواقعي، والأهم أنها تجيد الاستفادة من أحداث قليلة، لخلق فكرة كبيرة وشاملة.
*كاتب وناقد/ سوريا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق